1.    قياسا بكثرة السهام التي انتاشت ميثاق "الفجر الجديد" بين قوى الإجماع الوطني والجبهة الثورية في أيامه الثلاثة الأولى والايام التالية من عدة أجسام من قوى الإجماع بالداخل ، فالأرجح ان تظهر اشكال مختلفة من التملص - بشكل أو بأخر- مما قد يؤدي فى النهاية الى وضعه فى ملف المواثيق المختلفة غير المنفذه  بين بعض مكونات المعارضة والحكومة وبين أركان المعارضة والحركات ، وبين الحركات بعضها البعض، والقاسم المشترك بينها جميعا  هو عدم الاستمرارية ، لتنصل كل الأطراف أو بعضها ، والأمثلة كثيرة . قديما قيل "إياك و ما يعتذر منه" وربما ترجمته في هذه الحالة  " اياك وما يتنصل منه".  ففيم العجلة؟

2.    اعتبارا بان الميثاق قد تم نشره بمجرد التوقيع عليه من الأطراف المختلفة بكمبالا، وربما قبل أن ينفض حفل التوقيع ، اى أن الميثاق ليس تعاقدا سريا بين المجموعات الموقعة يتم تسريب نصه لوسائل الإعلام لمدة قد تطول او تقصر ، أو تظل وثيقته سرية يصعب الحصول عليها بينما تنمو الإشاعات حول محتوياته ، اعتبارا لكل ذلك فلماذا الاستعجال فى توقيعه قبل ان تنضج الحلّة وقبل ان يطرح فى الاسافير والصحف ليتم تناوله بالنقد والتحليل من الكافة بحيث يمكن تشذيبه وتقديمه للاحزاب وللجنة المشتركة للاجماع الوطني وعندها سوف تكون الانتقادات الموجهة له أجنده للتداول حوله من جديد لسد كل الثغرات وشطب المختلف حوله وتفادي كل ما يمكن ان يهدد اجماع الراغبين فى اسقاط النظام من الفاعلين السياسيين والجماهير الصابرة وممكونة ، التي يشدها النظام من حلاقيمها كل يوم ، تارة بالغلاء الفاحش وتارة بالحد من  الحريات و والهراوات والغاز المسيل للدموع.

3.    من الواضح ان الميثاق قد أعد على عجل ، والشواهد كثيرة ، سواء كان من ناحية اللغة غير الدقيقة أو كثرة المختلف حوله ، حتي من قبل الاجسام الموقعة ، فلماذا اذا لم يعرض "الفجر الجديد" علي قوى الاجماع الوطني كأحزاب أولا وكمجموعة تمثلها لجنته المشتركة ثانيا وبعدها يتم عرض الصيغة الجديدة "بتعديلاتها" على الاجتماع الموسع ـ ففيم  العجلة؟ و من الطبيعي اذن ان  تظهر الانتقادات والرفض من بعض مكونات قوى الاجماع او جلها-كما حدث حتي الان . فهل كان المندوبون مفوضون بطرح الاراء والاستماع والتداول فقط ام بالتوقيع . اذا لم يكونوا مفوضين وقاموا بالتوقيع فلماذا ، واذا كانوا مفوضين بالتوقيع على بياض (وهو امر مشكوك فيه) فلماذا  تتفق احزاب الاجماع الوطني علي اهمية مراجعة الميثاق . "تعست العجلة" كما قال فند عندما ارسلته عائشة بنت طلحة .

