قرأت بكثير من التروي البيان الصادر من السفارة الأمريكية والذي رفضت فيه السفارة ما أسمته " التصريحات المحرضة من قبل عضو البرلمان السوداني الطيب مصطفي حول زيارة فرقة الجاز الكلاسيكية الأمريكية التي دعتها السفارة الأمريكية. وقالت السفارة إن حديث السيد مصطفي يحرض بشكل متعمد علي الكراهية وتشجيع العنف ضد الولايات المتحدة وحكومتها وشعبها. وعلى وجه الخصوص، فإن إشارة السيد مصطفي إلى مقتل الدبلوماسي الأمريكي جون غرانفيل من قبل إرهابيين قبل 10 سنوات كانت غير مسئولة بشكل خاص من قبل مسئول في الحكومة السودانية، والتي هي مسئولة عن سلامة الدبلوماسيين الأجانب بموجب اتفاقيات فيينا.

وتحتفل الولايات المتحدة بحرية التعبير، سواء في بلدنا أو في جميع أنحاء العالم. ونعتقد أن حرية التعبير في السودان أمر أساسي للمجتمع لكي ينمو بشكل ديمقراطي تماما، وهو حق أساسي للبشرية. و نؤيد حق السيد مصطفي في التعبير عن آرائه بشأن القدس والسياسة الخارجية الأمريكية عموما، حتى وإن كنا لا نتفق مع مضمون آرائه. ولكن التهديدات الغامضة ضد المواطنين الأمريكيين الأبرياء، هنا لغرض وحيد هو توسيع العلاقات الثقافية بين الشعوب وهو أمر غير مقبول وينبغي إدانته من قبل الجميع"
لقد جاء بيان السفارة الأمريكية مهنيا ومنطقيا حيث حفظ للمهندس الطيب مصطفى حق حرية التعبير حتى في حال عدم الاتفاق معه بشان القدس، وانتقد البيان في ذات الوقت الإشارة إلى مقتل الدبلوماسي الأمريكي ، واعتقد أن الإشارة إلى مقتل الرجل لا يخلو من استفزاز دبلوماسي وسياسي ضرره أكثر من نفعه في مسار العلاقات السودانية الأمريكية.
وبالرغم من وجهة نظري التي تتفق مع بعض المحللين السودانيين ممن رأوا في بيان السفارة الأمريكية تنطعا على شان داخلي بحت وتعريضا بناشر مرموق وبرلماني له حصانة تحميه وله الحق في الإشهار بما يراه من أراء وأفكار، لكن قناعتي أن العلاقات السودانية الأمريكية تمر بمرحلة حساسة ويجب أن تحكمها المؤسسية في جميع مراحل التعاطي معها ولا تترك لآراء البرلمانيين والسياسيين وحتى صناع القرار .. أتفهم أن تعالج لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان ملف العلاقات وكذا الخارجية السودانية عبر مؤسساتها المعروفة ، عدا ذلك على بقية الخائضين في الشأن الخارجي مدفوعين بنوايا وطنيتهم الرجوع لجهات الاختصاص. ويبقى سعيهم مشكور وليس عليهم الإفتاء في أمر العلاقات بين واشنطن والخرطوم. وانبرى كتاب آخرون في نقد تدخل السفارة الأمريكية في قضية القبض على فتاة بتهمة الزي الفاضح، وهنا أيضا تجب الإشارة إلى أن العولمة السياسية ألقت بظلالها على الدول وبات من المألوف أن تتدخل منظمات المجتمع المدني والتنظيمات الحقوقية والناشطين في كل شان يهم حقوق الإنسان وبالأخص تلك الحقوق التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وهي الحريات الشخصية وحريات التعبير واحترام كرامة الإنسان ، وينسى المنادون بكرامة الدولة أن هذه الحقوق هي في الواقع من صلب التشريع الإسلامي الذي نتمسك به قولا ونخالفه فعلا وذوقا وفهما وتطبيق.لم يكن مقال المهندس الطيب مصطفى موفقا في الحديث عن مقتل غرانفيل كرادع للأمريكيين حسب تقديره وفي ذلك دعوة صريحة للعنف وما كان لرجل في حصافته الوقوع تحت طائلة مثل هذا الحديث. واطمئن الطيب مصطفى بان الشعب السوداني لن يكون مقدسيا أكثر من أهل القدس أنفسهم الذين يقيمون الليالي الملاح مع الأمريكان واليهود وغيرهم من شعوب العالم. ولو أقيم هذا الحفل لشارك فيه الكثيرون ولوجد الترحيب حتى من اقرب الناس إلى الباشمهندس نفسه. لقد جرت مياه كثيرة تحت الجسر وأهل السودان ليس بوسعهم دفع فواتير الدفاع عن غيرهم من شعوب العالم هكذا بلا ثمن.
