مقدمة
الحكم الراشد المعاصرله مرتكزات تمَّ التوافق عليها بعد تجارب مريرة علي مر العصور من الاستبداد باشكاله المختلفة المصحوبة بالقوة الباطشة الداعمة لذرائعه الإقصائية من دينية وطبقية وغيرها. وقد تطورت نظم الحكم ، بالنضال ضد القهر والاستبداد ، الي شبه إجماع علي أن الافضل للحكام إذا اردوا الاستمرار في الحكم - هو الاستماع الي خيارات المحكومين واحترامها عن طريق الانتخاب الحر والوفاء بالوعود وتنفيذ البرامج التي علي أساسها نالوا ثقة الناخبين . وتمَّ تسييج استدامة التبادل السلمي للسلطة بالدستور و الفصل بين السلطات و تطبيق القانون علي الجميع .
ومن نافل القول ان إنجازات الحكم الراشد (او حتي غيره) مرهونة بالحكام/الرؤساء انفسهم ومن يختارون من معاونيهم وفي مقدراتهم علي تحقيق تطلعات الناس في الحرية وفي العيش الكريم بتحسين احوالهم المادية. و مرهونة كذلك بمقدرة الرئيس في أن يري ما وراء الأكمة بالبصيرة النافذة ،وفي العدل بين مواطنيه وفي التحلَّي بالعزم والاستقامة ، خاصة فيما يلي المال العام وحسن ادارته ، والحساسية الشديدة  zero toleranceتجاه الفساد والحزم في معاقبة مرتكبيه. وفي الدول النامية علي وجه الخصوص تحتل نظافة اليد في الرئيس وفريقه الحاكم المرتبة الاولي في ثقة مواطنيه فيه حتي لو كانت انجازاته متواضعة. وليس تبادل وسائل التواصل الاجتماعي لأمثلة نظافة اليد والزهد كما في حالة صورة رئيس يوروغواي بعربته الفولوكس القديمة إلا شاهدا علي هذا . وكما في حالة الرئيس المصري الراحل عبدالناصر كذلك.
السودانيون قديما قالوا في مدح شيوخ ونظار القبائل الذين اشتهروا بالحزم واحترام اهلهم "ابقي سوَّاي وكوَّاي الناس تريدك". وقلَّ أن يوجد حاكم من الحكام المشهورين ومن ذوي الفعالية ممن لم يكن حازما الي درجة الوصف بالدكتاتورية من مجايليه. والحزم والعزم  رديفان للفاعلية  في كل الاحوال ، وهما إن توفرا في الحاكم فإنهما قد يعنيان في الغالب أن الرئيس يشعربعظم المسئوليه الملقاة علي عاتقه و بأن له رسالة يجب ان يؤديها علي الوجه الأكمل وأنه يريد  أن " يوسم أيامه" - أي أن يترك اثرا وذكري -كما في قول اخي محمد الامين رحمه الله " إيًّامك كن جَن أوسِمهن"-وذلك من وسم الإبل بالمحور (بالنار) لتحديد هوية مالكها. والشخص الذي لا يوسم أيامه بالفعل الحسن يكون قد أضاع فرصة عمره –لأن "الفرص تمر مر السحاب" كما قالت العرب.  كما أنه لن يدخل في زمرة من عناهم الشاعر صلاح احمد ابراهيم في "نحن والردي"بقوله  ( نترك الدنيا وفي ذاكرة الدنيا لنا ِذكرٌ وذكري من ِفعال وخُلق...ولنا إرث من الحكمة والحلم وحب الاخرين.... وولاءٌ حينما يكذبُ أهليه الأمين ...ولنا في خدمة الشعب عرَق).
