عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الصحفيـة والمحاورة الذكية سمية سيد أجرت حواراً مطولاً مع السيد عبد الرحيم حمدي حول ورقته التي يرى فيها تركيز الاستثمار في محور دنقلا- سنار- كردفان كاستراتيجية لاستمرارية حزبه (حزب المؤتمر الوطني) في الحكم وذلك في صحيفة الرأي العام في عدديها بتاريخ 23-24 أكتوبر الماضي.

خلاصــة الحوار أن السيد حمدي مقتنع بما ورد في الورقة المذكورة إذ يقول " لا تفتكروا أنني كتبت هذه الورقة بلا تفكير وهذه الورقة ليس لدي أي اعتذار عنها. " وقد رأيتُ كما رأى كثيرون غيري أنها تشعل فتيل العنصرية وتوقظ فتنة نائمة أو أعادها العالم إلى النوم مرة أخرى بالمساعدة في إبرام اتفاقية السلام الأخيرة. هو مقتنع ولا يود الاعتذار للشعب السوداني عمّا جاء فيها مما اعتبره كثيرون إساءة شخصية لهم وللوطن علماً بأن أغلب الذين عبّروا عن آرائهم المناوئة لرأي السيد حمدي ليسوا من أهل الهامش. فقط هم مسكونون بحب الوطن ومحافظون على الوصية (جدودنا زمان وصونا على الوطن).

خلال الأسابيع الماضية أوضح محللون سياسيون كثر خطورة دعوة السيد حمدي على مستقبل وحدة السودان والطريق الزلق الذي يُريد أن يسوقنا إليه - علماً بأن حزبه للأسف لم يُنكر عليه ذلك حتى الآن - وآمل أن يفعل. في هذا التعليق على المقابلة المذكورة أود أن أُبرز- من بين أشياء أخرى- الوجه المظلم و المخادع في تناول السيد حمدي لهذه القضية ومحاولته إيهام الناس بأن التركيز على محور الشمال هو بسبب عدم الاستقرار في المناطق الأخرى في حين أن الورقة ذات مقاصد واضحة، وهي كسب الانتخابات القادمة واستمرار الحزب في الحكم باستغلال آليات الدولة ومواردها ومعارف وزرائها وكل ما يقع تحت يد الحزب الباطشة.لي عشر ملاحظات على المقابلة:

أولاً:        لنقرأ معاً مقتطفات من الحوار الذي أُجري مع السيد حمدي – بعد حذف الاستطرادات والشروح:
"
    هل تمّت أي مراجعة للأوراق قبل طرحها أمام المؤتمر من قِبل أجهزة الحزب؟
-    لا أعلم.
    هل تبنَّى الحزب هذه الورقة؟
-    لا أعرف.
     محورك نفسه دعوة لانفصال الجنوب وتحريض لانفصال دارفور والشرق؟
-    الورقة لم تدعو للانفصال.
    لكنك حددت محوراً سياسياً يُعبِّر عن الجزء العربي الإسلامي من السودان؟
-    نعم وهذا محدد من مئات السنين.
    لكنك استبعدت أجزاء أساسية من السودان وهي ذاتها مناطق إسلامية؟
-    زي شنو؟
    الغرب والشرق؟
-    أنا لم استقطع تلك الأجزاء.
    إذن لماذا ركَّزت فقط على هذا المحور رغم أن تلك المناطق هي الأفقر وهي المحتاجة إلى توجيه الاستثمار؟
-    لأن العالم عمل تسوية سياسية وحدد أموالاً كثيرة تذهب إلى المناطق الأخرى وما حيجيب حاجة إلى هذا المحور.
    إذن أنت تريد أن تستفيد من علاقاتك مع الحكومة لمصلحة الحزب؟
-    ما لا بد أن يحدث توازن. ونحن هسع في الحكومة دي تنازلنا حتى أصبح التوازن لصالح الجماعة الآخرين.
    أي جماعة تقصد؟
-    الجنوب والغرب.... " والآن وزارة المالية مفلسة لأن كل الأموال تذهب إلى الجنوب ودارفور" (لاحظ مفاوضات أبوجا ما زالت مستمرة).
    لكن هذا التوصيف ظهر في الورقة وكأنه توصيف جهوي عنصري؟
-    طبعاً هذا غير صحيح فالشمال نفسه غير عنصري لأن الجنوبيين الآن في الشمال قوة كاسحة.
    لكن ألا ترى من العيب جداً أن يوظِّف الحزب الحاكم علاقته التي اكتسبها وهو في الحكم لمصالحه الحزبية؟
-    لا أبداً هذا ليس عيباً. هذه هي السذاجة السياسية...إذا أردت أن تكسب في الانتخابات لابد أن تشتغل بآليات الدولة.
    إذن أردت استبعاد المناطق المهمَّشة من حملتك الانتخابية؟
-    إذا توفر استقرار لن استبعدها...فممكن مثلاً أن أذهب إلى جبال النوبة وأقول ليهم نحن جبنا ليكم السلام؟
    يعني كلام؟
-    نعم كلام
    يعني دون أن تصرف مالاً هناك؟
-    نعم
    لكنك تزيد من حجم النازحين إلى الخرطوم لتتحول هي نفسها إلى بؤرة صراع؟
-    ما في شك
    هل نزيد من المناطق المهمَّشة لصالح المركز؟
-    أيوه.. "

