إلى وقت قريب  كان كتاب الرأي البارزين في صحافة الخرطوم  يأتون الى دور الصحف الكبرى في حياء وتودد، يعرضون كتاباتهم البائرة الى رؤساء التحرير ، يستجدونهم نشرها ولو بعد حين. وفي حقبة الديمقراطية الثالثة كان تشاشة الرأي  يجلسون تحت ظل شجرة النيم الظليلة أمام دار السياسة لمحررها الدكتور خالد فرح ينتظرون الاذن لهم بالدخول، ولا تفسح لهم المجالس الا بعد ان يقضي علية الصحفيين مهامهم بكتابة الأخبار والتقارير والحوارات الصحفية والتحقيقات والأخبار المنوعة الخفيفة. يومها كان للخبر قدسيته وللصورة وهجها وللكلمة أثرها.نجوم تلك الفترة جميعهم كانوا من الصحفيين المحترفين، محجوب محمد صالح، رحمي سليمان ، محجوب خيري، السر فضل، محمد الفاتح سيد احمد، عمر اسماعيل عبد الصادق مصطفى محمود، عيدروس عبد العزيز ، هاشم كرار، فتح الرحمن النحاس، احمد البلال الطيب ، محي الدين تيتاوي ،كمال حسن بخيت ، راشد عبد الرحيم ،ادريس حسن، الوليد ابراهيم  العراقي اخوان ، العمرابي اخوان، اسماعيل ادم ، جمال عبد القادر،اسماعيل محمد علي، قائمة من الصحفيين المحترفين القابضين على جمر المهنة.وقائمة طويلة من الصحفيات المحترفات، نعمات بلال، شادية حامد ، سعاد عبد الله، امال عباس، انعام محمد الطيب ، سمية سيد ، سميرة الغالي، عواطف محجوب ، ايمان محي الدين واخريات أكثر احترافا وحبا للمهنة لا يتسع المجال لذكرهن فالغرض التمثيل لا الاجمال. يومها لم يكن للكتاب الزخم والانتفاخة التي نراها اليوم. والسبب بسيط، هو شيوع المعرفة وانتشار المعلومة والغاء الحجب بين الحكام والمحكومين.. كنا نرى الصادق المهدي متى أردنا وفي اي وقت شئنا وكذا الحال للترابي والهندي والميرغني. ومع موسيقى الانقاذ تقدم التشاشة الصفوف كتابا للحكام يعرضون عليهم بضاعتهم البائرة ويخدعونهم بقدرتهم على اعادة الافاعي الى جرابها. وللاسف الشديد يصدق كثير من المسؤولين تلك الدعاوى فاكتسب التشاشون الجدد قوتهم مما يسرب لهم من معلومات وما يفسح لهم من مساحات في الصحف السيارة . وهؤلاء هم من أعمى بصيرة الحاكم بقول الزور حتى قال وزير المالية ان حال السودانيين اليوم في نعيم لم يشهدوه من قبل. وقال وزير الداخلية ان الراكب السوداني يسير من نيالا الى الخرطوم لا يخشى الا الله والذئب على غنمه. وقال وزير الخارجية ان امريكا على وشك تطبيع علاقاتها مع الخرطوم وان اسرائل افزعها التقدم العسكري الهائل الذي يشهده السودان في مصنعي اليرموك وجياد ، وانها صارت تسابق الزمن حتى لا يخرج المارد من قمقمه.
كان التشاشة في زمن مضى يرضون بعطية المزين وتجدهم بعد ثورة اكتوبر وقد جلسوا القرفصاء ينتظرون رؤساء تحرير الصحف في ممرات عمارة الصحف الاستقلالية بالخرطوم ولم يرفع هؤلاء رؤوسهم الا بعد ان بنيت عمارة الصحف الشمولية فحملوا الواحهم و محاياتهم يكتبون حجباتهم للقراء الجدد ممن يظنون فيهم صلاحا وقربا من العسكر ومن تبعهم من صناع القرار.
لقد اثار مقالي السابق عن تشاشة الصحافة العديد من ردود الافعال ، أيدني فيه غالب ابناء قبيلة الصحافيين وغضب عليه نفر غير قليل من الكتاب المجيدين من امثال عبد العزيز البطل واخرين وتلقيت من البطل  رسالة طريفة وساخرة  استنكر فيها ما ورد في  ذلك المقال  واعتبره عدوانا على قبيلة الكتاب و تهديدا لمصالحهم وهدد البطل  بنسفي نسفاً من خلال سلسلة مقالات بعنوان الاغاني لعبد المطلب الاصفهاني.. وجاءني من الزميل حسن فضل رسالة اخرى، جاء فيها:

أسال الله ان يعجل بالإجابة على تساؤلك ليوقف عبث تشاشي صحافاتنا ليفسحوا الطريق لمحترفي الصحافة الحقيقيين.
ولا يتأتى ذلك برأي الا بذهاب من يستقدم التشاشيين ويوجههم يمنة ويسرة خدمة لهذا العبث.
والحال ، هكذا اجد نفسي سعيدا بهذه التهديدات وهي لن تجعلني ارفع المنديل الابيض امام كتاب الراي ومناصريهم ، فالصحافة للصحفيين ، تماما كما ان السودان للسودانيين، ولا عزاء لكتاب الرأي ومرحبا بهم وهم يجلسون القرفصاء أمام دور الصحف يستجدون صغار المحررين للتشفع لهم أمام أبواب رؤساء التحرير ، وليعد الكتاب الى مهنهم الاصلية ونحن نحبهم مهندسين واطباء وعساكر ورجال ودين ، لكننا لن نعترف بهم كصحفيين ولو منحهم تيتاوي القيد وعمدهم العبيد مروح كتابا لوحي السياسة الكذوب.
اخر الامر، لست بحاجة الى اعادة قصة ظريف القرية الذي ظل يتباهى بين اهله ببضع كلمات من الانجليزية دون ان يجاريه عليها أحد، وبقى مختالا على ذلك الحال زمانا الى ان جاء الى القرية سياح انجليز وهنا صاح أحد الشيوخ نادوا  أحمد ولدنا يراطن لينا الخواجات ديل، وهنا اسقط في يد صاحبنا فصار يهزأ بكلمات لا معنى لها مما اغضب الضيف الانجليزي فصفعه على وجهه، وعندما سئل التشاشي المتثاقف عن ذلك قال لهم : والله خليت  الخواجة فقد المنطق. وانا على قناعة من ان كتابنا لن يرعوا .. وليت حكومتنا الموقرة تفقد المنطق.

abdalmotalab makki [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]