لا مجال للمزايدة باسم الدين ، فالسودان والسودانيون لم يدخلوا الدين الإسلامي أفواجا بعد الإنقاذ، بل واقع الأمر أن العقوبات والشعارات الإسلامية المتزايدة نمت معها السلوكيات المشينة والمرفوضة في كل الأديان جنبا إلى جنب ولا أدل على ذلك من فساد أهل الحكم والإدارة وفسادهم ازكم الأنوف وليس بحاجة إلى دليل إثبات وفقا الأضابير المحاكم وتقارير المراجع العام. الضجيج الإعلامي والحقوقي والقانوني الذي تحدثه الحملات الهوجاء على المظهر العام تضر بسمعة السودان في الخارج وتلوث صورته القانونية والتشريعية ولا تحقق هدفا مفيدا في جانب سلوك الناس وذوقهم العام أو في ضبط تصرفاتهم..
لقد خسر السودان كثيرا بسبب المعارك المثارة مع طواحين الهواء ، هربت منظمات الإغاثة ومؤسسات التمويل الدولي والخاسر من هذه الحروب الكلامية هو المواطن البسيط وشباب السودان القادم الذي كتب له أن يقارع حروب العولمة بغير سلاح بسبب الحصار والعلاقات المتوترة مع الولايات المتحدة الأمريكية. توقف العون المالي والفني والتقني بسبب حروب كلامية ومواقف هلامية اكتست بثوب الدين ودثار الايدولوجيا لندفع ثمن ذلك ولا نجد لأحكام الدين أثرا في حياتنا اليومية فصرنا مثل الصائم الذي ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش. تديننا الزائف أضحى ينطبق عليه المثل الشهير : كالمنبت لا ارض قطع ولا ظهر أبقى.
لا بديل أمام السودان سوى تحسين علاقاته الدبلوماسية مع الولايات المتحدة الأمريكية، اليوم قبل الغد، لقد خسرنا الكثير بمعاداة واشنطن ولم نكسب شيئا ، خسرنا التكنولوجيا المتقدمة والتدريب المتطور والتعليم النوعي المواكب لحاجة العصر ، خسرنا العون الإنساني لجيوش اللاجئين الأفارقة المتدفقين على الحدود السودانية من دول الجوار.. خسرنا مشاريع التنمية التي وفرت العيش الكريم لسكان الريف وعندما فقدوا المعين توافدوا إلى الخرطوم حتى أصبحت الخرطوم هي الدولة. أمريكا اليوم هي من يمسك بزمام السياسة والاقتصاد العالمي وهي أرض الفرص والأحلام والتعاون، ودولة بهذا الحضور العالمي ستفيد المشروع السوداني ولن تهزمه ، لان الإسلام المتسامح هو الأسرع انتشارا وهو الأقوى إقناعا ، لقد كان متطرفو الكاثوليك يرون في التسامح مع الإسلام خطرا أكبر من مواجهته فقد ثبت أن الدين الإسلامي ينتشر بالتسامح أكثر من انتشاره بالعقاب والجزاء والسيوف.
التوجه الذي قاده وزير الخارجية البروفيسور إبراهيم غندور ، حقق خلال أشهر ما لم تحققه سياسات المواجهة والمخاشنة المستمرة منذ سنوات ،لذلك يجب الاستمرار في النهج المؤسسي لإعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي ، فواقع الحال يشير إلى أن السودان لن يحقق تنمية ولن يشهد تطورا بعيدا من أمريكا.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.