4.    قبل ان ننظر الى الجزء الفارغ من كوب الفجر الجديد ، وهو للأسف كفيل بطمس الكثير من الايجابيات ، ارى ان انتقاد الموتمر الوطني للوثيقة وتهديده الفظ للموقعين عليها والمعارضة كلها ، لا يشير الى انه استفاد من تجربته المتطاولة فى الحكم وتنازعه مع المعارضة،  وبدلا من ان يلعن ظلام المعارضة عليه ان يرى المخاطر المحدقة ليس بنظامه فقط وانما بالدولة والسودان "فى عضمو" – نتيجة افعاله واستهانته حتي بمن وقعو معه الاتفاقيات ومحاولة اذلاله للجميع واقصائهم من المشاركة في السلطة – وان يسعى لفتح نوافذ جديدة للتعامل مع جميع مكونات المعارضة ، ولا ينبغي له ان يفهم ان ذلك ينبئ عن ضعف ، وانما عن نضج سياسي يحتاجه الآن قبل اي وقت مضى.
5.    هنالك فى تقديري – أخطاء إستراتيجية (وحتى تكتيكية) فى أغلب مفاصل الميثاق ، بالاضافة الى تفاصيل غير لازمة ، أصبح بمقتضاها الميثاق مترهلا – كما اشار الى ذلك بيان حزب الامة القومي – وأعطت التفاصيل تلك وعودا غير ممكنة التحقيق لا فى الفترة الانتقالية ولا فى المستقبل القريب. لنأخذ بعض الامثلة .

6.    من الأخطاء الإستراتيجية التي أود الإشارة اليها  تلك المواد التى تشير الى حل الاجهزة الأمنية وإعادة تكوين الجيش والقضاء وتلك الخاصة بوحدة السودان وغيرها . إن القطع بما تود الجهات الموقعة علي الميثاق ان تنفذه بعد اسقاط النظام ، اذا تسني لها ذلك ، رهين بشكل التغيير وهل هو ثورة شعبية مدعومة من الداخل ام اجتياح عسكري. واذا لم تكن انت علي مداخل الخرطوم ودانت لك بقية البلاد  فمن الحكمة ان تقوم باستمالة ، او علي الاقل تحييد ، اكبر عدد من القوي المناوئة خاصة تلك التي تحمل السلاح وان لاتدفعها الي معسكر عدوك ، وان لا تقول "سلم تسلم" قبل ان تكون لك اليد العليا القادرة علي تنفيذ التهديد.

7.     وقبل إبداء الراي ربما تجدر الاشارة الى تجارب دول أخرى حدثت بها تغييرات جذرية فى الحكم مثل الاتحاد السوفيتي،  بعد اكثر من سبعين عاما من حكم الحزب الشيوعي ، والجارة الشمالية مصر بعد ثورة 25 يناير ونحو ستين عاما من حكم الحزب الواحد . قد يقول قائل ان تلك دول "عميقة " ، ولكن للاسف فالانقاذ ايضا قد عمقت وجودها في الدولة ومؤسساتها وسيحتاج موضوع اعادة قومية تلك المؤسسات الي زمن (وليس الي زعل).  في مصر القريبة هذه حدثت معالجات لم تصل الى حد حل الأجهزة الامنية ، على سبيل المثال ، وكذلك تونس . وفي روسيا تم تغيير اسم الكي جي بي- و لكن لم يتم حل الجهاز ، لأن هذه الاجهزة ، علي وجه العموم ، تحتوى على مجهودات بشرية كبيرة وهي كمؤسسات ثروة قومية لا تحرق بمن فيها لتجاوزات رؤسائها وكبار ضباطها . فالمعالجة لا تكون بحلها بالكامل (كما اخطأت القوى الوطنية بعد الانتفاضة) ، وانما بالغاء او تعديل قوانينها واصدار قوانين جديده  بمهامها ومحاسبة و فصل كبار المسئولين فيها وكذلك كل من تورط من منسوبيها  في جرائم متعلقة بحقوق الانسان او الفساد او استغلال النفوذ او اي جرائم اخري. وعلى ذكر حل جهاز أمن نميرى ، فقد كانت نتائجه كارثية . و كما جاء فى كتاب لاحد ضباطه (ابو رنات) ان احد اعضاء اللجنة الموكل لها حل الجهاز (وقد ذكره بالاسم واتضح انه من كبار مسئولى الجبهة الاسلامية فى المجال) كان يسأل باستمرار عن ارشيف الجهاز حتي اعلم به وبعدها كما يعتقد الكاتب فان كل الملفات الخاصة بمنسوبي الجبهة واعدائها قد اختفت او تم العبث بها (ولا شك انها كانت  ذات فائدته عظيمة لاحقا) قبل و بعد الانقلاب. وجهاز الأمن الحالي بسوءاته وممارساته التى لا يختلف حولها احد ، من بيوت الاشباح والتعذيب ، الى الشهداء المشتبه منسوبيه بالتسبب فى قتلهم ، به معلومات هائلة هي ثروة للوطن (مثلا لابد ان تكون له معلومات  قيمة خاصة بالارهاب ومنظماته) ، وخبرات يجب الاستفادة منها . إنك لا تقذف الطفل مع الحوض كما يقول الخواجات .

