حينما نزلت أودية البطانة إلى الخرطوم ،  في خريف هذا العام الروي ، لم تكن تحمل معها سيول الماء المتدفق وحسب ، ولكنها أيضاً حملت معها   دفقات من دموع رجال وحرائر قبيلة البطاحين وهي تودع زعيمها الناظر البرلماني شيخ العرب خالد محمد صديق طلحة ، الذي إنتقل إلى جوار ربه في الإسبوع الماضي ، وترك لوعة ً وألما ً  تعدى قلوب قبيلته المحزونة ليشمل كل أحبابهم وجيرانهم بل وأهل السودان عامة ً .  
الناظر الفقيد هو سليل أسرة جمعت بين السلطة الروحية الدينية  والأهلية القبلية ، وقلما يجتمع ذلك في قبائل السودان ،  ولذلك لم يكن غريبا ً أن يرقد في قبة آبائه من السلف الخير في مرقدهم المرحوم  بإذن الله في أبودليق .
وكأن الشاعر الفحل الكبير عكير الدامر  الذي رثى إبن عمنا حاج الجيلي الشيخ دفع الله الكباشي في سبعينات القرن الماضي ، ترك نسخة من تلك المرثية الدامعة لرثاء الشيخ خالد  وهو يقول :
خبر الشوم طلق بيه القبب إترجت
والنار في ( البطاحين ) البترجموا وجت
أمواج المحبين بالشوارع دجت
وربات الحجول كشفت قناعها وعجت     
الراحل  الناظر خالد هو حفيد الشيخ عبد الباقي أبشام ، و ذريته  من القادة الكبار الشيوخ طلحة والصديق ووالده الذي قدمته القبيلة للقيادة القبلية والسياسية الشيخ محمد صديق طلحة ، ذلك الرمز الفريد الذي جمع الله فيه خصال الزعامة والنبل والتميز                                      

حينما يكتب التأريخ الإجتماعي لقبيلة البطاحين سيتوقف الناس عند خصال ثلاث تميز هذا الفصيل الإجتماعي المؤثر في ماضي وحاضر ومستقبل وطننا ، وهي خصال التدين والفراسة والكرم .
أما الدين فهو أصيل عند البطاحين من لدن القادة والدعاة الكبار ومنهم رمز الحكمة السودانية الشيخ ( فرح ود تكتوك - حلال المشبوك) والذي إرتبط في الذاكرة السودانية بالحكمة التي أجراها الله على لسانه ( ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ) وقد سارت بمقولاته الخالدة الركبان وسرت على لسان الناس قواعد للإرشاد والإستدلال ، وتميزت بالعمق والبساطة وبالغ الدلالات ، حتى أصبح الرجل موسوعة في الحكم ومرجعا ً لكل قول رشيد .
ومن رموز البطاحين الدينية الشيخ طه البطحاني الذي أخذ على يديه جدنا الشيخ إبراهيم الكباشي الطريق القادري ، كما تتلمذ أبناء الشيخ طه البطحاني على يد والدنا الشيخ الكباشي ، وتصاهروا مع بعضهم حتى إنك يندر  آن تجد فردا ً من أسرة الشيخ طه لا تجمعه صلة الرحم مع آل الشيخ الكباشي ، والعكس صحيح ،  تصديقا ً لمقولة الشيخ طه للشيخ الكباشي ( أبنائ وأبناؤك سيكونون مثل أصابع اليد الواحدة المشبكة ) ثم شبك بين أصابع يديه وقد كان .
ومنهم شيوخ البطاحين الدعاة  ( الحاج يوسف ) صاحب المقام المعروف في منطقة الحاج يوسف والذي أخذت مدينة الحاج يوسف اسمها منه .