هــذه المقتطفات والتي هي أشبه ما تكون بفصل من مسرحيات اللامعقول هي فعلاً من المقابلة. وهي مما لا يتخيله المواطن العادي الذي كان هذا الشخص يوماً ما مسئولاً عن رفاهيته لأن وزارة المالية هي القيِّم على إدارة المال العام والمعنية بتخفيف عبء المعيشة والغلاء على المواطن وبتوفير المال للخدمات على أُسس ليس من بينها كسب الانتخابات. المواطنون والأقاليم عند المالية والتخطيط سواسية إلا بأولوية الاحتياجات أو هكذا يجب أن يكونوا. إن ما يقول به السيد حمدي كله لا يدخل إلا من باب الصفاقة السياسية، وإلا فكيف يمكن أن نفسِّر أقوالاً مثل (نحن هسع تنازلنا حتى أصبح التوازن لصالح الجماعة الآخرين) و (الآن وزارة المالية مفلسة لأن كل الأموال تذهب للجنوب ودارفور). الحكومة تصرف على الأجهزة العسكرية والأمنية في منطقة حرب وهذا يعني أن الأموال كلها تذهب إلى دارفور! الذي يقال كتعليق في مثل هذا لا يُكتب.

ثانياً: قال السيد حمدي أنه لا ينوي الاعتذار عمَّا جاء في الورقة الأصلية لأنه قال بتوفر شرط الاستقرار وكرر ذلك عدة مرات بجمل متشابهة كانت إحداها كما يلي: " أن الورقة دعت إلى تركيز الاستثمار في محور دنقلا – سنار- كردفان وإذا توفر شرط الاستقرار السياسي يمتد الاستثمار في الشرق وإلى دارفور وإلى الجنوب..  الكلام ده واضح جداً في الورقة ولا غير واضح ".

طبعاً غير واضح وغير صحيح. الحساب ولد. الورقة الأصلية لم يذكر فيها السيد حمدي شرط الاستقرار السياسي ولا مرة واحدة بالفهم الذي ورد هنا. النص الوحيد الذي ورد بالورقة الأصلية هو كالتالي: " ثالثاً: ما هو الاستثمار الذي نريده. في أي مكان أو موقع من القطر؟ لعل الإجابة أصبحت واضحة بالضرورة: يجب أن ندعو ونعمل لتركيز الاستثمار الداخلي والخارجي في: أولاً المحور الشمالي (سنار- دنقلا- كردفان): (ثانياً) يمكن أن نوجِّه بعض الاستثمارات لبعض المناطق الأخرى – شرق السودان إذا توفر الاستقرار السياسي ودارفور إذا توفرت نفس الشروط وأيضاً مناطق الجنوب). انتهي النص.

القصــد واضح كما أكد هو نفسه. حتى في حالة الاستقرار السياسي فالأصل هو التركيز على المحور ويمكن (وهو تفضُّل من السيد حمدي) إذا رأى هو وأمثاله ذلك أن يوجهوا بعض الاستثمارات لبعض هذه المناطق. إصرار السيد حمدي على أنه قال بتوفر شرط الاستقرار كما هو واضح لا يرتكز على أي نص صريح ولا لبس فيه ورد في الورقة الأصلية و إصراره على ذلك هو ادعاء، إن لم يدخل في باب الغش أو الخداع فهو قطعاً يدخل في باب اللجاجة المفضية بصاحبها إلى كليهما.

