9/5/2013

العنوان أعلاه مألوف للجيل الوسيط الذي درس في المرحلة الابتدائية (تعليم الأساس حالياً) "سُبل كسب العيش فى السودان" بزيارات الى مناطق السودان المختلفة (صديق عبدالرحيم في القولد، احمد القرشي في ريره ، ومحمد ود فضل في بابنوسة الخ) ثم انتقل الى زيارات (فى الخيال) الى بقاع مختلفة من العالم (احمد في مصر، قريتشين فى سويسره، سانشو في الارجنتين , رشك فى الهند وهرى فى الولايات المتحدة ..الخ ) . لكن هذه المرة الزيارة مختلفة ، اذ تمت دعوتي وزميلي الدكتور أبوبكر حسين – مدير معهد الدراسات الإنمائية بجامعة الخرطوم – ضمن آخرين من بقاع العالم المختلفة – من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي – لحضور اجتماعات الربيع للمؤسستين فى واشنطن فى الفترة 13-21ابريل2013 . كانت الدعوة فى إطار منتدى منظمات المجتمع المدني ، الذي يعقد سنويا متزامنا مع الاجتماعات الرسمية فى هذه الفترة . وقد حضر اجتماعات هذا العام نحو 700من ممثلي هذه المنظمات ، حضروا من 100 دولة على حساب منظماتهم ، بالإضافة الى 31 من الدول النامية تمت دعوتهم بواسطة الصندوق والبنك . ويجدر بالذكر ان هذه هي السنة العاشرة لهذا المنتدى ، وقد درجت المؤسستان على دعوة نحو 30 شخصا كل عام ، وقد وصلنا الدور فيما يبدو.
لا يفوت على المتابع ان السياسات الاقتصادية المصاحبة لقروض كلا من الصندوق والبنك ، قد وجدت ( ولا زالت) معارضة شديدة من جماهير عريضة فى كل بقاع العالم ، وقد تم التعبير عن ذلك بطرق شتى بما فى ذلك المظاهرات بشعاراتها المعادية وربما أشهرها (لن يحكمنا البنك الدولى ). كذلك فقد صاحبت اجتماعات سابقة للمؤسستين مظاهرات من من الخضر (أصدقاء البيئة ) ومن جماعات أخرى ضد العولمة ونتائجها على الدول الفقيرة ..الخ . والمعتقد انه وفى ظل هذه الأجواء المعادية كان لابد للصندوق والبنك من ان يخلقا نوعا من التواصل مع منظمات المجتمع المدني ، خاصة وان هذه المنظمات قد أصبح لها صوت مسموع ومؤثر على سياسات الدول الكبرى المالكة للجزء الأكبر من رساميل المؤسستين ومواردهما المالية الأخرى ، كما ان لمثيلاتها فى الدول النامية ايضا وزنها الذي لا يستهان به ومقدرتها على استقطاب الجماهير فى الوقوف ضد الإجراءات الاقتصادية التى تؤثر سلبا على دخول ومعيشة الفقراء مثل رفع الدعم عن السلع الضرورية وتحويل تكاليف الخدمات الى المستهلكين وتجميد الزيادات في الأجور وفرص العمالة الحكومية ..الخ . وفى هذا الإطار يمكن فهم الدعوة على انها تمرين فى العلاقات العامة . ورغم ذلك فقد كانت اجتماعات ممثلى منظمات المجتمع الدولي مع مسئولي الصندوق والبنك على قدر عال من الشفافية وذات فائدة كبيرة كما سأذكر لاحقا :
كان اليوم الأول كاملا مع مسئولي الصندوق بما فى ذلك لقاء للمجموعة مع السيدة كريستين لاقارد مديرة الصندوق ، واليوم الثاني كاملا مع ممثلي البنك بما فى ذلك مائدة مستديرة مع بعض أعضاء مجلس الإدارة . وقد دار النقاش حول السياسات الاقتصادية وآثارها على الفقراء والإجراءات الخاصة بتوفير شبكة أمان او حماية للفقراء ، وعن سرية المفاوضات مع الحكومات وضرورة مشاركة المجتمع المدني فى معرفة تفاصيلها قبل الموافقة عليها ..الخ . وقد تضمنت الإجابة ان بعض هذه السياسات لها قيمة سوقية مثل السياسات الخاصة بسعر الصرف وهنالك صعوبة فى كشفها، وأحيانا تكون الحكومات نفسها غير راغبة فى كشف مقترحات السياسات وإخضاعها للنقاش. لكن هنالك ضغوطاً متزايدة لنشر تقارير بعثات الصندوق السنوية والمعروفة بمشاورات المادة الرابعة ، وقد استجابت دول عديدة وقامت بنشر التقارير . وقد تعرض النقاش أيضا إلى ان بعض الحكومات لا تمثل شعوبها وبالتالي فان ما توافق عليه قد لا يمثل المصالح الحقيقية للمواطنين ، وقد أوضح مسئولوا الصندوق ان بعثات الصندوق أحيانا تحاول لقاء المعارضة لتستنير بارائها لكن بعض الحكومات ترفض ذلك باعتبار ان معرفة المعارضة بالسياسات قد يتم استغلالها ضد الحكومة القائمة .