8.    هنالك نص ايضا حول حل الدفاع الشعبي وجميع القوات و المليشيات التى انشأها النظام خارج اطار القوات النظامية ونزع اسلحتها . ومع الاتفاق التام مع مبدأ ان يكون السلاح فى يد القوات النظامية فقط واهمية الا تكون هنالك اى قوات اخرى تحت اى مسمى كان ، فان الامر لا يخلو من تعقيدات . فالمعلوم ان كل هذه القوات تحمل السلاح والكثير منها ألحق بالقوات النظامية بشكل او باخر وتتلقى مرتبات منتظمة من الدولة ، وحاربت الحركات المسلحة على مدى سنوات جنبا الى جنب مع القوات النظامية ، اى ان جيش الحركة الثورية/الحركات المسلحة هو عدوها ، فهل ستسلم هذه القوات بمسمياتها المختلفة أسلحتها وتنصرف ؟ الأوفق فى تقديري كان ان ينص على توفيق اوضاع القوات المذكورة ببرامج خاصة شبيهة ببرامج الدمج المعروفة (DDR) يتم بمقتضاها معالجة امر منسوبيها بالدمج او بالتعويضات اللازمة وتوفير سبل العيش الكريم لها فى فترة معقولة تتزامن مع استتباب الامن واعادة هيكلة القوات النظامية ونزع السلاح من اى شخص او جهة خارج القوات النظامية .كما ان عملية نزع السلاح عملية معقدة حسب تجارب الدول الخارجة من الحروب لتوها وسوف لن يسلم احد سلاحه الا بعد ان يطمئن و  يري بعينيه ان الامن مستتب وحتى فى هذه الحالة تختلف الطرق ودرجة نجاحها. ان المجاهرة بحل هذه القوات دون تدبر ومعالجة حكيمة ، يعنى اولا تحريضها لتقف ضدك وتدافع عن خندق الانقاذ حماية لنفسها ومصالحها اولا وقبل مخدميها ، وثانيا فان محاولة نزع السلاح بالقوة هو نزع فتيل لحرب أهلية جديدة وانزلاق نحو الفوضى الكاملة والصوملة لا قدر الله.

9.    كذلك فان موضوع القوات المسلحة وإعادة قوميتها يحتاج الى معالجة حكيمة من النواحي العملية  فضلا عن تدبير التكلفة المالية العالية لتعويضات المسرحين خاصة والنظام الجديد مطالب بالعدالة. ورغم تصفية الانقاذ لقيادات الجيش و الالاف من الضباط الاخرين واحلال قيادات من الموالين لها وتعيين كثر من الموالين الجدد فان هنالك دروس يمكن ان تؤخذ من دول اخرى . روسيا وبعد نحو سبعين عاما من ادلجة الجيش استطاعت ان تبقيه جيشا وطنيا بإعفاء كبار قادته وبعض الرتب الوسيطة وكل بأسبابه . وفى جميع الأحوال فان اعادة الهيكلة نفسها رهين بشكل التغيير وموازين القوى واختيار افضل المخارج واقلها تكلفة ، ويجدر بالذكر هنا انه لولا انحياز القوات المسلحة للشعب فى ثورة اكتوبر وانتفاضة أبريل لما نجحتا ولما كان لنا ربيعنا قبل الآخرين . وعليه فان استمالة الجيش كقوة وطنية شئ هام لاى انتفاضة مدنية ، وتبقى القوات المسلحة حامية للوطن مهما اصابها من تصدع و ما تعرضت له من تشوهات و تدخلات سياسية .