لـو أراد السيد حمدي فعلاً التأكيد على شرط الاستقرار السياسي لكان أورده في الفرضيات (وهي أكثر من ستة) أو أورده في سياق واضح. لكن ذلك لم يكن ممكناً أصلاً لأن فكرة الورقة أساساً قائمة على فكرة التركيز على المحور،  " إذا أردنا أن نكسب أهل هذا المحور لمشروعنا السياسي" ولأن ذلك " يصب في مصلحة السودان المحوري ومصلحتنا " ولأن الغرض هو كسب الانتخابات  " لأن مستقبل السودان ستحدده الانتخابات القادمة ". والأدلة كثيرة على الفكرة الرئيسية للورقة واستثنائها للشرق ودارفور. فعلى سبيل المثال يقول السيد حمدي في المقابلة " إذا طلب مني الصادق المهدي أن أدير له حملة انتخابية لن أنصحه أن يركِّز على دارفور لأنها خرجت من يده ومن يد الجبهة ومن كل أحزاب الشمال ".  هذا النص في ذات المقابلة فلماذا يحاول السيد حمدي إيهام الناس بشئ لم يقصده؟ المثل العربي يقول: إذا كنت كذوباً فكن ذكوراً. ومن الأوفق أن يتحاشى الشخص العام ما يقرِّبه من ذلك.

ثالثاً: يقول السيد حمدي في المقابلة " أنا أتحدث عن الاستثمار والحملة الانتخابية ليست كلها استثماراً.فيمكن مثلاً أذهب إلى جبال النوبة أقول ليهم نحن جبنا ليكم السلام.
    يعني كلام؟
-    نعم كلام.
    يعني أن لا تصرِف مالاً هناك؟
-     نعم. أنا كُلِّفت كيف نستغل الاستثمار لنخوض به الحملة الانتخابية وشخص آخر كُلِّف كيف يستغل السياسة لخدمة هذه الحملة فهذا الشخص سيركِّز فقط على إنجاز السلام. هذه استراتيجية".

بئس الاستراتيجية. يريد السيد حمدي أن يبيع السوميت والمرايا لأهالي جبال النوبة ويكسب أصواتهم ويؤكد ذلك في الرد على سؤال الأستاذة سمية الاستنكاري (يعني كلام؟ نعم كلام). كل القضية بالنسبة للسيد حمدي غش وكسب أصوات. الذين يفهمون ويطالبون بالخدمات (وهم مسلمون وعرب في المحور المتجانس) لهم الاستثمار. ولغيرهم من الذين لا حظَّ لهم من التعليم، الكلام المعسول والوعود لكسب أصواتهم. لكن هل الغاية تبرر الوسيلة في المشروع الحضاري؟ في الأصل لا أعتقد. لكن السيد حمدي يرى غير ذلك.

رابعـاً: يقول السيد حمدي في ردِّه على تجانس محور الشمال كمنطقة عربية إسلامية يقول " أيوه المنطقة العربية الإسلامية. وأنا أتحدث عن الاستثمار فقط وأنا أعلم أن أهل درافور مسلمون أكثر مننا مائة في المائة (100%) صاح ولا ما صاح ".

الحمد لله الذي هدى السيد حمدي لأن يعترف لدارفور ببعض الفضل ولأن أهل درافور مسلمون أكثر منه (هو يقول مننا ولا أدري عمَّا إذا كان يقصد ناس الحزب). إذاً يا سيد حمدي - والاعتراف سيد الأدلة- لماذا يتم استثناؤهم واستبعادهم من المحور؟ هل لأنهم خرجوا من يد الجبهة كما تعتقد؟ (علماً بأن ذلك ليس صحيحاً لأن أروقة المؤتمر الوطني تمتلئ بالعديد من أهل دارفور) وهل خروجهم من الجبهة خروج من المِلَّة؟. إن لم يدخل هذا في باب العنصرية وإن لم تكن هي العنصرية عارية فماذا تكون؟ وهل ستقنعهم بأنك اشترطت الاستقرار السياسي؟ وهل يبرأ جرح الكلام؟

خامسـاً:  في ردِّه على السؤال هل نزيد من المناطق المهمَّشة لصالح المركز؟ يقول السيد حمدي " أيوه. وهذه كانت إحدى نظريات البنك الدولي التي كنّا شغالين بيها. وبعد مجهود كبير بدأ البنك الدولي يغير في هذه النظرية. بدأنا نسمع عن مشروعات في هبيلا وجبال النوبة وساق النعام فهذه تسأل عنها النخب السابقة ويسأل عنها الوزراء أبناء تلك المناطق لماذا لم يعملوا تنمية في بلادهم؟ ".(لاحظ قال في بلادهم ولم يقل في مناطقهم).

