نعى الناعي ليلة أمس الأول، رجلاً من خيرة رجالات السودان، وأنقاهم سيرة وسريرة ومسيرة؛ هو السفير عبد الرحمن سلمان نصر، سفير السودان الأسبق في القاهرة، وعضو اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي السوداني، وأول محافظ لمديرية جنوب دارفور في أول تقسيم للمحافظات بعد تطبيق الحكم اللامركزي ..
ولأن الموت نقاد في يديه جواهر يختار منهن الجيادا ، فقد كان خياره هذه المرة، من نصيب الإداري النظيف والخندقاوي الوقور، سليل رجالات الإدارة الأهلية في شمال السودان، وصانع المعجزات في حل مشكلات الإدارة ومحاربة الفقر، في مناطق التماس وباعث الأمل والغد الأخضر، في نفوس المواطنين في أريافهم وقراهم وعواصمهم البعيدة.
لقد برز الراحل عبد الرحمن سلمان كإداري فذ في عهد الإداريين الأفذاذ من قادة الحكم المحلي في السودان من أمثال الدكتور جعفر محمد علي بخيت وحامد علي شاش واللواء الراحل محمد عبد القادر عمر وأحمد عبد الرحمن محمد . ولكل واحد من هؤلاء من سيرة نضرة أضحت من قصص الخيال يكفي منها أن حي الرياض الحالي كان على رأس المسؤولين من تقسيم أراضيه حامد علي شاش ومع ذلك لم يملك منزلا فيه.
كان الرئيس الراحل جعفر النميري، يكن له تقديرا عظيما، وثقة عالية في وطنيته ونقاء طويته، ونظافة يده وحرصه على التنمية الإدارية بمفهومها الشامل.
تاريخ الحكم المحلي في السودان يرصد للراحل بصمات عظيمة ستمثل له عمرا مديدا بعد وفاته فقد عرفت العديد من المشروعات التنموية باسمه ، وقد حصلت على مخطوط حكومي يشير إلى أن النميري أشاد بحكمته وحنكته ونظافة يده عندما أسس الهيكل الإداري بمنطقة أبيي بجنوب كردفان بموازنة قدرها أربعة ألاف جنيه سوداني ، وظفها في بناء مقر الحكومة المحلية وتشييد مدرسة ومركز صحي وسجن لتأمين السكان من المتفلتين. ولا أدري كم سيكلف بناء هذه المشروعات، في ظل جشع المتعهدين، وطمع الإداريين والمقاولين، في زماننا هذا.
وعندما حقق نجاحا لا تخطئه العين في مواجهة النزعات الانفصالية لبعض دينكا نقوك في منطقة أبيي وأحال المنطقة من درك الاحتراب إلى مصاف المناطق المنتجة في الريف السوداني ، اختاره النميري محافظا لتأسيس محافظة جنوب دارفور الوليدة . وقدم الرجل نموذجا للإدارة الراشدة حيث شهدت الولاية في عهده استقرارا اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا ساعده عليه أبرز قادة الحكمة المدنية والعسكرية في السودان في مقدمتهم الفريق عبد اللطيف علي إبراهيم الذي تولى تأسيس شرطة المحافظة الجديدة وبسبب ما حققه من نجاح اختاره النميري قائدا للاحتياطي المركزي تلك القوة التي أصبحت عضدا أمنيا قويا وسندا للقوات النظامية والأمنية على مستوى السودان. ومنهم كرم محمد كرم الإداري المعروف الذي تولى مهام معتمدية الخرطوم في الديمقراطية الثالثة ومن بينهم مساعد المحافظ للشؤون الصحية الدكتور الراحل حسن عبد المجيد حسن حمزة. وعند تأسيس محافظة البحر الأحمر لم يجد النميري أفضل من رجل التأسيس الإداري عبد الرحمن سلمان ويومها التمس الراحل من الرئيس النميري أن يشد اذره بقائد الشرطة القوي الفريق عبد اللطيف علي إبراهيم وهنا انتهره النميري قائلا ) موش على كيفك) .
كان الراحل عبد الرحمن سلمان إداريا قويا ففي عهده ابتدع فكرة الطريق الدائري لمدينة بورتسودان والذي كان هدفه تجنيب المدينة مخاطر الشاحنات العملاقة التي تجوب الطرقات كما أقام نقطة سلمان التي عرفت باسمه خارج المدينة ليصبح الميناء بمعايير الموانئ العالمية. كما أسس شركة السودان والإمارات للاستثمار التي كانت ولا تزال من أقوى وانجح مشروعات الاستثمار العقاري .
ومما يشير إلى قوة شخصيته وسداد قراره انه جعل من سلطة المحافظ قوة إدارية لها وزنها في المركز قبل تطبيق الحكم الفيدرالي الحالي ويحفظ التاريخ له ان الدكتور الراحل حسن عبد الله الترابي كان وقتها قد عين نائبا عاما فقرر السفر إلى بورتسودان للتحقيق في شكوى أثارها نفر من هواة المكايدة السياسية ولما وصل الترابي إلى بورتسودان طلب منه المحافظ مغادرة المدينة فورا لان التحقيق في هذه القضية هو شان يخص المحافظ نفسه . ولم يجد الراحل الترابي بدا من مغادرة المدينة دون رجعة .
إن سيرة الراحل عبد الرحمن سلمان مليئة بالعبر الإدارية المهمة والصالحة للمفاكرة والمدارسة وأخذ العبر منها .
رحم الله السفير والإداري الفذ عبد الرحمن سلمان والهم رفيقة دربه السيدة نبوية حسن محمود التي كانت المرأة العظيمة التي وقفت وراء كل هذه النجاحات ورحم الله أشقائه التربوي حسن ونصر سلمان وجعل البركة في أبنائه ، محمد ورشيد ونذير ووليد وغادة ، انه سميع مجيب.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.