سنغافورة: من أين والي أين؟
تولَّي لي كوان يو رئاسة الوزراء في سنغافورة لمدة 31 عاما ما بين 1959 -1990 ويعتبر الأب الروحي الذي تحولت خلال قيادته سنغافورة من دولة صغيرة  نامية الي مصاف الدول المتقدمة في جيل واحد كما تقول موسوعة ويكيبيديا . قاد لي كوان يو حزبه حزب العمل الشعبي (باب) الذي كان أحد أهم مؤسسيه ، قاده الي ثمانية انتصارات انتخابية متتابعة وبأغلبيات كبيرة مكنته من تنفيذ برامج الحزب وتحويل الجزيرة الصغيرة من مستعمرة صغيرة الي أحد النمور الآسيوية. هذا المقال يعتمد اعتمادا شبه كلي علي أحد كتب لي كوان يو وهو بعنوان " من العالم الثالث الي العالم الأول" (730 صفحة- طبعة الناشرهاربر كولنز 2011)
أصبح   السيد لي في عام 1959 ، وفي عمر مبكر (35) عاماً رئيس وزراء منتخب لسنغافورة ذات الحكم الذاتي، ثم انضمت سنغافورة الى ماليزيا في 1963 ، لكونها مدينة صغيرة غير ذات موارد . لكن في عام 1965 تم طرد سنغافورة  من اتحادها مع ماليزيا فأصبح لِي وعمره نحو42 عاماً رئيسا لوزراء سنغافورة المستقلة . وكان وضعها صعبا وميئوسا منه في نظر البعض حتي أن صحيفة التايمز اللندنية قد كتبت في أغسطس 1965 أن اقتصاد سنغافورة سينهار اذا تم اغلاق القاعدة الحربية البريطانية هناك . وكان (لي) له نفس الاعتقاد كما اعترف هو نفسه بعد ذلك، لكنه كان مصصما علي النجاح إذ يقول "كدولة صغيرة محاطة بجيران كبار، رأينا أن مقدرتنا على العيش تعتمد على جهودنا ، وأن نعمل بصورة مختلفة،  ويجب علينا  أن ننجز أعمالنا بصورة أجود وأرخص من جيراننا ... أن نكون أكثر كفاءة و تنافسية " (ص7)
تبلغ مساحة سنغافورة نحو 720 كلم2 (مساحة ولاية الخرطوم 22000 كلم2 ) ودون موارد طبيعية، ويسكنها خليط إثني غالبيته من ذوي الاصول الصينية 75%، و 14% مالي (ماليزيين) و 9% من أصول هندية. وعند الاستقلال 1965 كان متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي نحو500 دولار (وفي بعض المصادر اقرب الي 1000$) ويسكنها نحو1.6 مليون نسمة.  
في الفترة 1959-1990 (31 عاما) فترة حكم لي كوان يو والتي تضاعف فيها عددالسكان من 1.6 مليون الي 3 مليون نسمة ، ارتفع متوسط دخل الفرد 22 ضعفا من اقل من 1000 دولار الي 22000 دولار،  وحجم الصادرات 28 ضعفا من 7.3 بليون دولار الي 205 بليون دولار وارتفع عدد الشِقق السكنية 29 ضعفا من 23000 شقة الي 670 الف شقة و ارتقع عدد السواح  اكثر من خمسين ضعفا ، من 100 الف  الي 5.3 مليون سائح في العام. وبحلول عام 2014 ارتفع متوسط دخل الفرد الي 71,000 دولار والناتج المحلي الاجمالي الي 380 بليون دولار وحجم احتياطياتها من العملات الصعبة الي 340.4 بليون دولار- وهو أحد اكبر الاحتياطيات في العالم. هذا ويمتلك اكثر من 90% من السكان مساكنهم ، وهناك علي الاقل مليونير واحد (اسرة) من بين كل ستة أسر. كما تُصنَّف سنغافورة  بين الدول العشرين الاولي في مؤشر التنمية البشرية في العالم و بين الدول العشر الاقل فسادا في العالم ، في نفس مرتبة نيوزيلاندة وهولندة والدول الاسكندنافية . ووفق مؤشر آخر (هينلي فيزا عام 2014 ) احتل الجواز السنغافوري المركز السادس علي مستوي العالم حيث يمكِّن حامله من دخول 167 دولة من دون فيزا مسبقة.
