تحديات النظام التعليمي في السودان (الجزء الثاني)

.. بقلم: بروفيسور: عباس محجوب
الجامعة الإسلامية العالمية - إسلام آباد
التحديات الخلقية :
إن اضطراب منظومة القيم في المجتمعات المسلمة نتيجة الغزو الثقافي من خلال وسائل الاتصال وبخاصة الفضائيات الإعلامية قد أدى إلى غياب كثير من السلوكيات الإيجابية ، وبروز سلوكيات سلبية وظهور أنماط من الفساد أصاب المجتمعات الإسلامية نتيجة لأثر التقنية الإعلامية المتطورة وما يُبث خلالها من معلومات مغلوطة وسلوكيات زائفة ظهر أثرها في مؤسساتنا التعليمية وانعكست في مدارسنا وجامعتنا في انحرافات سلوكية من جعل الاختلاط أمراً حضارياً والزواج السري عملاً مشروعاً وعرفياً وأصبح الطلاب في المدارس لا يحترمون بعضهم ولا أساتذتهم الذين أسقطوا كل الحواجز معهم وانتشرت ظاهرة الكذب والغش والميكافلية وأصبح حفظ المعلومات واستظهارها فوق السلوكيات الخلقية وانتقلت إلينا مشكلات المجتمعات الغربية التي تعاني من المشكلات الاجتماعية والأسرية والخلقية من خلال ظاهرة الإنحلال الخلقي وغياب الرقابة الأسرية والتفكك الأسرى وانتشار ظاهرة الجريمة والإدمان والعنف والشذوذ أحياناً .
ويتمثّل التحدي الخلقي في عجز التعليم عن تحقيق التوازن بين معطيات التكنولوجيا المتطور والاستفادة منها وبين الإعتـزاز بتراثنا وثقافتنا وخصوصيتنا الحضارية والتاريخية والإنتماء والولاء لديننا ومجتمعنا بتقاليدنا الإسلامية وقيمنا التي تعصم الشباب من الانحراف وتحميه من التردي الخلقي وتجنبه الأخطار المستقبلية. إن التحلل الخلقي المصاحب للأنفجار المعرفي والتوسع في التعليم أدى إلى فشل التعليم في مواجهة التحديات الخلقية والفكرية وارتبط بظواهر سلوكية سيئة كظاهرة الفوضى والميل إلى العنف والأنانية والقسوة والحيرة وغيرها من الأمراض السلوكية ، وأصبح الحصول على الشهادة الدراسية هي الغاية بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة كظاهرة الغش والتدليس وغير ذلك .
وانعكست هذه الظاهرة الأخلاقية على المجتمع في تعاملاته الاقتصادية والسياسية التي ارتبطت بمناورات وممارسات لا أخلاقية في الوصول إلى السلطة دون الارتباط بالمبادئ والسلوكيات الخلقية فأصبح النجاح أي نجاح هو المعيار للحق بصرف النظر عن وسيلته وأصبح التمسك بالمبادئ والمثل جموداً وتخلفاً واختلط العدل بالقوة ، والحرية بالفوضى ، والتسيب بالإلتـزام وتحكمت المادة في موازين الخير والشر والحق والباطل وكل ذلك تجسد في الحيرة التي يعانيها الشباب ويغوص فيها الشيوخ وأصبح الشباب ينمي قدراته المادية على حساب ملكاته الروحية والنفسية والخلقية مما جعله مصدر خطر وقلق لنفسه أولاً ثم لمجتمعه آخراً .
إن التعليم يفقد هدفه وقيمته إذا فقد الجانب الأخلاقي فيه وأصبح في خلق الأزمات وتعقيد الحياة وتلوث البيئة وتكديس الأسلحة المدمرة للحياة والأمم والثقافات والحضارات. إن النظم العلمانية في التربية هي التي تركز على نقل المعلومات وبعض المهارات بمعزل عن الدين والأخلاق ، والتربية المجردة من الدين والخلق والروح لا تحقق أهداف المجتمع المسلم ، وتكون وسيلة التكبر والإستعلاء والظلم الذي نشاهده في عالمنا المعاصر