10.    يتميزالميثاق عموما  بلغة غير دقيقة (وهي سمة لازمت اغلب نصوصه) علما بان لغة الميثاق هي من اهم ضوابط تنفيذه لان انضباطها يقلل من التفسيرات المتضاربة ومن الاثارة غير المقصودة و وبالتالي من التملص.  ففي مجال القوانين والتشريعات - على سبيل المثال – ينص الميثاق علي قيام السلطة القضائية على "انقاض" السلطة القضائية الحالية ، ويفهم من ذلك هدمها من الاساس . صحيح اننا جميعا نعلم ما حدث للجهاز القضائي تحت نظام الإنقاذ من الانتقاص من حياديته واستقلاليته ونزاهته بالفصل والعزل والتسييس ، ولكن العلاج ليس الهدم  الذي لاشك تتبعه الفوضى ، ولا اعتقد  ان ذلك هو المقصولد ، و ولكن ذلك هو ما يفهم من النص . ويشير الميثاق فى هذا المجال أيضا الى التوقيع والمصادقة على المواثيق الدولية بما فيها نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية ، كما يشير فى مكان أخر الى التعاون الايجابي مع المحكمة الجنائية الدولية وتسليم المطلوبين للمثول امام العدالة الدولية . وعلما بأن الميثاق قد أشار فى اكثر من مكان الى التأكيد على مبدأ العدالة والمحاسبة ، بما فيها مفاهيم وآليات العدالة الانتقالية ووضع حد لظاهرة الافلات من العقاب بالمحاسبة على اقتراف الجرائم الجسيمة وانتهاكات القانون الدولي الانساني والقانون الدولي لحقوق الانسان ، وهو نص ممتاز و شامل فيما اري ، فهل كانت الإشارات الاولى بخصوص المحكمة الجنائية ذات فائدة؟

11.     هذه قضية حساسة وهنالك اتهامات جاهزة فى كل الاتجاهات حولها . لكن يجب ان نتذكر بان تحويل القضية برمتها الى المحكمة الجنائية الدولية لم يتم إلا بعد أن فشلت حكومة الإنقاذ في تقديم أي متهم في جرائم دارفور ومحاكمته في محكمة سودانية ، وقد منح المجتمع الدولي الحكومة عدة فرص بعد تقرير القاضي كاسيسي ولم تفعل الإنقاذ شيئا ، ومن بعد تم توريطها في تحويل القضية من مجلس الامن الي المحكمة الجنائية الدولية وتوريط الوطن فيما نحن فيه الان. كما يمكن ان نذكر ايضا توصية الوسيط الافريقي ثابو امبيكي ولجنته التي اعطت الاسبقية للمحاكمات المحلية ثم المحكمة المختلطة (هايبرد كورت) واخيرا اذاتعذر كل ذلك فالمحكمة الجنائية الدولية. الخيار الطبيعي إذن في ظل أي وضع جديد (ثوري) أو مختلف ، هو تقديم المتهمين بارتكاب الجرائم المختلفة (جرائم الحرب وضد الإنسانية وغيرها) اولا إلى محاكم محلية بقضاة مشهود لهم بالنزاهة وبرقابة دولية إن دعى الأمر، علما بان أحكامها قد تكون أكثر ردعا من المحكمة الجنائية ، وذلك بالاضافة  الى الاستعانة بلجان العدالة الانتقالية  وفق ما يراه القائمون علي الامر و الاطراف المرتكبة ضدها الجرائم . و الحال كذلك لماذا الالتزام المجاني بالتوقيع على نظام روما الأساسي والتعامل الايجابي مع المحكمة الجنائية. ألا يحتاج الأمر إلى نقاش وطني واسع من المختصين والفعاليات السياسية في جو غير الأجواء المشحونة الحالية قبل البت فيه. هل يتعامل السودان لوحده مع الموضوع أم في إطار الاتحاد الإفريقي  والجامعة العربية ولماذا لم توقع دول كثيرة عليه؟ وفي نهاية الامر فهذا كله رهين بشكل التغيير وتوازن القوي في ذلك الوقت، ففيم العجلة؟   أن بعض القضايا يجب آلا تعالج برود الأفعال مهما كانت الفظاعات المرتكبة. كما أن هدف احلال السلام واستدامته هو الذي يحدد الخيارات ، وفي جميع الأحوال فإن الأحياء ينشدون السلام ، وهنا ربما يجدر بنا ان نذكر قول أهل دارفور( الحي أخير من الميت).