وربما تعود هذه الانجازات علي الاقل جزئيا الي النظام  التعليمي ، إذ يركز المنهج التعليمي في سنغافورة علي العلوم والرياضيات واللغة الانجليزية . ووفقا لموسوعة ويكبيديا فإن الطلاب السنغافوريون في العام 2011 احتلوا المركز الاول في اختبار تِمس TIMSS الذي يقيس مقدرات التلاميذ في استيعاب الرياضيات والعلوم وقد كانوا دائما في المراتب الثلاث الاولي منذ العام 1995  في تلك الاختبارات.
 فماذا فعل السيد لي ليضع الأسس لكل ذلك؟
بصورة عامة يرى السيد لي أن الدولة إنما تحقق وجودها ومكانتها بالتميُّز ، كما أن الذكاء البشري والابداع والانضباط يمكن أن تحل محل الموارد الطبيعية أو تكون بديلا لها كما هو في حالة سنغافورة . أما في مجال العلاقات الخارجية ففي رأيه أن سنغافورة قد شقت طريقها ليس فقط بفهم متطلبات مجتمعها ولكن أيضاً بفهما لحاجات ودوافع جيرانها (والعالم من حولها) –مد الأرجل علي قدر اللحاف. وفي رأيه فإن خلاصة تجربته هو أن أي رئيس يحتاج لاناس جيدين لتكوين حكومة فاعلة، وأنه مهما كانت جودة نظام الحكم فإن القادة السياسيين السيئين سيجلبون الاذى لمواطنيهم. كما يري ان على القادة أن يكونوا على قدر عال من الأمانة الشخصية وان لا يستغلوا السلطة لخدمة أنفسهم وأهليهم.  
ان العامل الرئيسي وراء نجاح التنمية في سنغافورة في رأي المستر لي هو مقدرة وكفاءة الوزراء ، المسنودة  بخدمة مدنية عالية الكفاءة. وفي هذا يتفق مع ما ورد في تقرير التنمية البشرية لعام 2013 والذي جاء فيه أن التنمية لا تتحقق تلقائياً وأنما لها شروط ومحركات وان أحد أهم محركاتها هو وجود دولة إنمائية فاعلة.  ومن سماتها أن تكون للدولة قيادة سياسية قوية تسترشد برؤية طويلة الأجل و نخبة غير سياسية هدفها الرئيسي تحقيق التنمية الاقتصادية ، و أجهزة إدارية ذات نفوذ وسلطة لتخطيط السياسات وتنفيذها. دولة تسمح بالمشاركة لمواطنيها وتستمع الي آرائهم وأسبقياتهم، وتحتفظ بموظفي خدمة مدنية مؤهلين(وليس طردهم)  وذلك لحفظ الذاكرة المؤسسية وضمان تنفيذ واستمرارية السياسات. و كذلك من المهم في رأي المستر لي البحث عن المواهب والعمل على إغرائهم وتشجيعهم ليعملوا في الخدمة المدنية والخدمة العامة ، وهوعامل اساسي في المحافظة على حسن أداء تلك الاجهزة.
العدالة وحسن إدارة التنوع
في يوليو 1964 عمَّت سنغافورة مظاهرات ذات طبيعة إثنية بين ذوي الاصول الصينية وممن هم من اصول ماليزية ، وكانت تجربة مريرة بالنسبة للبلاد جعلت السيد لي وزملاءه أكثر تصميماً على بناء "مجتمع متعدد" يحترم التنوع، و يتساوى فيه الجميع بصرف النظر عن العرق أو اللغة أو الدين. وكان ذلك هوالمبدأ الاساسي الذي قاد سياسات سنغافورة فيما بعد وعلى طول الخط . والمبدأ الثاني كان هو عدالة توزيع الفرص الذي يعتمد علي الكفاءة والاهلية meritocracy في تولي المناصب المختلفة.