أما أهل القرآن وخلواته والمسايد والمساجد فذلك سفر لن تسعه سطور ومقال ، وأرجو أن يتوفر أحد الشباب الباحثين على بحث جاد يغوص في موضوع ( الدعوة والدعاة عند البطاحين )   
أما الشجاعة فإن ملاحم القوم وبطولاتهم وروح الفداء عندهم أكثر من أن يحيط بها مقال ، فهم فرسان تشهد لهم العديد من قصص التأريخ ، لا يعرفون الإستكانة لظالم ، ولا يرضون بالدنية في شأن عام أو خاص ، حبال المشانق ومقاصل سجن كوبر تشهد لهم أن أفرادهم حينما يواجهون أحكام الإعدام فإنهم يفعلون ذلك بشجاعة وثباتٍر   ورجولة  أشبه ما تكون بالروايات والأساطير  الخيالية   وأتمنى أن يتصدى باحثون ليوثقوا   لهذا التأريخ الإجتماعي ، وليحكوا للجيل الحالي والقادم   كيف فعل أولاد البطاحين مع المقاصل والمشانق ؟ حتى ( إنهد كتفها ) ولم يرمش لهم جفن!!!  ،  ففي ذلك ميراث ينبغي أن ينقل للأجيال القادمة ، كيف كانوا يودعون الأهل في يوم التنفيذ بالثبات والبطولة وأهلهم ينشدون :
قلبك مو لحم من الدبادب طاير
صنديد عركة الحارة الخيولها دماير
الموت يا جليس أم روبة  كأسا ً داىر
سماحته عليك متل نورة  العريس الساير
أوكما أنشد  الفنجري  البطل الشجاع عمر ود الشلهمة ليلة تنفيذ الإعدام عليه في قضية مقتل الفارس يوسف الشهيرة وهو يودع أ خاه في عتبات المشنقة :
نحن قلوبنا مانزل الخفيف في دارن
يمشن دغري بالدرب المشوبو كبارن
راسيات الجبال كيفن رحيل حجارن
البلدا المحن  مجبور يلولي  صغارن
فما كان من الفارس عمر ود الشلهمة وهو يواجه الإعدام بعد لحظات إلا أن شرع يوزع فناجين القهوة على الحضور ويذكرهم بوصية واحدة غداً بعد إستلامهم الجثمان ، ويطلب أن يخلعوا لباسه بعد الإعدام ليروا ويرى الناس إن كان ليناً أم ناشفا ً تماماً كما فعلت أخت البطل عبد القادر ود حبوبة في العام ١٩٠٨ في كتفية ، وتلك بطولات نادرة تتكررإلى يومنا هذا عند فراس البطاحين .   
أين أنتم يا  أسعد العباسي  ويا علاء الدين أحمد علي بشير  وأبناء أولاد الشلهمة نسبا ً وأدبا ً  لتوثقوا للدنيا تلك القصص الفريدة ؟؟!!!     
أما الكرم البطحاني فإني زعيم لو آن حاتم الطائي حيا ً لما وسعه إلا آن يكون بطحانياً من  (أبي دليق ،) عوضاً عن مضارب قبيلة طي في شبه جزيرة العرب ، ودد ت لو تصدت كليات دراسات المجتمع في الجامعات السودانية بتوجيه آحد الباحثين ليوثق قصص وبطولات فرد واحد من  أكارم البطاحين مثل العمدة طه هذا الذي سبق الأولين والآخرين في بذله وكرمه حتى يخيل إليك إنك إنما ذلك من قصص ألف ليلة وليلة ، ورحم الله الشاعر ( ود الرضي ) صاحب تنبيه الغافلين شاعر الحكمة المعروف الذي حدث له موقف مع العمدة طه تجلى له فيه إنه مع أكرم الناس ،  فقد أكرمه العمدة طه  بذبح الثور الوحيد المستلف من إبنه ، ثم أهداه حصانه الوحيد ، ولما حاول بعض أفراد القبيلة أن يجمعوا مالا ً ليقدموه للشاعر ود الرضي فداءًً للحصان الشهير ، ولكن إذا بالعمدة طه يعطيه المال المجموع لفدية الحصان ومعه الحصان نفسه ويخاطب ود الرضي بالقول خذ الحصان وأهلك البطاحين أصروا أن يجمعوا لك حق ( العلوقة ) أي ( العلف) فأنشد ود الرضي :
صباح الخير على الوجه البزيل الكربة
صباح الخير على الإيد التداوي الجربة
في سوح طه ما استوحش غريب من غربة
وفي سوح طه مكسورة القوايم تربى
ذلك غيض من فيض وقطرة من محيط في كرم هؤلاء الأماجد ، ويا لها من قيم يجب آن تروى لتشكل ثقافة ووجدان الأجيال القادمة ، لأن هذه القيم هي سر تميز ونكهة وطعم أهل السودان .
الكرم والشجاعة توأمان  وهما قيمتان وخلقان كريمان عند البطحاني  لم تقوداه إلى البطر أو الكبر ، أو التعالي على الآخر ، ومن حق البطاحين أن يفخروا بنموذجهم القبلي  المتسامح وغير العنصري  ومن واجب أهل السودان أن يأخذوا العبرة من ذلك ،   وبلادنا تمزقها  القبلية بمعانيها السلبية والعنصرية حتى آصبحت القبيلة والقبلية  مدخلا ً للتباغض والتغابن   والإحن ونشوب المجازر وحروب الإبادة  بين القبائل  ، فأذهقت الأرواح وسالت أودية الدماء ، وزرعت الكراهية بين الناس ، في معظم أنحاء السودان ،  في فتنة ٍ هوجاء بكماء أخرجت أسوأ ما في القبلية من تدابر وعرقيات وإستعلاء عرقي ، وتركت القيم الموجبة من تسامح  وتعايش وتساكن   بين شتى القبائل والأعراق  .
