رحيل (الظعينة) بإيمان (الصوفية في السودان)


الجدية والحزم والعزم ، مع خليط الأصالة والصدق والالتزام ، أضيف إليها إتقان وتجويد الصنعة في مركب إبداعي ، تلك هي عناصر المعادلة التي شكلت شخصية المرحومة المخرجة عواطف محمد علي التي فارقت الدنيا في الأسبوع الأخير من شهر سبتمبر الماضي ، هكذا عرفناها منذ أيام الجامعة في النصف الأخير من عقد ثمانينات القرن الماضي ، ومن بعد في دروب مهنة إنتاج الأفلام الوثائقية منذ نحو عشر سنوات .

كنا في الجامعة نكابد مشقة التوفيق شبه المستحيل بين الواجبات الأكاديمية والعمل في إتحاد طلاب الجامعة الذي يستغرق معظم الوقت ،   والتدافع يومها  على أشده مع منافسينا في ساحة الطلاب من قوى سياسية فاعلة وناشطة  ، نسابقهم نحن طلاب الإتجاه الإسلامي  في كسب ثقة الطلاب فننتصر عليهم مرات وينتصر وا علينا أخرى ، والأمر سجال يجعل الجميع في حلبة التحدي ، والتسابق للإنتصار للفكرة والمشروع وكل بما عنده معجب ، والنتائج على الأرض لمن  يجود ويتقن فما نكاد نبارح ساحة العمل إلى الدرس إلا بشق الأنفس ، ولكن المرحومة عواطف كانت أكثرنا قدرة على التوفيق والمثابرة في التحصيل الأكاديمي دون أن يكون ذلك على حساب إلتزامها التنظيمي والدعوي ، ولعمري فإن ذلك التوازن لايتأتى إلا لأهل العزائم والهمم العلية وقليل ماهم .  

تخرجت والمرحومة في كلية الإقتصاد ، ولكن جمعنا وإياها بعد ما يزيد عن عشر سنوات العمل في الإنتاج الإعلامي الذي بدأت طريقه منذ أن كانت تنشط في السكرتارية الثقافية في الإتحاد ، وأصبحت مخرجة لبرامج تلفزيونية عديدة أشهرها برنامج ( سنابل الربيع )  في أول التسعينيات وحينما بدأنا تجربة إنتاج الأفلام الوثائقية لقناة الجزيرة ، جمعتنا  معها الأقدار في تجربة تستحق أن تروى للناس .

كانت المحاولة الرابعة  لنا لإنتاج الأفلام الوثائقية لقناة الجزيرة ، وكان موضوع الفيلم الوثائقي هو (الصوفية في السودان )  ، وبالتعاون مع إحدى شركات الإنتاج الإعلامي  أقترح علينا أحد الشباب استدعاء مخرج ومصور من المحترفين من دولة عربية مشهورة بالإنتاج السينمائي ، وقد كان أن تم  التعاقد معهما وهما يحملان  مؤهلات عالية وخبرة مقدرة ، ولكن جهلهما بالبيئة الثقافية كانت نتيجته  رفض الفيلم من قناة الجزيرة  مع كل المجهود الذي بذل فيه من الفريق العربي المستجلب .

كان إصرارنا كبيرا ً على إعادة المحاولة وعدم الاستسلام للفشل ، وقد جاءنا الرأي من الأخ الأستاذ يوسف إبراهيم ( شيخ يوسف ) بأن تتولى الإخراج الأستاذة عواطف محمد علي ، وقبل هو أن يتولى  كتابة السيناريو ، رغم إنهما الإثنان لم يجربا الإنتاج لقناة عالمية وبحجم وصرامة قناة الجزيرة ، وقد خاضا  التجربة يتوكل وجرأة وثقة ، ورغم كونها إمرأة  وسيكون التصوير وسط مجامع شيوخ التصوف ومسايدهم  وخلاويهم ، إلا أن خبرة ومعرفة  ( شيخ يوسف ) بمجتمع التصوف سهلت المهمة كثيراً ، وقد أبدعت عواطف في الإخراج وتميز يوسف في السيناريو ، وتم إعتماد الفيلم  من قناة الجزيرة ، ونجح فريق الإنتاج  المحلي فيما فشل فيه الخبراء العرب المحترفين .

تجربتنا الثانية مع المرحومة عواطف كانت إخراج  فيلم ( الظعينة ) في إطار سلسلة من ثلاث حلقات عن البادية السودانية ، وقد كان قدرها الذي اجتازته بإقتدار أن يكون التصوير هذه المرة في البادية ومع العرب الرحل ، وهي إبنة المدينة ، ولكنها تماهت مع الفكرة واستوعبتها وقدمت البادية السودانية في قالب جعل كل من شاهد الفيلم في الجزيرة الوثائقية يوقن بأن بادية السودان هي الوحيدة في العالم الأقرب إلى بادية العرب الأولى ، مع ثراء بيئي وثقافي واجتماعي، وفقت المرحومة عواطف في توظيف الصورة المبدعة مع الرؤية الإخراجية الباهرة فكان فيلما ً ساطع النجاح  .

عاجل مرض السرطان المخرجة المتميزة المبدعة، وأقعدها لما يقارب العامين ، قضتها مؤمنة صابرة محتسبة  ، وقطع سلسلة مشروعاتنا معها في إنتاج وثائقي يقدم بلادنا الجميلة بصورتها الحقيقية الواسعة الثراء والغنية بالدلالات الممتعة المجهولة لدى المشاهد العالمي ، ولكنها تركت بصمتها الخالدة ، لتكون أول مخرجة سودانية عالمية تقتحم هذا المجال المهاب بكثير من الثقة والنجاح   ، وتركت الراية للجيل الجديد فهل يأخذها بحقها من عزم وجد ودأب وإبداع كما كانت المرحومة ؟؟؟ 

غادرتنا المرحومة وهي في منتصف الأربعينات من العمر، وتركت حزنا ً في قلب كل من عرفها سواء ً كان ذلك في  أيام الطلب والدراسة ، أو زملاء الإنتاج الوثائقي والإعلامي ، غير أن عملها الصالح المبدع سيظل سيرة ً جهيرة ً في كتاب الوثائقيات السودانية . 

الرحمة والمغفرة لك ياعواطف والعزاء والصبر لزوجك الصديق الأستاذ علي عبد الرحمن وإبنيك الصغار عمرو وعاصم ولأسرتك المباركة
فقد رحلت ( الظعينة ) ولكن بزاد وصبر ويقين ( الصوفية في السودان ) 


osman kabashi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]