يقول المسترلي "كان من أهم الأصول التي نملكها ثقة مواطنينا وحبهم للعمل والرغبة في التعلم. ورغم تنوع أصولهم العرقية فقد كنت أعتقد أن السياسة العادلة (even- handed) سوف تشجعهم على التعايش بسلام ، خاصة اذا تمت مقاسمة الصعاب بالتساوي- مثلاً البطالة- وأن لا تشعر الأقليات أنها تتحمل عبء البطالة لوحدها". (ص8)
محاربة الفساد و المحافظة علي حكومة نظيفة
يقول المستر لي أنهم عند تكوينهم لحزب العمل الشعبي عام 1954 كانوا على وعي باخفاقات زعماء الاستقلال في الدول الاسيوية وفسادهم و”بعزقتهم” لثروات البلاد.  كانواغاضبين من سلوك الزعماء الذين أخلفوا وعودهم وفشلوا في ان يكونوا النموذج لمواطنيهم . ولذلك وعندما أدت اول حكومة يرأسها القسم في عام 1959 ظهرالجميع بقمصان و"بناطلين" بيضاء في رمزية للنقاء ونظافة اليد في السلوك العام والشخصي، وكان ذلك ما وعدوا به الناخبين (أن يكونوا على قدر ما كان يتوقع منهم شعبهم).
كان من أول إجراءات الحكومة أن وجهت ""مكتب التحقيقات في الاساليب الفاسدة" (مفوضية محاربة الفساد) بالتركيزأولا على المستويات العليا من الحكم والخدمة المدنية . اما في المستويات الدنيا فقد قامت بتضييق مساحة السلطات التقديرية للمسؤلين وتمت طباعة اجراءات واضحة واجبة الاتباع ومتاحة للمستفيدين ، وذلك لأنها كانت علي قناعة بأن "وضع أصغر السلطات في يد أناس لا يستطيعون أن يعيشوا على مرتباتهم هو دعوة لاستغلال تلك السلطات" ، ولعلمها كذلك بأن " الإبداع الإنساني Human ingenuity لا حدود له في تحويل أو  ترجمة السلطات التقديرية الممنوحة الى مكاسب شخصية".
وفي أول سنة لها بعد توليها السلطة اصدرت الحكومة قانونا جديدا لمكافحة الفساد وسَّعت فيه من تحديد الهدَّية لتشمل كل شي ذي قيمة مُهدي لأي مسئول ، وتم فيه إعطاء سلطات واسعة للمحققيين في شُبهات الفساد بما في ذلك سلطة الاعتقال والاطِّلاع على الحسابات المصرفية للمشتبه بهم وأسرهم ووكلائهم (من ذوي العلاقة).  كما تم فيه إلزام مدير ضرائب الدخل باعطاء معلومات عن الاشخاص المشتبه بهم. وكان أهم ما جاء في القانون الجديد السماح للمحاكم باخذ الدلائل الظرفية مثل أن تكون طريقة عيش المتهم لا تتلاءم ومستوى دخله اوأن تكون له عقارات وأملاك لم يستطيع توضيح كيفية الحصول عليها (تملُّكُها). ومكَّن القانون المحكمة ان تاخذ ذلك كدليل على الفساد وقبول الرشوة. وكان من حق مكتب محاربة الفساد ومديره التحقيق مع أي موظف او ضابط او وزير، علما بأن المكتب يتبع رأسا لرئيس الوزراء. كذلك تم إصدار مزيد من الضوابط وذلك بإلزام كل من يطلبه مكتب التحقيق كشاهد أن يأتي ويُدلي باي معلومات هو على دراية بها. واصبح الإدلاء بمعلومات مضلِّلة لمكتب محاربة الفساد جريمة يعاقب عليها القانون بالسجن والغرامة ، وخُوِّلت المحاكم بمصادرة اي ممتلكات نتجت عن ذلك الفساد.