12.    يشير الميثاق إلى إبرام اتفاقية مع جنوب السودان على أساس المصالح المشتركة. كما يشير إلى "الاحتفاظ بحدود مرنة ..... بما يفتح الباب مستقبلا لاستعادة الوحدة علي اسس جديدة .. الخ" . والرأي عندي ان شعب الجنوب قد اختار ان يبني دولته المستقلة بناء علي معطيات اكثر من خمسين عاما بعد الاستقلال و ليس فقط لسوء نظام الانقاذ وحده ولذلك فربما كان الاوفق لغة ان يقال "بما يفتح الباب  لتعاون بناء  يحقق اقصي درجات الرفاهية لشعبي البلدين الشقيقين" ، او شيئ من هذا القبيل. والجملة الواردة  نفسها بها استفزاز للاخوة الجنوبيين كما نستثار نحن كسودانيين عندما يشير الاخوة المصريين الي استعادة الوحدة مع السودان بعد ان اختار السودانيون طريقهم.  وعلماً بأهمية العلاقة بجنوب السودان وإستراتيجيتها بما يجعلها من أهم علاقات السودان الخارجية فان النص المذكور تفادي الوضوح حول القضايا العالقة ومعالجات  الوساطة الإفريقية وربما أهمها موضوع ابيي فأين يقف الميثاق والقوى الموقعة عليه؟ أو ماهي الحلول التي يقترحها؟ الغموض هنا محسوب على القوى الموقعة وليس لها ، لأن الميثاق قد تناول في متنه تفاصيل أقل اهمية .  

13.    الميثاق يشير إلى إقرار مبدأ الوحدة الطوعية لجميع أقاليم السودان أي تقرير المصير لكل من أراد ، كبند للمؤتمر الدستوري . وربما هذا البند من اخطر ما أتى به الميثاق ، لأنه لم يؤمن علي وحدة السودان وفي وقت  لم يرد فيه  حتى الآن ، و في جميع أدبيات الحركات المسلحة أنها تطالب بتقرير المصير لأي من الأقاليم التي تحارب من اجلها. وعلى سبيل المثال فإن حركات دارفور قد أشارت في أكثر من موقع إلى أن دارفور هي في كل السودان فكيف تطالب هي بتقرير المصير. فمن أين جاء هذا البند؟ و حتي في حالة جبال النوبة والنيل الازرق فان هذا طرح جديد و الخلاف حوله لاشك سيكون كبيرا، وعليه فقد كان الاوفق ، (دليل اخر علي الاستعجال) ، ان يترك لوقته سواء كان المؤتمر الدستوري نفسه او اي وقت اخر. وينطبق الامر  ذاته علي مقترح التقسيم الفدرالي للسودان ، وكان الاوفق ان يكون المقترح اما بالعودة الي الاقاليم القديمة كماهي او بالولايات الموجودة حاليا كما هي ويترك القرار النهائي للمؤتمر الدستوري او بالوسائل الديمقراطية ، لان فرض الامر بظلاله الحالية سيؤدي في الغالب الي حرب أهلية جديدة.