اشتمل برنامج المنتدى المدني على نحو 60 من الفعاليات من ندوات ومحاضرات ولقاءات منقولة بواسطة الفضائيات . وقد شملت الأخيرة لقاء شارك فيه رئيس البنك الدولي وكبير الاقتصاديين بالبنك حول كسر قوس الفقر ، وأخر بعنوان أصوات عالمية ضد الفقر شارك فيه كل من رئيس البنك الدولي والسكرتير العام للأمم المتحدة بصفة رئيسية بالإضافة الى مشاركات من كل من بروفسير محمد يونس مؤسس بنك غرامين للتمويل الاصغر ببنغلادش ، وتريفر مانويل وزير مالية جنوب افريقيا السابق ، وثالث حول الدول ذات الدخل المنخفض فى اطار الاقتصاد العالمي شارك فيه نائب مدير الصندوق مع آخرين ، ورابع حول الإصلاح الاقتصادي فى دول الشرق الأوسط ذات الأوضاع الانتقالية (دول الربيع العربي) ، وخامس لقاء للـ BBC مع كريستين لاقارد مدير صندوق النقد الدولي أجراه ستيفن ساكر مقدم برنامج (هاردطوك) الشهير .
كان ما يشغلني طوال الزيارة والاجتماعات المختلفة هو الإجابة على سؤال مهم خاص بالديون وإعفائها والبرنامج الأساسي الخاص بذلك وهو مبادرة إعفاء الديون الخاصة بالدول الفقيرة ذات المديونية الكبيرة (هبك HIPC) . و بالرغم من معرفتي بحكم المهنة بالخطوات المؤدية الى نقطة اتخاذ القرار القاضي بالاعفاء الجزئي او الكلي للديون وهامش اتخاذ القرار الخاص بالصندوق وديونه (وهي غير قابلة للإعفاء) إلا أنني كنت حريصا على سماع الإجابة من (فم الأسد) كما يقولون حتى يطمئن قلبي (او لا يطمئن نهائيا) . وقد اتيحت لى الفرصة فى لقاءين الاول فى اجتماع مصغر بين مجموعة المنتدى المدني من دول الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا (مينا) – حوالى سبعة أشخاص – مع نائب مدير إدارة الشرق الأوسط بصندوق النقد الدولى السيد عدنان مزارعي ، وقد سألته مباشرة عن ديون السودان الخارجية وامكانية استفادة السودان من مبادرة الهبك علما بان السودان عليه متأخرات كبيرة للصندوق (صححنى قائلا أعلى متأخرات للصندوق فى العالم على السودان) وديونه غير قابلة للاستدامة وفقا لمؤشر نسبة الدين للصادرات ونسبة الدين للناتج المحلى الإجمالي والإيرادات الحكومية ، بالإضافة إلى أنه دولة شمولية وعلاقاته الخارجية سيئة مع اغلب الدول الكبرى الذين هم فى نفس الوقت كبار الدائنين . وكانت إجابته واضحة اكثر مما توقعت. فقد قال اولا، ان للصندوق مساهمين وهذه (اى الديون ومتأخراتها) " فلوسهم" ويجب ان يتم سدادها . ثانيا، لا يمكن  ان تكون لك علاقات غير جيدة مع الدائنين وتتوقع منهم ان يعفو ديونهم . فقلت هل تقصد ان الموضوع سياسي وعلى السودان ان يوفق أوضاعه – سياسيا- مع هذه الدول اولا ؟ فأجاب بنعم . اما عن سؤالى حول هل يمكن للصندوق ان يفعل اى شئ فأجاب بلا .