كان ذلك من ناحية القوانين ، أما من ناحية التنفيذ فقد تم تطبيق القانون على الجميع ، ومن ضمن من شملهم وزير دولة اتهم في عام 1975 بقبول رشوة وتمت محاكمته وإدانته وسجنه لاربع سنوات . وفي عام 1986 تم التحقيق مع وزير التنمية في أخذ رشوة (قبل نحو أربعة اعوام كشف عنها احد ذوي العلاقة). طلب الأخيرمقابلة رئيس الوزراء وعندما رفض لي كوان يو مقابلتة قبل إنتهاء التحقيق إنتحر الوزير في اليوم التالي وكتب رسالة اعتذار الى رئيس الوزراء يقول فيها أنه كان محبطاً خلال الايام الاخيرة وبما أنه يتحمل مسئولية ما حدث فانه يشعر أن عليه- كرجل شرقي- أن يتحمل أقصى العقوبة في ارتكاب ذلك الخطأ ، وهي دفع الروح ثمناً لذلك. ولم تقف الامور عند هذا الحد إذ أن لي وافق على طلب المعارضة بتشريح الجثة وإجراء تحقيق في سبب الإنتحارمما أدى الى انتشار القضية في الإعلام وعلى إثر ذلك غادرت زوجت المتوفي وابنته البلاد الى غير رجعة (بسبب فقدان ماء الوجه). ونتيجة لذلك النهج كانت سنغافورة علي الدوام في قائمة الدول الاقل فسادا في العالم والاولي علي الدول الاسيوية (9 من 10) متقدمة علي اليابان وهونق كونق.
كان المعمول به في سنغافورة تحت إدارة لي هو أن يتم تقييم وجمع كل المنافع الخاصة بالمنصب الدستوري وتحويلها الى قيمة مالية تدفع للوزير أو غيره ليسدد منها  كل شيئ بما في ذلك العربة وأجرة السائق والمنزل والطباخين والجناينية ... الخ ، كلها يجب أن يسددها المسئول من مخصصاته تلك.
تطبيق القانون علي الجميع
في رأي المستر لي إن حكم القانون هو الإطار الذي يحقق الاستقرار والتنمية لأي دولة ، و أن العقوبة الرادعة هي عاملً فعال  في اختفاء الجريمة أو تقليلها بشكل واضح ، شريطة أن يطبَّق القانون على الجميع. وفي هذا الصدد هنالك حادثة الشاب الامريكي مايكل فَي Fay المشهورة عام 1993. إذ قام هو واصحابه بالكتابة على الجدران وتخريب بعض السيارات وكانوا سواحاً في سنغافورة ، وكانت عقوبة مثل هذه الجرائم الجلد (بالبسطونة). وعندما قرَّرت المحكمة تنفيذ العقوبة علي الشاب الامريكي ثارت الصحف الامريكية وحتى الرئيس الامريكي كلنتون نفسه اتصل برئيس سنغافورة لاعفاء الشاب . وعند اجتماع مجلس الوزراء للنظر في الامر وبعد مداولات انعقد الرأي علي معاقبة الشاب وفقاً للقانون ، إذ كيف يمكن لسنغافورة أن تطبق القانون على مواطنيها بعد ذلك اذا تم اعفاء الشاب بسبب أنه  امريكي. وعليه تم التنفيذ رغم كل زعيق الصحف الامريكية. في عام 1997 احتلت سنغافورة المرتبة الاولى من ناحية أن الجريمة لا تشكل خطراً على أصحاب الأعمال واستثماراتهم. وفي تقرير التنافسية  لعام 1992 الذي يصدره المنتدى الاقتصادي العالمي كذلك احتلت سنغافورة المركز الأول في الأمن -أي حماية الأشخاص المستثمرين وممتلكاتهم ومنذ ذلك الوقت تحتل سنغافورة مراكز متقدمة في عدد كبير من المؤشرات كما تمت الاشارة اليه سابقا.
إتخاذ القرار: لاتستعجل
يقول السيد لي أنه تعلم بالتجربة كرئيس وزراء أنه اذا أريد أن يتم قبول سياسة معينة على كل المستويات فعلي الرئيس أن يطرح الفكرة أولاً على الوزراء ليتداولوا حولها مع وكلاء وزاراتهم وكبار مسئولي الوزارة قبل نقاشها في مجلس الوزراء ، واذا كان الامر يعني او يؤثر على عدد كبير من الناس أن يقوم الرئيس بطرح القضية على الرأي العام ليتم التداول حولها في وسائل الاعلام المختلفة والندوات العامة لمدة قد تستمر من شهور الى عام كامل ، وذلك بالاضافة الى جلب خبرات اجنبية (مستشارين) لتنويرالمسئولين وذوي المصلحة بمزايا ومخاطر الخيارات المختلفة. وقد ذكر أنه ورغم سياسة الحكومة الواضحة في المساواة بين الجميع فقد كان دائما ، حسب قوله ، يقوم باستشارة زملائه  من الوزراء من الاثنية المعينة في أي سياسة حكومية قد تؤثر على تلك المجموعة أو المنطقة.
