سخر الدكتور حسن عبد الله الترابي من أحد مدعي التنفذ وقد ملأ المكان ضجيجا ، حين سئل من يكون هذا الشخص الذي تبدو عليه سيماء الزعامة والرفعة ؟ فاجابهم ضاحكا صاحبكم " تشاشي ساكت"! والتشاشي عند أهل دارفور رجل يرافق زعيم القبيلة في حله وترحاله حتى اذا اجتمع القوم لمناقشة كبيرة من الكبائر تجده بينهم يزحم المكان جيئة وذهابا ويبدو للناظر من بعيد كانه شخصا ذو شأن عظيم، لكنه في واقع الحال مجرد عامل بسيط مهمته " تش اللحوم لزعماء القبائل المجتمعين".
وحال الصحافة اليوم مليئ بهؤلاء التشاشين الذين يملاون الصفحات ضجيجا، فيحسبهم الناظر من بعيد من اهل المهنة الحقيقيين لكنهم في حقيقة الامر مجرد تشتاشين وقطط تحاكي في انتفاختها صولة الأسد. ولن يخيب ظني إن قلت: إن كتاب الراي في الصحف هم التشاشين الجدد. 
ولتبيان ذلك أقول : صديقي مصطفى أبو العزائم، صحفي محترف وإعلامي فخيم لم يكن بحاجة أبدا إلى المزايدة والتزلف الى كتاب الراي بقوله: إن الصحافة السودانية؛ وهي تحتفي بكتاب الراي انما تبلغ أعلى درجات المهنية والاحترافية والتطور ، بزعمه ان صحافة الراي هي اخر ما وصل اليه الاعلام في عصر الانفجار المعلوماتي!!. وواقع الحال ، أن الصحافة العربية بدات في مصر بصحيفة الوقائع عام 1828 وقيل الغازيتة التي أصدرتها الحملة الفرنسية على مصر 1789 ، بينما الاهرام هي اول صحيفة عربية رسمية منتظمة وكان ذلك عام 1876، وفي ذلك العهد وقد كانت ابواب السلاطين مغلقة على العامة من الناس ومشرعة لاهل السطوة والسلطان والمحاسيب وبسبب تفشي الجهل والامية كان العامة بحاجة الى من يفسر لهم الاخبار ويتنبأ لهم بنوايا السلاطين المتسلطين، وعرف العرب المحدثين في كل امصارهم وفيافيهم وصحاريهم وغاباتهم ايضا انواعا شتى من تلك الصحف التي يملكها افراد ويحررونها بانفسهم يكتبون فيها الراي ويسوقونه لعامة الناس ويدعون الضرب في علم الغيب السياسي والتقرب الى السلاطين. وفي ام درمان حيث نشأ صديقي ابو العزائم كان الناس يتندرون عن كذب الملازمية وما يافكون به من اقول ينسبونها زورا وبهتانا الى المهدي؛ يزعمون حينا انه يتوي اقصاء الخليفة شريفة ويوما يريد الهجوم على الحبشة واخرى انه سيفرض على الناس اتاوات وضرائب مثل الاتراك. وخلال الحكم الوطني الذي أعقب الاستعمار اعتلى التحقيق الصحفي صدارة المهنة لان الناس يبحثون عن حل لقضاياهم العامة على يد الحاكمين الجدد . وبعد ثورة التعدد الفضائي انتقل الناس من صحافة الراي الى الخبر واصبح السبق الصحفي هو اساس المهنة ، ولم يبق الخبر على عرش المهنة طويلا بسبب الانفجار المعلوماتي وشبكات الانترنت والخدمات الاعلاميةالمتناثرة مثل جراء الانجليز في يوم ممطر ؛ فجاء عصر التقرير الصحفي لان الناس اصبحوا يبحثون عن المزيد من المعلومات وما يعرف بما وراء الخبر..واليوم دخل التقرير الصحفي الى الصفوف الخلفية لصالح التحليل المعمق والصحافة الاستقصائية واصبح الجمهور نفسه صحفيا مؤثرا في الشان السياسي فاسلمت الساحة الصحفية عرشها الى الملتميديا او الوسائط الاعلامية المتعددة ؛ أي ان القارئ لم يعد سهلا خطب وده براي او خبر او تعليق هو يريد الصورة والصوت والجرافيك والخبر والتعليق وانتهى عصر الوان مان شو.. صديقي أو العزائم مهني محترف وأتمنى  ألا يجرمه شنئان قوم على عدم القول بالعدل . وخلاصة القول ان احد اسباب علة الصحافة في السودان هو تسنم كتاب الراي قمة هرم المهنة واصبحوا منظرين لها، كما قال الدكتور حسن عبد الله الترابي في سخرية لاذعة أخرى  : بعض أهل الانقاذ أتينا بهم ممثلين فاصبحوا مخرجين.
في كل الصحف العربية يتقاضى الكاتب راتبا لا يصل الى ربع راتب الصحفي المحترف إلا في السودان يحصل الكاتب على عشرة أضعاف راتب الصحفي، بل ويصبح الكاتب رئيسا للتحرير وناشر ومالك للدور الصحفية ويقرر في مصير كل الصحفيين وفي مستقبل المهنة بكاملها. لسنا ضد الكتاب وعباقرة الراي، لكننا ضد "ان تطرد جداد الخلا جدادة البيت".. ولا ادرى بعد كل هذا ما زال صديقي ابوالعزائم عند رايه بان صحافة الراي هي اخر مراتب العمل الاعلامي أم له راي اخر؟.


abdalmotalab makki [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]