في الندوة التي أقيمت حول وضع الدول الاقل دخلا فى الاقتصاد العالمي والتى شارك فيها نائب مدير صندوق النقد الدولى ومسئولين اخرين كبار من الصندوق ووزيرة مالية يوغندا ، وأمها عدد كبير من المشاركين ، تقدمت بنفس السؤال لأعضاء (البانل) خاصة نائب المدير ، بعد أن أوضحت أنني من السودان، فأشار الى احد المشاركين ليجيب على السؤال. وقد كان رده انه على دراية كاملة بموضوع السودان وان الموضوع معقد وان هنالك خطوات يجب ان تتم حتى يستفيد السودان من المبادرة المذكورة ...الخ . ولما كانت الإجابة غير مقنعة لى انتظرته بعد الندوة حتى ينزل من المنصة ، وقلت له أنني باحث من السودان وأريد جوابا واضحا على سؤالي (هل يمكن للصندوق ان يفعل اى شى فى حالة السودان؟ فأجاب بالنفي ، فقلت له هل يعنى ذلك توفيق أوضاعه السياسية مع الدائنين أولا وكانت إجابته نعم.
حقيقة الامر أن مبادرة (الهبك) لها شروط فنية وإجراءات . الشروط الفنية هي ان تكون عند الدولة إستراتيجية لتخفيف حده الفقر وان يكون لها track record  جيد فى إتباع السياسات المتفق عليها فى الاستقرار الاقتصادي بالإضافة الى كبر الدين وكونه غير مستدام وهذا ليس فيه مشكلة (انظر أدناه). الإجراءات اولها هو اجتماع نادي باريس للدائنين )ويضم كل الدول الاوربية واليابان وأمريكا( حتى يتفق الدائنون مع الدولة المدينة على إعادة جدولة الديون بشروط سهلة وبعدها تذهب الدولة المدينة للدائنين الآخرين غير اعضاء نادي باريس وهي دول مثل الدول العربية والصين والهند لاقناعهم بمنحها نفس الشروط – على الاقل- حتى لا تفهم دول نادي باريس ان هنالك دول نالت شروطا افضل .
إشكالية نادي باريس (الدول الغربية الكبرى) ، ان آلية اتخاذ قرار عقد الاجتماع نفسه وقرارات إعادة الجدولة ، هو الإجماع . اى ان الاجتماع لا يقوم أصلا (بصرف النظر عن النتائج) إلا إذا وافقت كل الدول الأعضاء . وهنا يجئ دور أمريكا وموافقتها او على الأقل عدم اعتراضها على الاجتماع . ومن اجل أن توافق أمريكا على عقد الاجتماع فهى ستتوقع تنفيذ شروط غير فنية او "بصراحة" اكثر، سياسية.
لكن دعونا أولا "نشوف" حجم المشكلة التى نحن فيها بسبب الديون الخارجية وكم هي أصلا .أخر الإحصاءات (نهاية ديسمبر 2012) تقول أن إجمالي الديون قد بلغ 41.4 مليار دولار ، أصل الدين منها يبلغ 17 مليار دولار والفوائد التعاقدية والجزائية تبلغ 24.4 مليار دولار ، اى ان نحو 60% . الشروط الفنية التى تؤهل الدول للاستفادة من مبادرة (الهبك) كما اسلفنا هي عدم استدامة الدين الخارجي ومؤشراته هي ان تكون نسبة الدين للصادرات على الأقل 100% . ونسبته للناتج المحلي الإجمالي 30% وللإيرادات الحكومية 200% . وقد زادت مؤشرات عدم الاستدامة (اى عدم إمكانية معالجة امر الديون بالطرق التقليدية  - غير شاملة الإعفاء ) في السودان عن الشروط المؤهلة بأكثر من عدة أضعاف اذ بلغت نسبة الدين للصادرات بنهاية ديسمبر الماضي 403%  ونسبة الدين للناتج المحلي الإجمالي 75% ونسبته للإيرادات الحكومية (1004%) – يعنى ألف في المائة . بالعربي الفصيح فان السودان مؤهل بامتياز للاستفادة من مبادرة المجتمع الدولي لحل مشاكل ديون الدول الفقيرة (يمكن القول ان كل مواطن سوداني عليه نحو 1330 دولار).