تسليم الراية لجيل جديد: البحث عن المواهب وليس عن الناشطين الحزبيين
 يقول السيد لي  "كان أحد همومنا الرئيسية (أنا وزملائي) ، عندما تقدمت بنا السنوات ، أن نبحث عن من يخلفوننا عند التقاعد. ولم نجد وسط الشباب من الحزب الحاكم والنشطاء الكثيرين ممن تتوفر فيهم صفات القيادة التي نبحث عنها. ولذلك بدأنا البحث خارج الحزب عن شباب ذوي مقدرات عالية، ذوي ديناميكية ومن محبي العمل لينضموا للحزب بغرض ترفيعهم الي مراكز القيادة. كان عليَّ أن ابحث وأدخل الى مجلس الوزراء، أناس/ شباب جدد من ذوي المواهب والمقدرات القيادية الخلاقة، إذ أنه يجب عليَّ أن لا أعتمد أو اترك خلافتي وزملائي للناشطين الحزبيين فقط.
"في البداية (1968-1972) حشدنا عدداً من الذين توسمنا فيهم النجابة من حملة الدكتوراة واساتذة الجامعات والمحاسبين والأطباء وحتى كبار موظفي الخدمة المدنية للترشيح باسم الحزب في الانتخابات ولكننا اكتشفنا أن المؤهلات العالية لسيت كافية للقيادة والتي هي الجمع بين الشجاعة والتصميم والالتزام وقوامة الشخصية ، وهي الصفات التي تصنع المقدرة على جعل الناس يتبعون القائد طواعية .
أصبح البحث عن قيادة جديدة للحزب والدولة أكثر الحاحاً في كل إنتخابات جديدة عندما أصبحت أرى بوضوح أثر الزمن/ العمر علىَّ وعلي زملائي في الوزارة .و في عام 1974 فاجأني وزير المالية بطلب إعفائه من خوض الانتخابات القادمة (بعد سنتين) وأوضح لي أن المستثمرين يثقون به لكن تبدو عليهم سيماء عدم الارتياح لانهم لا يرون وزيراً أصغر (وزير دولة أو ما شابه) ليحل محله عندما يتقاعد . وذكر أن مديري الشركات الكبرى في امريكا قبل تقاعدهم بعدة  سنوات يختارون واحدا أو اكثر من كبار مسئولي الشركة  لمجلس الادارة ليختار من بينهم المدير الذي سيحل محله. عندها قررت أنني يجب أن أضع سنغافورة في ايدي (قيادة) أمينة وقادرة عندما يحين أوان تقاعدي.
بدأنا البحث عن أفضل العقول لادخالها في الحكومة ، وقد كانت الصعوبة هي في كيفية اقناع هؤلاء بأن يدخلوا دنيا السياسة، وكيف يتمكنوا من إقناع الناخبين بانتخابهم ،علماً بان النجاح المهني ليس كافياً وأن الاداريين والمهنيين ليسو قادة طبيعيين. كنت باستمرار استعرض القيادات العليا في القطاعات المختلفة من المهنيين ومن النقابيين والصناعيين للبحث عن رجال ونساء في الثلاثينيات والاربعينيات من أعمارهم لنقوم باقناعهم للترشح باسم الحزب في الانتخابات . لقد كان استبدال رفاقي الأساسيين صعباً عليَّ من الناحية العاطفية لكن التغيير كان ضرورياً. كان عليَّ أن اعمل ذلك مهما كانت مشاعري الشخصية." (صفحات 663-673)
كما هو معلوم فإن السلطة يصعب التخلي عنها طواعية ولذاك واجه لي صعوبة في اقناع بعض زملائه من ناشطي الحزب ونواب البرلمان بأهمية تجديد الحزب. وفي هذا الصدد شبَّه الحزب بالجيش حيث يكون هنالك باستمرار تجنيد لعساكر جدد وضباط جدد، وليس بالضرورة (أو من طبيعة الاشياء) أن يصبح أي ضابط لواء أو فريق، فوفقاً للاداء يترقَّى البعض حتى رتبة فريق والاخرون لا. وحتى لا يثور نشطاء الحزب وذوي الاسبقية في النِّضال  فقد تم تمرير قانون في البرلمان بمعاشات لكل من شغل منصب وزير أو وزير دولة أو غيرهم من المناضلين ذوي السابقة وفقا لمعايير معينة.