طبعاً هذا يدخل في باب العيب. نزيد من المناطق المهمَّشة لصالح المركز وهذه كانت إحدى نظريات البنك الدولي التي كنّا شغالين بيها. عيب يا سيد حمدي. أولاً البنك الدولي ليس له نظرية بهذا الشكل. ثانياً: البنك الدولي يتعامل مع الدول الأعضاء فيه ببرامج استثمار يتم الاتفاق حولها مع حكومات الدول الأعضاء وبالتحديد وزارات المالية. والبداية هي أن تعد الأقسام والإدارات في البنك والتي يقع السودان مثلاً تحت مسئوليتها استراتيجية مدَّتها ثلاث سنوات تسمى (حالياً) كاس              (Country Assessment Strategy) وتناقش هذه الورقة مع الدولة العضو ومن ثمَّ تُقدَّم لتُجاز بواسطة مجلس إدارة البنك وتصبح نافذة المفعول ويتم التمويل في إطارها.

ثالثاً: البنك الدولي يقدِّم قروضاً وإعانات/ منح. والقروض هي إما قروض تجارية أو ميسَّرة وفي حالة الدول الفقيرة مثل السودان فإن غالبية مشاريع البنك الدولي فيه قد تمَّ تمويلها بقروض ميسَّرة تُسدَّد على مدى أربعين عاماً زائداً عشر سنوات سماح وبفائدة أقل من واحد في المائة. وهنالك نوع آخر من التمويل هو لبرامج السياسات الاقتصادية كبرامج التكييف الهيكلي، ولكن تلك قصة أخرى. المهم في الأمر أن البنك الدولي وكل مؤسسات التمويل الدولية والإقليمية لا تموِّل مشروعاً واحداً في الدولة إلا إذا أفصحت الدولة عن طريق وزارة المالية بأن المشروع يمثِّل أسبقية في أولويات خطة التنمية في الدولة. أي أن البنك الدولي لا يُجبر الدولة على أي سياسة تهميش أو غيرها وأن القلم في يد الوزير أو الوزارة تنّمي من تشاء وتهمل من تشاء. (يا سيد حمدي ألم تكن هنالك الخطة العشرية في عهد عبود والخطة الخمسية في أول مايو والخطة الستية في منتصف السبعينيات وألم تكن هنالك أيضاُ خطط تنمية في عهد الإنقاذ حتى لو كانت على الورق فقط؟)

دعنــا نذكر أنه خلال الفترة (1958-2003) حصل السودان على نحو 13.4 مليار دولار في شكل قروض و منح موّلت نحو 632 مشروعاً ودراسة. وقد كانت مصادر هذا التمويل المؤسسات الدولية والإقليمية والدول الصديقة. كان نصيب دارفور من كل هذا نحو 275 مليون دولار أي حوالي (2%) (اثنين في المائة) من إجمالي التمويل. فمن الذي همّش دارفور والريف السوداني عموماً؟ كما سلف القول فإن المؤسسات والدول تموِّل المشاريع وفق الأسبقيات التي يُقدِّمها لهم المسئولون الاقتصاديون في الدولة وبالتالي فإن التهميش و التنمية غير المتوازنة قد نتجت بفعل فاعل محلي. بقصر نظر وسوء تخطيط واختلال أسبقيات – بقصد أو بغير قصد.السيـد حمدي يعلم أن الدول والشعوب لا تكون فقيرة لأنها فقيرة بل تكون كذلك لفقر السياسات الاقتصادية ولقصر نظر المسئولين أو فسادهم.

البنك الدولي - مهما اختلفنا معه- لا يصح أن نجعله -على سبيل التضليل- شماعة لإخفاقات المسئولين. وهو كمؤسسة، على قدر عال من المهنية وحسب علمي ليس له نظرية تزيد من المناطق المهمشة لصالح المركز (وبعد مجهود كبير بدأ البنك الدولي يغير في هذه النظرية). ومن صاحب هذا المجهود الكبير إن شاء الله؟ هل هو الوزير الهمام؟

سادساً:   يقول السيد حمدي " في مؤتمر 95 في أسمرا قرر الجنوبيون مبدأ الانفصال والحكومة رفضته في ذلك الوقت وقبلت هذا المبدأ مؤخراً؛ وهو وضعته أصلاً القوى السياسية والأحزاب وهي اليسار والحركة الشعبية والقوى الأخرى وهي التي أقرَّت الانفصال كخيار ووضعته كمطلب للحكومة والحكومة وافقت عليه مؤخراً ".

