غادرت الفانية في الخامس والعشرين من مارس المنصرم الحاجة المبرورة عائشة  كمبال محمد، وهي من النساء النادرات اللائ تستحق  آن تحكى سيرتهن للأجيال الناشئة ، رغم إن الناس ينشغلون دائماً بسيرة الأعلام  والنجوم في عالم السياسة والفنون والمال والرياضة .. الخ ، ولكن نادرا ً مايعنى أهل القلم بتوثيق  من هم أعمق عطاء ً خاصة في حقل التربية الأسرية والمجتمع ، مع عظيم خطر التربية والأسرة ، ومع كون نجاحاتنا الرئيسة في السودان هي في المجال الإجتماعي ، وهو الآخر بدأ يتهدده شبح العاديات الثقافية وإستلاب العولمة التي بدأت تهدد قيمنا السمحة وموروثنا الثري ، حتى باتت خشيتنا كبيرة ومبررة  على بناتنا وآولادنا رغم تعليمهم أن يفشلوا في بناء أسر ناجحة ومتماسكة كما فعلت أمهاتنا الأميات ، ولهذا نحكي قصة المرحومة عائشة كمبال .

ولدت المبرورة في مدينة كورتي بالولاية الشمالية في العام ١٩٢٤م ، وتزوجت المرحوم عبد الحفيظ محمد حسان ، وإنتقلت معه لموقع عمله في السكة الحديد  ، لتعيش معه في حي آم بكول العمالي الشهير بمدينة عطبرة ، وتنجب له أولاده المهندسين علي وبكري وإبراهيم وعمر ، والأساتذة ميرغني ومحمد وعثمان ، وبناته فاطمة وزينب وآمنة ونعمات وفائزة وسامية ، ورغم إنتقالهم  إلى الخرطوم فإن كورتي وجارتهامقلنارتي وعطبرة تظل هي المواقع صاحبة البصمة الأولى الأعمق تأثيرا ً في حياة أسرة الحاجة عائشة ، ولئن ذهب المثل السوداني للقول ( بأن النساء عرق بطيخ ) بمعنى إنهن يجلبن علاقات مصاهرة تنطلق كعرق البطيخ من نقطة واحدة ولكنها تتسع وتتجذر في كل الإتجاهات ، وهكذا كانت مصاهرات المرحومة عائشة كمبال فقد إرتبطت وأبنائها بمصاهرات  شمل بالإضافة إلى   مقنارتي وكورتي شمبات وجلاس والحاج يوسف وجلاس  والإسكندرية والحصاحيصا وحلفا والعجيجة والجابراب والكباشي ومدني وأربجي  وشطيطة المناقل  والرباطاب والدويم   والجريف  والبشاقرة وبربر وحصاية الدامر والمشايخة والبرياب والديانة  ريفي سنار وكوستي والشرفة  الخ ( قولوا ما شاء الله ) .
أعظم مايميز سيرة المبرورة الحاجة عائشة كمبال هو قدرتها الإبداعية على توليف كيمياء المحبة والإلفة بين أفراد أسرتها الكبيرة التي متعها الله بعمر مديد حتى رآت أحفادها وأبناء أحفادها ، ومتعها بسعة  إستثنائية بحيث يكون لكل واحد من هؤلاء  علاقته الخاصة بها وإن تعددت طبائعهم وصفاتهم ، كل واحد من  البنين والبنات  والأحفاد والأصهار كان يشعر بأنه إبن  الحاجة المدلل ، له معها  مساحات من الخصوصية فوق مالدي الأخرين  ، حاضرة دائماً بهدايها للكبار والصغار و أعظم منها رصيد هائل من الكلمات الطيبة المؤثرة ، والدعوات الصالحات التي تخصصها في وقت السحر لكل إبن آو حفيد حسب مطلبه وحاجته ، هذا لعمري من القدرات الإستثنائية الخاصة. بأهل موهبة  ( السعة ) وأكرم بها من هبة  .

تنوعت الإنتماءات  المذهبية الإسلامية لأبناء وأحفاد المبرورة ، مابين الولاء للطريقة الختمية التي
إلتزمها الوالد عبد الحفيظ محمد حسان ، والسمانية على يد رجل شمبات الشيخ العارف بالله الشيخ زين العابدين الشيخ الحسن ،  الذي أصبح الأبناء بكري وعمر من كبار تلاميذه ، وأحبته وإرتبطت به  كل الأسرة ، إلى الحركة الإسلامية التي إلتقطت إبراهيم  وعثمان عبد الحفيظ وبعض  البنات ،  وظل آخرون بالطبع في منزلة الإستقلالية المذهبية ، ولكن بسعة المزاج السوداني إستوعبت الحاجة عائشة كمبال هذا التنوع ، ويكفيها إن جميع من في بيتها  على تدين وإلتزام في حديقة الإسلام ذات الزهور المتنوعة والطعم الحلو ، وهل تكون مثل هذه السعة في غير بلاد السودان .