حدثت بعض الاخفاقات في من توسم المستر لي ورفاقه فيهم المقدرات القيادية. و بالبحث عن أفضل الطرق وقعوا علي اسلوب وكالة الفضاء الامريكية في اختيار رواد الفضاء حيث كان المرشحون يخضعون لاختبارات الشخصية من قبل مختصين في علم النفس والامراض العصبية لإزاحة ممن هم من غير القادرين على السيطرة على أنفسهم في الازمات حتى لا يتسببوا في افشال المهمة. واستعانعوا فعلا باثنين من كبار علماء النفس في المعاينات لاختبار قادة المستقبل . وبعد الاتصال برؤساء الشركات العالمية الكبرى استقر رأيهم في اختيارالوزراء و قياديي الخدمة المدنية علي الطريقة التي ابتدعتها شركة شل العالمية للبترول في اختيار وترقية قياديي الشركة، وهو ما أطلقت عليه الشركة " خاصية الهليوكوبتر Helicopter Quality".  وهي مقدرة الشخص على استبيان العوامل أو المشاكل في الاطار الأكبر(رؤية الغابة) ثم التركيز على التفاصيل المهمة ثم ابتداع الحلول المناسبة. ورغم الاختبارات والمعاينات باساليب علم النفس والطرق الاخرى كانت هنالك أيضا نحو عشرة حالات اخفاق (في الترقية الي وزير) مقابل  كل نجاح.
بعد نجاح الحزب في انتخابات 1988 والتي قرر فيها السيد لي أن تكون آخر انتخابات يخوضها كرئيس وزراء، طلب من الوزراء الشباب (والذين تم اختيارهم بالطريقة أعلاه) أن يختاروا من بينهم رئيساً للوزراء ليخلفه بعد تقاعده (بعد عامين). لقد أراد ، كما قال ، أن يُحظي خلفه بدعم زملائه.  وحيث أن الوزراء الشباب قدعملوا معاً لفترة  فلم يكن من الصعب عليهم ان يتفقوا علي مرشح وقد كان.
 يقول المستر لي "كنت غالباً لا أرتكب نفس الخطأ مرتين وأتعلم من أخطاء الآخرين. كنت أبحث في تجارب من قابلَتهم مشاكل شبيهة وكيف عالجوها. كنت احيانا أرسل فرق لدراسة تلك الدول التي عالجت المعضلة المعيًّنة بصورة أفضل و/أو مثالية . أنا افضِّل الطلوع على أكتاف الآخرين الذين سبقوني". ووفقا لهذا التصور فقد استفاد لي من تجربة اليابان خاصة فكرة البحث عن المواهب. وهو من المعجبين الكبارباليابانيين إذ يقول عنهم "إن تضامنهم الجماعي وانضباطهم وصبرهم علي العمل واستعدادهم للتضحية في سبيل وطنهم قد جعل منهم قوة كبري ، كما أن وعيهم بأن اليابان لاتملك موارد طبيعية هو الذي جعلهم يبذلون ذلك الجهد الاضافي ليحققوا المستحيل unachievable To achieve the .
********
في عام 1999 اختارت مجلة تايم الامريكية لي كوان يو كواحد من اكثر الشخصيات تأثيرا في القرن العشرين وقالت انه يتفوق ويعلو Towersعلي القادة الآسيويين الآخرين في الأشياء التي لم يفعلها " لم يكن فاسدا ولم يمكث في الحكم الي ما لا نهاية".

مورال : "فتشبًّهوا إن لم تكونوا مثلهم.... إن التشبُّه بالرجالِ فلاحُ"

4/1/2016

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.