هضربة أم رد على سؤال؟  وما الذي وافقت عليه الحكومة مؤخراً؟ اتفاقية السلام أم شئ آخر؟ إذا كان السيد حمدي لا يدري ما الفرق بين حق تقرير المصير والانفصال فتلك مصيبة. وإذا كان يريد تزوير التاريخ فتلك جريمة. أما إذا كان يقصد حق تقرير المصير ولكنه صحَّف فذكر الانفصال فلأن كل إناء بما فيه ينضح. على الأرجح لم يطلع السيد حمدي على مقررات مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية – وليس في ذلك ما يعيب وهو الوزير آنذاك - ولكن تكوين المؤتمر المذكور معروف لرجل الشارع وللناشط السياسي وقد شاركت فيه كل القوى السياسية الأساسية في السودان ما عدا الجبهة الإسلامية، فهل يريد السيد حمدي اتهام اليسار والحركة الشعبية أم تهميش أحزاب الحركة الوطنية، الأمة والاتحادي وهي القوى الرئيسية في آخر برلمان منتخب وفي المؤتمر المذكور؟ شيء محيِّر فعلاً ولا أعتقد أن السيد حمدي يتمتع بذاكرة ضعيفة إلى هذا الحد، تخلط المفاهيم وتنسى كبار المشاركين ويختلط عليها حابل الانفصال بنابل حق تقرير المصير. إذا أحسنّا الظن نقول أن كل هذا مقصود به خلط الأمور على الجيل الجديد وعلى غير المتعلمين والمتابعين وهي استراتيجية تواتَر إتّباعها في السنوات الأخيرة. ولكن الأرجح عندي أن السيد حمدي فعلاً لا يعير موضوع الاطلاع والمعرفة والدقة كبير اهتمام وهو ما يتضح من عدد كبير من الإجابات على أسئلة الأستاذة سمية.

سابعاً:  على ذكر استراتيجية السيد حمدي ومحور الشمال فقــد جاء في صحيفة الرأي العام بتاريخ 27 أكتوبر الماضي الخبر التالي: أعلنت الولاية الشمالية عن بداية العمل في سفلتة 570 كيلومتراً في قطاعي الدبة - دنقلا 120 كيلو، ودنقلا وادي حلفا 450 كيلو بتكلفة 254 مليون دولار. وأكدت محلية دنقلا عن انطلاقة العمل في كبري دنقلا السليم في مطلع العام القادم بتكلفة 10 مليون دولار تنفذه شركة دانفوديو. وأوضح معتمد دنقلا بأن العمل تنفذه 3 شركات هي مام للطرق والجسور ودانفوديو وشركة زادنا. وكشف عن مشروعات تنموية وصفها بأنها حيوية تبدأ انطلاقة تنفيذها خلال الأشهر القليلة القادمة ".

سعدتُ كثيراً بالخبر لأنه يُشير إلى خطوات تنمية حقيقية لمواطنين عانوا ولازالوا يعانون من صعوبة المواصلات وغيرها في المنطقة المذكورة وأتمنى أن تنفذ الطرق المذكورة على أكمل وجه.

لكنني كنت سأسعد أكثر لو تزامن هذا المجهود مع خطوات تنفيذ طريق الإنقاذ الغربي لأن جزءاً كبيراً منه لا يزال في مناطق آمنة في كردفان علماً بأن طريق الإنقاذ الغربي يبلغ طوله حتى الفاشر حوالي 597 كيلومتر وتقدّر تكلفته بنحو 240 مليون دولار شارك فيها مواطنو الولايات الخمس التي يمر بها في كردفان و درافور بنصف حصتهم من السكر في العام والتي قُدِّرت حينها بحوالي 40 مليون دولار في العام، وعلماً بأن مصير ميزانية الطريق ومساهمات المواطنين ختم عليه بالقول (خلوها مستورة) إلى حين.

في تقديري الحساسية السياسية - وليس العدالة - كانت تقضي مثل هذا الإجراء. أولاً لإقناع أهل كردفان ودرافور بأنهم لم يسقطوا من سلم أولويات الحكومة خاصّةً بعد أن رفع بعض مواطني دارفور السلاح في وجه الحكومة، وثانياً درءاً للشبهات من أن استراتيجية السيد حمدي لا تسير على قدم وساق من قبل نشر الورقة و منذ زمن.