علما بالشروط الفنية وغير الفنية المذكوره اعلاه ، ماذا يمكن أن نقول للمسئولين. وهنا اري انه ليس أفضل من الدكتور عبد الوهاب عثمان وزير المالية الأسبق فى عهد الانقاذ ، والذي حقق نجاحات اقتصادية  معتبرة أثناء توليه الوزارة فى الفترة 1996-2000 ، بما فى ذلك استقرار سعر الصرف وخفض التضخم حينها ، ليحدث هو حكومتنا الرشيدة (نحن خلينا) عن الورطة التي نحن فيها بسبب الديون . في كتابه الجديد (2012) و قيد التدشين في الأيام القادمة بعنوان "منهجية الإصلاح الاقتصادي في السودان (2001-2011)" ، يقول الدكتور عبد الوهاب "أن مشكلة الديون الخارجية يجب تجاوزها لإرساء الأرضية الراسخة والبيئة المواتية لاستدامة النمو الاقتصادي بوتائر عالية .... وذلك لان عدم السداد قد أدى الى توقف تدفقات القروض والمنح من المؤسسات الدولية والإقليمية والدول المانحة مما ادي الى توقف مشروعات التنمية والذي ادى بدوره الى التأثير على قدرة البلاد على تسديد تلك الالتزامات وبالتالي الى تفاقم المشكلة..كما أن انحسار تدفقات القروض الميسرة والمنح أدى الى اللجوء الى مصادر التمويل قصير الأجل وبفوائد عالية ، مما أدى ويؤدى الى مخاطر اقتصادية وسياسية غير محسوبة ومن ذلك تفاقم المشكلات الامنية التى يواجهها السودان الآن بسبب قصور الدولة فى تحقيق نمو شامل" (ص69).
حقيقة الأمر ان هذه الديون الضخمة غير المستدامة تؤثر ليس فقط على الحساب الخارجي وإنما أيضا على الأوضاع المالية الداخلية بما فى ذلك تقليل الموارد المتاحة للمشاريع التنموية والخدمات من صحة وتعليم ومياه . اما التعقيدات الأخرى فهي ليست فقط انحسار القروض والمنح وإنما حتى إمكانية الاستدانة من أسواق المال العالمية والتى اصبحت مكلفة ان لم تكن مستحيلة لارتفاع المخاطر الخاصة بدولة مثقلة بالديون مثل السودان (وتحت الحظر كمان).
قلنا ان السودان أكثر من مؤهل من ناحية فنية للاستفادة من المبادرة الخاصة بإعفاء الدول الفقيرة المثقلة بالديون . لكن ماذا عن المؤهلات السياسية ؟ في هذا الإطار يذكرنا د. عبدالوهاب أن وزارة الخارجية الأمريكية قد أصدرت قرارا فى عام 1996 يقضي بمنع التسهيلات والقروض والمنح المالية والثقافية للسودان ، ثم دعم الكونغرس الامريكي ذلك القرار عام 2003 بقرار يقضى بمنع ممثلى الولايات المتحدة الأمريكية لدى المنظمات المالية الدولية من التصويت لصالح اى دولة مدرجة فى قائمة الدول الراعية للإرهاب وقد كان السودان من ضمن تلك الدول ولا زال . وهنا نعود إلى إجراءات إعفاء الديون والتى تتضمن اجتماع نادي باريس (للدول الغنية الدائنة) للنظر فى ديون الدولة المعنية بعد موافقة صندوق النقد الدولي على طلبها انعقاد الاجتماع   .
نعود مرة اخري الى دكتور عبد الوهاب عثمان وكتابه الجديد والجيد اذ يقول: "ان العقبة امام السودان للوصول الى تلك المبادرة تتمثل فى علاقته مع الولايات المتحدة الأمريكية .. والمعلوم انه فى ظل العلاقات السالبة القائمة مع الولايات المتحدة لا يمكن الحصول على المزايا التى تمنحها تلك المبادرات بالرغم من المؤهلات الفنية التى يستوفيها السودان" . ولا ينبئك مثل مسئول. ولانه لا يمكن توقع صدور قرار فى صالح السودان لأن ممثلي الولايات المتحدة الأمريكية مقيدون بقرار الكونغرس الذي يمنعهم من التصويت لصالح دولة مدرجة فى قائمة الدول الراعية للإرهاب ، يمحض الدكتور عبد الوهاب( وهو من أهل البيت الإنقاذي) النصح لاهل بيته قائلا "اعتقد ان اهم محور لمعالجة ديون المؤسسات المالية العالمية ونادي باريس ونادي لندن والتي تمثل 60% من جملة الديون القائمة ، هو معالجة العلاقات السياسية مع الولايات المتحدة الأمريكية ً(ص 88). وهذه النصيحة تدخل في باب ما يمكن ان يسمي ما علم  من امر معالجة الديون الخارجية بالضرورة .