تحديات العولمة :
تحديات العولمة في المجال الإقتصادي أو السياسي أو الإجتماعي أو الثقافي واضحة ومعروفة ولكن الخطورة في الجانب الإنساني ، فالنظرية التربوية الإسلامية تعمل على إيجاد الإنسان الصالح ، مما يؤكد على معنى الأخوة الإنسانية ، والمصير المشترك والقربة الكونية التي تلاشت فيها الحواجز ، وارتبطت فيها المصالح وأصبحت المخاطر التي تواجه البشرية لا تستثنى قوياً أو ضعيفاً صغيراً أو كبيراً وبخاصة في تلوث البيئة وتصوب الموارد الطبيعية وشح الغذاء وقلة المياه وغير ذلك .
وتكمن الأزمة في أن العالم مع ذلك كله يتجه إلى القوميات الضعيفة والعنصرية البغيضة والمواطنة المرتبطة بالأرض ، وانعكس ذلك على النظم التعليمية التي تقسم العالم إلى مجموعات متنافسة متناحرة بين أقوياء يملكون وسائل التدمير وأسباب الهيمنة ، ومن لا يملكون وسائل الدفاع عن أنفسهم فضلاً عن وسائل الردع والموجهة – كل ذلك في غياب النظم والقيم الخلقية والاخوة الإنسانية التي تجعل كل البشر لآدم وآدم من تراب .
الضعفاء مطالبون بالرضوخ والتخلي عن الهويات والثقافات والخصائص الإنسانية وتغيير مناهجهم الدراسية وقيمهم الحضارية ومبادئهم وسلوكياتهم وفق ما يريد الأقوياء .
إن فقدان التربية الإنسانية ينعكس في عالمنا المعاصر على القادة والساسة مما ينـذر بكارثة فقد تكون سبباً في دمار العالم وذهاب الحضارة البشرية .
إن العولمة تركز أهدافها على زيادة الإنتاج عند الاقوياء ، وزيادة الإستهلاك عند الضعفاء بصرف النظر عما يترتب على هذا وذاك من مضار قد تكون سببا في دمار البشر مادياً وروحياً من خلال إنتاج الاسلحة المدمرة وأدوات الزينة المترفة والكتب والمجلات وأفلام الجنس والتجسس وغير ذلك مما تتبناه الأنظمة التعليمية في الدول القوية المتطورة التي وصل فيها ظلم الإنسان لأخيه الأنسان درجة فاقت كل تصور لأنه ظلم مدعم بتقينات عالية في التدمير والقسوة ، وبرصيد كبير من العلوم التطبيقية أرجعت العالم إلى عصور الهيمنة والإختلال بالقوة وحدها .
(ومع ذلك فإن العولمة الشاملة لم تصل بعد إلى مداها ، كما أن إمكانية التصدي لأهدافها غير مستحيلة إذا توافرت النية وأحكم التخطيط ، لاسيما إذا تذكرنا أن الأمة الإسلامية هي أولى الأمم المستهدفة من النظام الجديد والعولمة ، وأنها تملك في – المقابل – البديل القادر على مجابهة هذه التحديات إذا عرفت كيف تلم الشمل ، وتحشد الإمكانات ، وتقيم منظومة أمنية وتفيد من الوسائل المبتكرة والمتطورة بكل أشكالها ، وتوظيفها في مجال مقاومة العولمة ومنعها من المضي إلى نهاية الشوط إن الإسلام رسالة عالمية وبها تستطيع الأمة الإسلامية القيام بعولمة مضادة)( ).
التحديات التكنولوجية :
يتسم عصرنا الذي نعيش فيه بالمستجدات المتلاحقة ، والمتغيرات المتسارعة نتيجة ثورة الإتصالات التي جعلت العالم أكثر قرباً وأضيق مساحة حيث سهلت حركة انتقال البشر والأموال والسلع والمعلومات والمفاهيم والمفردات والثقافات مما جعل العالم شديد التأثير والتأثر بين أجزائه المختلفة مهما كانت المسافات واللغات والحضارات وبحيث أصبح كل فرد يدرك ما يقع في العالم لخطة وقوعه .
وقد أدى تدفق المعلومات إلى تعدد مصادر المعرفة وسهولة الحصول عليها كما أدى إلى ضرورة التغيير في الوظيفة التي تؤديها المؤسسة التعليمية حيث لم يعد مناسباً الإعتماد على ثقافة الذاكرة والحفظ والتلقين وأصبح التحدي الأكبر هو التغيير في الاتجاهات النفسية ، والنظريات التربوية ومضامين التعليم ومفاهيمه والتي تقتضي تغيير وظيفة المؤسسة التعليمية لتكون مؤسسة تربوية واجتماعية تركز على بناء القدرات وتنمية المهارات وترسيخ القيم والاتجاهات والسلوكيات التي تجعل المجتمعات قادرةعلى التزود بالمعارف والمعلومات أيا كان مصدرها .
إن المجتمع المسلم يعتقد في منظومتهاالإ يمانية بالتغيير والتبديل والتطور بإعتبارها من سنن الله الكونية في الخلق والمخلوقات وهذا يسمه بميسم المجتمع الذي يتعامل مع كل المتغيرات والمستجدات من خلال منظومته القيمية ومبادئه الخلقية وثوابته العقدية والايمانية .
وتتمثل الثورة العلمية والمعلوماتية بصورة واضحة في عالم الحاسوب الذي أصبح يوظف في مجالات الحياة كلها وبخاصة مجال التعليم حيث يوفر للطلاب إمكانات هائلة وقدرت متعددة في التوظيف والإستخدام وهذا التحدي يفرض على النظام التعليمي إعادة النظر في وظيفة المدرسة ورسالتها وأهدافها وكذلك في بناء المناهج والمحتوى الدراسي وأساليب التعليم وطرق اكتساب المعرفة وأسلوب تعامل كل من المعلم والطالب مع هذه المعرفة المتطورة .
وأوضح ما تكون المواجهة لهذا التحدي في تركيز التعليم على إعداد الطالب للحاضر الذي نعيشه والمستقبل الذي نستشرفه ولا يكون ذلك إلا بحفز قدراته ، وتنمية إمكانته لمواجهة المتغيرات  على المستوى الثقافي العالمي وعلى مستوى السياسة والإقتصاد لأنها مرتبطة دائماً بمصالح القوى الكبرى وأهدافها ومعبرة عن خططها وأفكارها في الهيمنة ونشر قيم الإستهلاك والتبعية الثقافية والحضارية ، هذا بالإضافة إلى تسخير إمكاناته في التكيف مع المتغيرات ومواجهة المستجدات وتوظيفها وفق منظومة القيم التي ارتبطت بها عقيدة وسلوكاً وثقافة لأن التعليم هو القادر على تطوير إمكانات الطلاب وبناء قدراتهم في التعامل مع تكنولوجيا العصر ، والمعلم الذي توافرت له المهارات ووسائل الأداء المتطورة هو الذي يحقق أهداف النظام التعليمي واستراتيجياته وأنماط تفكيره .

Dr Abbas Mahjoob [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]