السؤال قائم. لماذا يتم التصرُّف بهذا الشكل؟ هل الكتابة على الحائط ولا نريد أن نصدق؟ هل الاستراتيجية يجري تنفيذها فعلاً لأن دارفور خرجت من يد الجبهة كما يعتقد السيد حمدي؟ نحن نفتح أبواب المبررات ليفتح الله على السيد حمدي وحزبه بكلمة في طمأنتنا بأن السودان كله ما زال في منطقة عين الرضا وتهتم به الحكومة. وإذا ما خرجت بعض أجزائه على المؤتمر الوطني فمقام الحفاظ على وحدة الوطن أعلى مرتبة من مقام الزعل الحزبي.

ثامناً: إن من واجبنا أن ندعو الحكومة وحزب المؤتمر الوطني ألا يستمعا إلى نصائح واستراتيجيات السيد حمدي وأمثاله فهؤلاء في ظني لم ينفعهم علم ولم يرشدهم تعليم، ولحكمة يعلمها الله حُرموا من البصيرة النافذة التي تعي أهمية الوطن والحفاظ عليه كلَّه وليس بعضه، كله وليس قصقصة أطرافه في أول منعطف بسبب إخفاق مشروع حزبي أثار من الفرقة أكثر مما أثار من الإجماع.

دعـــوة السيد حمدي إلى استقلال الدولة وآلياتها لتحقيق مصالح الحزب في الانتخابات هي دعوة قاصرة لأنها تحوِّل السودان في عهد الإنقاذ من تصنيف البعض له بالدولة الرخوة والدولة الفاشلة (كما جاء في إحدى المطبوعات الحديثة) وتنزل به إلى مصاف الدولة العصابية      (كليبتوكراسي Kleptocracy) (من العصبة أو العصابة) حيث تتحول الموارد وتتجول الأيدي بين جيب الحكومة اليمين وجيب الحزب الحاكم الشمال دون موانع وربما بتنسيق وتخطيط.فهل هذا ما يقصده السيد حمدي؟
نصائــح واستراتيجيات السيد حمدي وأمثاله والشطط في التمكين خلال السنوات الماضية أدي بالإنقاذ – رغم وجود عدد كبير من المؤهلين فيها وفي غيرها – أدى بها إلى أن ترمينا بمسئولين أقل من قامة الوزارات والمصالح والوحدات التي أوكلوا بها، وذلك حتى بعد أن ابتدعت التوالي السياسي وتحزَّمت بأطراف ثياب الأحزاب الكبيرة وتشظياتها. والنتيجة هو ما نُشِر في الصحف مؤخراً من أن مؤسسة الشفافية الدولية قد صنَّفت السودان في مرتبة الدولة الأكثر فساداً في الدول العربية. (صحي البِلْدي المِحَن لا بد يلولي صغارهن).

لقـد شرب السيد حمدي من حوض السلطة سنين عددا والسلطة هي واحدة من الغوايات التي لا تقاوم ولذا فربما هو يعمل جهده ليبقى الحزب في السلطة. وأتمنى أن لا ينطبق عليه قول الشاعر صلاح أحمد إبراهيم (رب من يشرب من بحر الغوايات ظمِى...والذي يملك عينين ولا لُبٍ عمِى).  

تاسعاً:    هنالك بعض الإجابات والاستطرادات في المقابلة أترك التعليق عليها لفطنة القارئ:
1.    " يسأل منها الوزراء أبناء تلك المناطق لماذا لم يعملوا تنمية في بلادهم".
2.    (أ)   - إذن هل تعتقد أن استراتيجية الاستثمار في محور غير دنقلا- سنار-   كردفان شيء غير مجد؟
-    أنا لم أقل غير مجد.....أنا أتحدث عن آلية محددة وتركيز حغرافي   محدد والمحور ليس عنصرياً ولا جهوياً وإنما هو محور فكري وهو المحور المصاغ بالنسبة لي وهو جاهز"
(ب)  -  ما العلاقة بين محور الشمال ومنبر الشمال؟
-      ليست هناك أي علاقة والمحور كما ذكرت "محور جغرافي وليس فكري".
3.    " وهي ورقة قدمت عبرها رؤيتي بالشكل الذي لا يجعل الحزب يخذل قواعده وهم كانوا مُضَايقين خلال 16 عاماً".
4.    " الآن وزارة المالية مفلسة وكل الأموال تذهب للجنوب ودارفور".

عاشراً:  قال الشاعر (جِنِّي وجِن الكلام البقولو كلّو).


د. صديق أمبده
9/11/2005