ان حل مشكلة الديون الخارجية هو المفتاح الأكثر أهمية لإصلاح حالنا الاقتصادي والسياسي معا بما فى ذلك القطاع الخارجي للاقتصاد والذي سيطرت عليه اخبار الدولار وأسواقه الرسمية والموازية ، لان القروض والمنح (والسداد على صغر حجمه الان) جميعها من موارد النقد الاجنبي الهامة . وتتضح علاقة السياسة بالاقتصاد فى ابهي صورها فى علاقة السياسة الخارجية بتجفيف موارد النقد الأجنبي المتاحة اذا كانت تلك السياسة غير راشدة . انظر مثلا ما تفعله زيارة رئيس دولة مثل السيد أحمدي نجاد للسودان وإمكانية عرقلة تلك الزيارة لموارد مالية من دول الخليج العربي ، هذا غير نتائج سياسة "امريكا روسيا دنا عذابها"  في زمن غابر . وقد قيل هنا ان القائم بالاعمال الامريكي وقتها سأل الدكتور حسين ابوصالح وكان وزيرا للخارجية عن ان هنالك اهزوجة تقول كذا فهل ذلك صحيح وعندما اجابه بأن ذلك صحيح قال السفير" كلاهما؟ لابد ان تكونوا غير جادين" Both of them. You must be kidding . عدم الرشد ليس فقط فى السياسة الخارجية وإنما ايضا فى "بعزقة" الموارد المحلية بما فى ذلك عوائد صادرات النفط . وقد قيل ان احد المسئولين البريطانيين قال لماذا تعفى لكم بريطانيا ديونها وانتم لكم موارد تبنون بها العمارات الشاهقة فى قلب الخرطوم (ولا يخفى القصد) .
لقد عانى الاقتصاد السوداني كثيرا من السياسة الخارجية غير الرشيدة ، وربما يذكر البعض زيارة السيد بابكر عوض الله نائب رئيس مجلس قيادة "ثورة" نميري الى ألمانيا الشرقية في حوالي 1969 واعترافه بها هناك على الهواء "مجانا" ودون تفاوض حول تكلفة ذلك الاعتراف. وقد سحبت بعده المانيا الغربية مساعداتها للسودان ويعتقد ان من تكلفته تأخر تعلية خزان الروصيرص لأكثر من اربعين عاما بعدها والامثلة كثيرة . لكن بالطبع عدم رشد السياسة الخارجية للانقاذ لا يقارن ، وها نحن نجنى ثماره المرة.
ارتباط اعفاء الديون الخارجية وفك الاختناق المضروب على السودان بالسياسة الخارجية أمر لا تنتطح فيه نعجتان . وما دامت سياستنا الخارجية ليست على قدر "اللحاف" فمن الطبيعي ان ندفع ثمنها جميعا ، وبالامس القريب هذا فرض كل من بنك (HSBC) وبنك Standard Chartered  قيودا على حسابات السودانين بهما وطلب من الكثيرين قفل حساباتهم بالاضافة الى منع التحويل للسودان والسودانيين .
ان تحسين العلاقات مع الدول الغربية او امريكاعلى وجه الخصوص له مطلوبات ومستحقات يجب الإيفاء بها وهو ليس اتفاقا يمكن ان تبرمه الحكومة اليوم ولا  "تشتغل به" غدا مثل التعامل مع اتفاقيات السلام مع الحركات المسلحة ، كما انه ليس تقديم خدمات او معلومات حول الارهاب فقط. هنالك مسلمات او ثوابت – بلغة المسئولين- فى النظام العالمي الان ، ومنها الحكم الراشد ومشاركة الوان الطيف السياسي فى عملية انتخابية شفافة و مراقبة دوليا تفضى الى أوضاع ديمقراطية تبسط فيها الحريات السياسية والدينية والثقافية وتصان فيها الحقوق ، وتراعى فيها حقوق الأقليات العرقية والدينية وتتساوى فيها فرص المواطنة الكاملة ،  ويتم فيها السعي الى إزالة المظالم التاريخية وعدم المساواة فى المشاركة فى السلطة،    بالإضافة بالطبع الى محاربة الإرهاب والتطرف الديني ، ويجب ان يلعب المجتمع المدني فى كل ذلك دورا بارزا . باختصار مطلوبات المجتمع الدولى (او الغرب على وجه الدقة) إصلاح سياسي شامل يؤدي فى النهاية الى استقرارسياسي و اقتصادي ، ولا يمكن الوصول الى هذا الا بحل المشاكل العالقة داخليا وخارجيا . ولابد ان يكون كل هذا فى ذهن الدكتور نافع عند زيارته المتوقعة للولايات المتحدة .