14.    في مجال  الاقتصاد والتنمية والخدمات فان محتويات برنامج الفترة الانتقالية يصعب أو ربما يستحيل تنفيذها ، ليس فقط في اربعة سنوات وانما حتي في فترة اطول بكثير، وهي تفاصيل أغرقت البرنامج في وعود  لا يمكن الايفاء بها وشبيهة  بوعود الانتخابات التي لا يتذكرها اصحابها بعد الفوز (انظر مثلا اعادة تأهيل مشروع الجزيرة والسكة حديد والنقل النهري والموانئ البحرية والخطوط الجوية الخ ، التعليم  العام اجباري ومجاني ، ضمان تمويل التعليم العالي باتباع نظام التسليف الفردي ، مجانية الرعاية  الصحية الاولية ...الخ) . كل هذا في فترة وجيزة و بموارد الدولة الحالية  وهي  ، مهما زادت بتخفيض منصرفات الحكومة ، ستظل شحيحة (ومجابدة في كل الاتجاهات) علما بأن استرداد الاموال المنهوبة ليس بالامر السهل والانقاذ قد عمقت جحورها و أدخلت اي درب يؤدي اليها في الموية ، فهي قد استفادت من تجربة محاكمات مايو ولاتظنن انها غافلة ، وكلو رهين بكيفية التغيير. كان الاكتفاء بخطوط عريضة  للبرنامج افضل و اقرب للتصديق وقبول العذر اذا لم يتم التنفيذ. ربما يقول الموقعون علي الوثيقة ان هذا كلام اكاديميين - وهو صحيح- و لكن هناك مشاكل حقيقية ستقابل اي رجل دولة ومن المهم اخذ ذلك في الاعتبار.
15.      الغائب الاكبر في بنود ميثاق "الفجر الجديد"  في تقديري كان اعادة هيكلة السلطة في الفترة الانتقالية وربما الدورة الاولي من الديمقراطية التي تليها.  كل السياسة وكل الحروب هي وسائل للوصول للسلطة و قد حرمت الاقاليم الطرفية منها منذ الاسقلال (اكثر من نصف قرن) ، اذ لم يكن منها رئيس جمهورية او رئيس وزراء او حتي وزير سيادي الا مؤخرا جدا وهذا هو التهميش في اقسي صوره. كما يري اهل هذه الاقاليم ان إقصاءهم قد تم من كل المناصب القيادية في الدولة عن قصد خاصة في الفترة الخيرة. والطبيعي ان تتاح الفرصة في وقت من الاوقات لاحد المنتمين لهذه الاقاليم و من غير منسوبي العنصر العربي ما امكن  ليقود السودان ، وليس من وقت انسب  من اول فترة قادمة.  و يقيني ان ذالك سيزيل كثيرا من الاحتقان السياسي والاجتماعي وسيسهل الاتفاق علي كثير من الاجندة المطرحة للتداول. كان سيكون للميثاق مساهمة عظمي وتاريخية لو تمكن من انتزاع مثل هذا الوعد من سياسيي المركز و هو ما كان سيضع الجميع امام مسئولياتهم ويضع مصداقيتهم علي المحك خاصة الاحزاب الكبيرة التي تعتمدعلي مواطني هذه الاقاليم في فوزها بالانتخابات. فهل يلتزم كل من حزب الامة والاتحادي الديمقراطي و المؤتمر الشعبي بترشيح احد منتسبيه من هذه الاقاليم للرئاسة في اول انتخابات قادمة؟ (حتي الحركة الشعبية لم تقم بهذا في الانتخابات المضروبة الاخيرة). ثم هل يقوم المؤتمر الوطني بذلك في الانتخابات القادمة التي يهدد بها احزاب المعارضة؟