نظرة إلى  خريطة الجغرافية الإجتماعية لقبيلة البطاحين تبين مقدار السماحة وروح الإلفة والمحبة وإحترام الآخر عند هؤلاء القوم من دون كثير إدعاءات أو من أو أذى ، ذلك إن دار البطاحين في التقسيم الإداري القديم للسودان هي المنطقة الممتدة من أبو دليق وحتى حلة كوكو من الناحية الشمالية ، مع جيوب لقبائل أخرى ، ولكن البطاحين يتعايشون وبكل محبة وتواصل بل وإنصهار مع فسيفساء قبائل الشكرية والمغاربة والجعليين والحسانية والأحامدة والمسلمية والكبابيش ، أما في مناطق الحضر فهم مع كل أهل السودان بكل أريحية وصفاء ، ولعمري فإن ذلك مثال القيم الإيجابية الحميدة  للقبلية  مقابل السلوك القبلي الخبيث الذي ضرب بلادنا في أعز ما تملك  .  إن القوم في تلك الديار تربوا على هذا التسامح ولا عجب وهم الذين يطربون حينما يصدح القائل :
ما بابا الفقير بفقرو
وما عواس قواله ولا رفيقي بعقرو
بدخل لجة الوادي البتلب  صقرو
وقلبي مكجن الناس السوا وبتنقروا

نعود لفقيدنا المرحوم الناظر خالد محمد صديق طلحة ، وإن كنا لم نبتعد عنه حينما عددنا سيرة أهله ، في التدين والكرم والسماحة ، ذلك أن التأثير متبادل بين المجتمع والفرد ، قيم المجموعة تؤثر على الفرد ، والفرد إضافة للمجموع وهكذا كان  الراحل الذي  رعى هذه القيم وجسدها سلوكه الشخصي ، وقد إشتهر بين الناس بطيب النفس ونقاء السريرة والبساطة المتناهية  والصفاء والصدق ، مع زهد طبع شخصيته شمل مظهره وملبسه ومسكنه ومركبه ، وترك بذلك سيرة عطرة ، لم يشتغل بكنز  المال ، ولا فاخر الثياب ولا لعاعة الدنيا ، وإنما عاش للناس ومن أجلهم ، على سيرة والده القامة الشيخ محمد صديق طلحه ، الذي قاد البطاحين لنحو نصف قرن ومثلهم في كل البرلمانات والحقب بكرم وذكاء وحكمة ورجاحة عقل ، وهكذا هو شأن كل الآباء والأجداد  
الأعمار تنقضي والآجال تمضي وتبقى السيرة الطيبة التى خلدها ( خالد ) الذي سيخلد في الناس  وتخلد بساطته وتواضعه وحبه للناس وحب الناس له .
والبركة والدعاء بالتوفيق للناظر الجديد سليل تلك الدوحة المباركة الشيخ محمد المنتصر خالد محمد صديق طلحة ، والبشرى إنه كما يقول عارفوه فيه  مواصفات الأجداد والآباء  وبذرة الخير ، وجينات الزعامة ، وقد إنعقد له إجماع الأهل والأعيان وميراث الكرم والتميز .  
وحتى لا يذهب أحد القراء بعيدا ً في تأويل هوية وإنتماء  كاتب هذه السطور ، أبادر بالقول بأنني ما انطلقت  فيما ذكرت من بعد قبلي ، فشخصي لا ينتمي عرقا ً لقبيلة البطاحين ، وإن تشرفت بالإنتماء إليهم  ولكل أهل السودان والإسلام حباً وإخاء ً في رحاب الدين والوطن الفسيح ، وهذه السطور  في حق الراحل العزيز وأهله هي بعض الحق ، وبعض العبرة ، وبعض الوفاء ، وبعض الذكرى والإنصاف  في حق الراحل العزيز و  تحثدثاً  بنعم الله على أهل السودان .
وليس لمؤمن إلا التسليم والرضاء بحكم الله ، والتمثل برباعيات  ود الشلهمة :  
المو بانيك ما بكسر لو فيك قصير
والمكتوبة بتصادفك محل ما تطير
قبرا ً إتحفر لك ما بندفن في الغير
موت العزة لا عيشة الذليل  وحقير
ألا رحمة الله على الفقيد ، وإنا لله وإنا اليه راجعون    



osman kabashi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]