عندنا فى السودان نقول اذا رأى المدين الدائن من بعيد فانه يترك له الدرب . هذا على مستوى شارع القرية او سوقها . اما على المستوى العالمي فقد سدت أمريكا علينا الدروب واغلقت كل المنافذ ، وسوط امريكا نافذ حتى على الدول الأوربية ، ويا ويل الدولة او البنك او الشركة التى تتجاهل قرارات الكونغرس الأمريكي . للاسف الشديد هذا هو الواقع والتعامل معه ليس انبطاحا وإنما عقلنه للقرار السياسي . وعلي ذكر الانبطاح نذكر ملحة حدثت فعلا . فقد قيل انه كان هناك اجتماع كبيرمع السفراء بوزارة الخارجية (في نحو عام 1992) ترأسه محمد الامين خليفة- عندما كان احد كبار المسئولين فى السلطة ومشرفا على الوزارة –وبعد نقاش وتسخين حول السياسة الخارجية طلب احد قدامى السفراء الحديث فقال انه يرى (مجازا)  "أن غضب أمريكا زى غضب الوالدين ، والأفضل للدولة ان تكون حريصة فى سياستها ولا تعطى مجالا للغضب الأمريكي". فانفعل الأستاذ محمد الأمين خليفة قائلا نركع ليها يعنى؟ فرد السفير ببرود لا ما تركعوا ، "تنبطحوا". وكل ذلك على ذمة رواة الواقعة المشهودة وهم كثر .
لقد جاء فى الصحف (الأخبار 6/5/2009) ان هناك اتفاقا مع دولة الجنوب ينص على ان يتحمل السودان الديون بشرط ان يتم إعفاءه او يتحصل على التزام من الدول الدائنة بإعفائه خلال سنتين ،  وفى هذا الأثناء يمكن لدول نادي باريس منح دولة الجنوب قروضا ولكن ليس للسودان ، وكل ما يمكن ان يفعله السودان بعد سنتين إذا لم يتم إعفاءه ان يعاد تقسيم الديون بين البلدين . والأرجح هو انه خلال السنتين المذكورتين سوف يمنح الجنوب قروضا (قد تكون كبيرة وكثيرة) ولكن لن يكون هنالك اعفاء للديون للسودان اذا لم يتم التوافق على إصلاح سياسي شامل على مستوى السياسة الخارجية وعلى مستوى المشاركة الواسعة داخليا والتحول نحو أوضاع ديمقراطية كاملة .
ان التعامل مع امريكا هو احدي الحقائق المرة ، رضينا ام ابينا ، و فى جميع الأحوال ومهما أوتيت الدولة من موارد- ناهيك عن ان تكون دولة نامية- فإنها لا تستطيع ان تبقى على عداء مستديم او سوء علاقة مع الدول الكبرى-خاصة امريكا- و على الدولة "المسلمة" ان تخاف الله فى شعبها وما ينابه من متاعب جراء عدم رشد سياستها الخارجية .
فيا جماعة الخير – كما يقول البونى – ان دافع اصلاح العلاقة مع امريكا ،  ليس حبا في امريكا ولا حبا لها ، وانما حبا لهذا الوطن وشعورا بمعاناة مواطنيه . ايها المسئولون قوموا الى ايقاف الحرب وحلحلة مشكلاتنا الداخلية والخارجية، قوموا الي الإصلاح السياسي والاقتصادي اله  يرضي علينا عليكم ، عسي ان يجعل الله ذلك في ميزان حسناتكم (بعد الحالة دي).
د. صديق امبده
11 مايو 2013

Siddig Umbadda [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
///////////////