16.      لا ادري لماذا  لم يكتفي الميثاق في موضوع علاقة الدين بالدولة بنص مثل "اقامة دولة مدنية ديمقراطية...الخ"  وهو ما ظلت تردده كثير من قوي الاجماع الوطني في الفترة الماضية ، وهو نص فضفاض يتيح لكل الاطراف فرصة للتفسير والمخارجة حتي حين. لكن من حسنات الصياغة الواردة انها اخرجت الهواء الساخن حول هذا الموضوع الحساس من الجميع خاصة احزاب المعارضة ذات المرجعية  الدينية ، الامة والمؤتمر الشعبي. فالامة قال بالتوفيق بين" تطلعات المؤمنين والمساواة في المواطنة"، اما الشعبي فقال ان مرجعيته هي الكتاب والسنة ، (اما الجناح الطلابي فيه فقال ان المؤتمر الشعبي كيان شعبي مؤصل علي الدين" . وكما لا يخفي فان التعبيرين الاولين هما تعبيران مطاطان و بهما من لولوة السياسة الكثير، لكن ذلك في نفس الوقت يتيح فرصة تاريخية للاتفاق علي نص مقبول في الدستور القادم او فهم واضح لمعني دولة مدنية ديقراطية . وهنا تتاح الفرصة للوسطية الاسلامية ان تجد مخرجا للسودان من ظلم الانقاذ باسم الدين من ناحية ومن هوس المكفرين من الناحية الاخري. وعلي سبيل المثال فقد كتب الدكتور يوسف الكودة قبل عدة ايام (السوداني 8 يناير 2013) مقالا موزونا يري فيه ان الدولة المدنية ليست ضد الدين ، اذ يقول (نحن نري بان الاسلام دولة مدنية ذات مرجعية اسلامية طالما ان الدولة المدنية هي دولة الحريات والمساواة والمواطنة والتداول السلمي للسلطة عبر اليات الديمقراطية المعروفة من انتخابات وبرلمانات واحترام لراي الاغلبية. كما ان الاسلام ليس دولة دينية كما هو معروف عند كثير من اهل الملل والمذاهب الاخري) .

17.     بالمقابل فان التحوي من قبل المؤتمر الشعبي وراء تعابير مثل "الكتاب والسنة" هو في رأي تلاعب واستخفاف لايجوز بعقولنا كمسلمين خاصة بعد تجربة الانقاذ ، إذ اتضح ان هنالك اختلافات كبيرة حول التفسير والتطبيق . نريد فقط ان نعرف ما الذي يعنيه ذلك عمليا؟ وماهي الصيغ او التصور الذي يراه الشيخ لحكم دولة يري انها لا تخالف الكتاب والسنة وفي نفس الوقت لا تكرر نسخة جديدة من الانقاذ علي رأسها الترابي نفسه ، مدعوما من الانقاذيين الذين تحولوا من مركب الوطني الغارقة الي مركب الشعبي المزاحمة علي السلطة والتي تلبي "اشواق الاسلاميين" (وكلو حركة اسلامية) .  و من المهم في هذا المجال ان نسأل هل  يسمح بقيام احزاب دينية ؟ و هل سيكون هناك تجريم لكل من يسئ او يكفر شخصا او حزبا يختلف معه في الرأي أم لا؟ وهل سيسمح بالتداول السلمي للسلطة اذا صوت غالبية الناخبين لحزب ذو برنامج علماني مثلا أم يكفر؟ و ما هي القوانين التي ستحكم السودان؟  و هل سيكون هنالك قانون نظام عام وانتهاك لحرمات الناس؟  

18.      من ناحية اخري سيكون جميلا من السيد الامام وهو من كبار الوسطيين في العالم الاسلامي- ولا يستطيع احد ان يزايد عليه من المكفرين الجدد-  لو اقترح لنا نصا اواكثر يوافق بين " تطلعات المؤمنين والمساواة في الموطنة" كما جاء في بيان حزب الامة ، حتي يجنب السودان- باجتهاده -
الخلاف والشقاق ويكون بذلك قد اسهم اسهاما تاريخا في التطورالدستوري للبلاد.

19.    و اخيرا الوسائل. فقبل التوقيع اجازت مكونات الاجماع الوطني العمل علي اسقاط النظام بالوسائل السلمية ، وفي نفس الوقت  لم تعترض علي استخدام الجبهة الثورية للعنف لسبب بسيط هو انها لا تملك حق الاعتراض عل ذلك.  فلماذا اذا لم يقل الموقعون علي الميثاق انهم متفقون علي اسقاط النظام "كل بوسائله" ، خاصة وليست لاي من قوي الاجماع علاقة بالعمل المسلح ، بدلا من الصيغة الملتبسة التي يحاول المؤتمر الوطني استغلالها لتجريمهم.

صديق امبده
14 /1/2013

Siddig Umbadda [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]