من الإرشيف (3): إقتراح  لحماية  الديمقراطية
د. صديق امبده
(بمناسبة مرور الذكري الواحدة والثلايين للانتقاضة المجيدة اعيد نشر المقال ادناه والذي نشر بعد نحو شهر من الانتفاضة بصحيفة الصحافة في  9 مايو 1986)
قال الأقدمون (سَمحة  العافية) ، ونقول نحن (سَمحة الديمقراطية) ، وقد يقول  ثالث  وما  الفرق ،  فهما وجهان  للصحة . ونحن  نتنفس (همبريب) الحرِّية برِئتين كانتا أقرب الى التعطُّل، حق علينا الا  ننسى زمنا كان علينا  فيه ان  نتلفَّت عدّة مرّات قبل الحديث او نصمُت . سَمحة  الديمقراطية ، ولكن  هل  هي  جديرة  بأن  تُحمى؟  إاذا  كان  الأمر  كذلك  فكيف  يحمي  الشعب  السوداني،  ودماء  شهدائه  الذكية  لم  تجف  بعد ،  كيف  يحمي  الديمقراطية،  وكيف  يقطع  الطريق  أمام  المغامرين،  أفرادا  كانوا  او  جماعات؟
إن  أمر  حماية  الديمقراطية  وتأمين  الحرِّيات  الأساسية  للفرد،  في  تقديري  من  الأهمية  بمكان،  وربما  الأفضل  تناوله  الآن ،  حيث  لا تزال  صُور  الكبْت  والبطش  ماثلةً،  وحيث  لا يزال  الذين  باعوا  ضمائرهم ، في  السجون  ينتظرون  كشف  الحساب.
أرجو  في  هذا  المقام  أن  أتقدّم  باقتراح  قد  يبدو  طريفاً  و"قدر  الحال"،  وأتمنَّى  أن  ينال  حظه  من  النقاش،  فنحن  في مناخ سماع  الرأي و الرأي  الآخر.  خُلاصة  الاقتراح  أن  يدخل  الشعب  السوداني  بكل  فئاته  في تعاهد  أو  ما يشبه  التعاهد  على  حماية  الديمقراطية ، وذلك  بالدخول  في  إضراب  سياسي  مفتوح  لحظة  سماعهم  بأن مغامراً  قد  اغتصب  السلطة  وأعلن (الثَّورة) . أي  أن  يكون  الشعب  السوداني  في حالة  استعداد  دائم  بحيث  يرفض  مصادرة  حرياته  مهما  كانت  دعاوي  مغتصب  السلطة  ومهما  كانت  وعوده ، سواء كان وعدا  (بالمن والسلوى)  او  بتسليم  السلطة  في خلال  يوم  واحد.
في  اعتقادي  إنّ  الاقتراح  أعلاه،  ويختلف  عن  إقتراح  بالتوقيع  على  ميثاق  للأحزاب ،  يمكن  أن  يكون  عملياً  أذا  نُظر  اليه  بمنظور  الحرب  وظروفها.  فمعلوم  أنه  في  زمن  الحروب  والغارات  الجوية  على  المدن  تكون  هنالك  أبراج  مراقبة  تطلق (صفارات)  الانذار  في حالة  الغارات  الجوية، ومعلوم  حينها  اتِّباع  تعليمات  بعينها،  كالنزول  الى  المخابئ  من  العمارات  والبيوت.  وحتى  في  غير  زمن الحرب  هنالك  (صُفَّارات)  انذار. وعلى  سبيل  المثال  ففي  بعض  مدن  الولايات  المتحدة  الأمريكية  التي  تتهدَّدُها  الأعاصير  ذات  السرعة العالية  والتى  تتسبّب  في  أضرار  بليغة  ومدمّرة  ينزل المواطنون  الى  مخابي  تحت  الأرض  بمجّرد  سماع  الانذار.  واستفادة  من  هذه  التجارب  فإنّ  بإمكاننا  أن  نعتبر  المارشات  العسكرية  او  غيرها  (كالبيان  رقم واحد)  مثلا  ممّا  يدل  على  اغتصاب  السلطة  إنذارا ،  يتوقف  المواطنون  على  إثره  عن  العمل  تلقائياً  ومباشرة.

من  ناحية  أخرى  فإنّ  بامكاننا  إدخال  فكرة  حماية  الديمقراطية  والتوقف  التلقائي  في  حالة  اغتصابها ،  ادخال  ذلك  كجزء  من  منهج  التربية  الوطنية  في  المدارس  وكُليِّات  تدريب  القوات  النظامية  (الكلية  الحربية ،  الشرطة  ... الخ)،  في  مادة  تُقارِن  بين  الديمقراطية  كقيمة  ارتضى  الشعب  السوداني  أن  يتعامل سياسيا بمقتضاها،  وبين  الدكتاتورية  والتسلُّط  كنظام مرفوض جرّبه  الشعب  قسراً  وكلّفه  النفس  والنفيس.
هنالك  بالطبع  إمكانيات  أخرى  لتطوير  الاقتراح ،  ومن  ذلك  مثلا  أن  ترفُض  جميع  الاقاليم  الاخرى  اغتصاب  السلطة،  جماهيراً  وقيادة  عسكرية  وأن  تعمل  على  استردادها.  ومنها  كذلك  أن  يعمل  التجمُّع الوطني ، أحزاباً  ونقابات ، على  تنفيذ  الاضراب  التلقائي .  ويعنى  ذلك  أن  تتَباين  وسائل  حماية  الديمقراطية  ويقوَى  عودها  لعِظَم  المسئولية.   
وان  كان  لي  أن  أختم  هذا  الاقتراح  فهو  أن تُخصّص   مباني  الاتحاد  الاشتراكي  سئ  الذكر(مبني وزارة الخارجية حاليا) أن  تُخصّص  للنشاط  السياسي  والثقافي  وأن  تمنح  جميع  الاحزاب  السياسية  العاملة  مكاتب  بالإيجار  بالمبنى. ولا  شك  في  أنّ  ذلك  أو  شيئاً  منه يساعد  على  تعميق  معاني  الديمقراطية  واحتمال  الرأي  الأخر - حيث  يمكن  أن  تُجَهّز  الميادين  بدار  التجمّع  الوطني  لليالي  السياسية  لجميع  الأحزاب وحيث  تسهل المعرفة  الشخصية  للعاملين  بالسياسة  ببعضهم  مما  يسهل حماية  الوضع  الديمقراطي  في  حالة  تعرُّضِه  لأيّ  خطر.
(صحيفة الصحافة  9/5/1985)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.