علمت المبرورة  ذريتها معنى الترابط العائلي  ، فما إن يدخل عليها آحدهم إلا ويكون مجرى الحديث حول ظروف أضعفهم من أفراد العائلة ، أو من له وضع طارئ أو مناسبة إجتماعية وشيكة  ليس مجرد سرد للحالة ولكن إقتراحات ، بل وتعليمات ، ومتابعة للتنفيذ ، وما أعظم قدرتها على الترغيب والإستنفار  ، وما أرق عباراتها في ذلك ، وما ألح متابعاتها ولكن في قوالب من التحسين والتسويق تعرفه وحدها .

لاتسألني عن حبها لأهلها وأرحامها وسؤالها عن الغائبين  ،  وشوقها للمسافرين  ، وعناقها الباكي للقادمين منهم ، ووصيتها وتحننها على المساكين منهم ، وشفقتها على الصغار وصداقتها
معهم  ، و حفظها لود أهلها القديم ، وتعابيرها الفصيحة عن كل تلك المشاعر بعبارات أهل الشمال الحنونة ( واحليلي ، واشريري، وا حلاتي ) قلت لك : لا تسألني   فذلك حال يعجز عن وصفه القاصرون أمثالي . 

مع إمتداد عيشها في الخرطوم لما يزيد عن الأربعين سنة ، إلا أنه كان بالجسد وحده ، كانت الروح هنالك في كورتي ، التي حرصت دائماً  أن تحث الأبناء على الصيانة والزيارة الدورية لمنزل والدهم الذي بناه في كورتي ، وهو منزل فسيح ظل الوالد المرحوم يأخذ إليه العائلة في كل إجازة صيفية ، وأصبح من بعد مسكنا ً  في خدمة الصالح العام لموظفي الحكومة من العاملين في المدارس والبريد وغيرهما   ، رغم تعدد بيوت الأبناء والأحفاد في الخرطوم ، إلا إن حنين الحاجة كان دائماً لبيت كورتي ، والإصرار والمتابعة من قبلها لصيانته دورياً ، حتى لو كان ذلك من عائد بيع البلح ومن مالها الخاص ، ولها في ذلك هدف وحكمة ، ترى إنه إما قدر لبعض أفراد العائلة عودة دائمة أو موسمية للبلد ، أو صار صدقة جارية لزوجها المرحوم ، أو أنتفع به  الأهل هناك على نحو ما .

وفقت الحاجة عائشة كمبال أن تعمق  مفهوم بر الوالدين وسط ذريتها ،  ووفق أبناؤها وبناتها وأحفادها وبالغ في المسارعة بأنواع البر وإشاعة ثقافته ، بناء ً على أشواقها ورغبتهايصحبها بنوها للحج في كل عام والعمرة آحياناً آكثر من مرة ٍ في العام وذلك منذ عشرات السنين ، ينشط جسد الحاجة العليل بمجرد قدوم   موسم الحج والعمرة  ، وتنشط  همم البنوة وإن ضعف جيبهم ،  آما الوصال والتلطف والمسارعة لإجابة أمرها في كل الشوؤن  فإن لهم فيه بفضل الله توفيق عجيب ، وإن كانت الحاجة المبرورة آية في العفة والإيثار والرفق والإقتصاد في طلب الحاجات .

الحاجة عائشة كمبال كتاب كبير من الفضائل  ، ما ذكرت هي بعض سطوره ، وما قصدت بهذه الكلمات مجرد النعي وذكر محاسن الراحلين ، ولكني أشعر بآن الجيل القادم من أمهات المستقبل هن الأكثر حاجة لمثل هذه السير من أخبار الجدات والأمهات اللائ نجحن في بناء أسر على قيم عزيزة ، هي موروثنا ورأس مالنا الإجتماعي .
رحمة الله ومغفرته تغشى قبرك في كل حين أيتها الوالدة الحنونة ، وهو الذي نرجوه أن يسكنك فردوسه الأعلى في منازل الصديقين والشهداء والصالحين      



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.