1.    مفوضيــة تخصيــص ومراقبة الإيـــرادات: بدايــــة "ملكلكـــــة"

في الأسبوع الأخير من يوليو الماضي تمَّ إعفاء السيد/ إبراهيم منعم منصور وزير المالية الأسبق ورجل الدولة المعروف من منصبه كرئيس لمفوضية تخصيص ومراقبة الإيرادات، وهي مفوضية قومية نصَّت عليها أولاً اتفاقية نيفاشا ثم تمَّ تضمينها في الدستور الانتقالي (2006) ثم تمَّ التأكيد عليها في اتفاقيتي أبوجا والشرق.

وإذا كان للنظام الفدرالي ساقين يقوم عليهما فهما فدرالية سياسة تُعنى بتقاسم السلطة، وفدرالية مالية تُعنى بالتوزيع العادل للموارد. والفدرالية المالية- أي الاقتسام العادل للثروة كتعريف متفق عليه في أدبيات الحرب والسلام في السودان- هي مطلب أساسي من مطالب حاملي السلاح، وكذلك الصامتين من المهمَّشين في كل أنحاء السودان. وأحد مقتضيات العدالة هو أن تكون هنالك شفافية في توزيع جميع الإيرادات على أسس معلومة يرتضيها الجميع وهو ما تقوم به وقامت به المفوضية في عام إبراهيم منعم حيث أصبحت الولايات لأول مرة في تاريخها تعلم مقدماً أنصبتها من الإيرادات. (والشفافية دي هو الشيء المجنٍّن بوبي).

(لمن فاتهم الاستماع)، فإن المادة (198) من الدستور الانتقالي تنص على إنشاء مفوضية تخصيص وتوزيع الإيرادات. وتحوّطاً من لولوة الحكومة ( تقرأ المؤتمر الوطني) تمَّ النص في المواد 120-123 من اتفاقية سلام دارفور على حيدة المفوضية وعلى تعيين أعضاء الفريق الفني لتحديد المعايير والأسس العادلة لتوزيع الإيرادات بواسطة رئيس الجمهورية بعد موافقة المجلس التشريعي عليهم- حتى لا تنفرد أي جهة بإعفائهم. أما رئيس المفوضية فقد جاء في المادة (123) من اتفاقية أبوجا، وبعد أن نصَّت على اتفاق الطرفين على وجوب حيدة المفوضية لتقوم بمهامها بشكل فعَّال مضت لتقول، " من أجل أن تتمكًَّن المفوضية من القيام بمهامها بشكل مستمر ومستقل، يُعين رئيسها لمدَّة محدودة ولا يمكن إعفاؤه خلالها بدون أسباب".

إذا فالمتوقع حدوثه هو أن يتم إنشاء المفوضية بقانون يجيزه المجلس التشريعي ليمكِّنها من طلب المعلومات من أي جهة و يمكّنها كذلك من مقاضاة أي جهة كانت إنابة عن الولايات في أي تظلُّم، مثل عدم تسلُّم الأخيرة لمستحقاتها، أو تجنيب الإيرادات دون تفويض أو غيره. وكذلك فالمتوقَّع تعيين الرئيس وأعضاء الفريق الفني وِفق ما جاء في اتفاقية سلام دارفور والتي جاءت بعد الدستور المؤقت- الذي لم تفصَّل فيه كيفية التعيين بمثلما جاءت في أبوجا- وسيوافق ذلك روح الدستور دون شك. كذلك من المتوقَّع حل أي جهات سابقة لإنشاء المفوضية- وتقوم بمهام شبيهة- حتى لا تكون هنالك ازدواجية. هذا هو المفترض والمتوقَّع، فما الذي حدث فعلاً؟

أولاً أنشأت المفوضية بمرسوم جمهوري وليس بقانون مجاز من المجلس التشريعي. والمرسوم لا يقوم مقام القانون ويمكن أن يُلغى أو يُعدَّل بسهولة (كما حدث فعلاً بعد عام واحد). ثانياً لم يُعين فريق الخبراء الوطني الفني كما نصَّت عليه اتفاقيات السلام ولم تكن هنالك حماية لرئيس المفوضية بتعيينه لمدَّة محددة- خمسة أعوام مثلاً- ولا يُعفي إلا بسبب . وإذا لم تكن المفوضية مخنوقة مالياً فعلاً فقد كانت مواردها شحيحة تحت أحسن الفروض وحدَّت من تحركاتها في الداخل والخارج بغرض البحث عن أحسن الممارسات، حتى تجيء المعايير مراعية لتجارب الدول التي سبقتنا في مجال الحكم الفدرالي وفي نفس الوقت يتوفَّر لها القبول من المستفيدين، وهي الولايات في هذه الحالة.

ورغم كل ذلك (مرسوم جمهوري لا يمكنها من طلب المعلومات أو المقاضاة أو المراقبة اللصيقة وموارد مالية شحيحة ، ووجود على هامش اتخاذ القرار)، رغم ذلك لم يتحمَّلها الشريكان (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية) فيما يبدو، فكان من أمر إعفاء رئيسها- إبراهيم منعم- ما كان. لكن هو إبراهيم منعم ( زعَّلهم " بي شنو" ) كما يقول أهلنا الشايقية؟

الاحتمال الأكبر هو عدم تحمُّل المسئولين لما اعتبروه (مناقرة) من رئيس المفوضية. إذ أن المعلوم لمن لهم علاقة بالمفوضية أن السيد/ إبراهيم منعم قد أبدى رأيه في مسودة المرسوم الجمهوري لعام 2006 قبل إصداره ونصح بإصدار قانون يمكِّن المفوضية من أداء مهامها بصورة مرضية، كما أوضح ما أغفل المرسوم ذكره مما يشكَِّل ثغره أو ثغرات تعيق عمل المفوضية.

كذلك فإن المفوضية ورئيسها لم يسكتا على عدم التزام وزارة المالية بقانون الميزانية لعام 2007 الذي قام بتوقيعه رئيس الجمهورية، سواء كان ذلك من ناحية عدم تحويل أنصبة الولايات لها مباشرة- كما وجَّهت بذلك المفوضية- أو عدم تحويل كامل الأنصبة في مواقيتها.

المهم فيما يبدو أن الحكومة- أو المؤتمر الوطني على وجه التحديد- لم تتعوَّد أو تعتاد على مساءلة أو ملاحقة أي من مسئوليها لها حول تصرفاتها. أي أن هنالك تفاهم أو تناغم بين مسئولي الحزب الواحد حول ما يُتخذ من قرار. بمعنى أنه مهما كان مخالفاً لما اتفق عليه فيجب أن تكون هنالك حكمة ما في اتخاذه، من باب أن بعض المسئولين يرون الغابة كلها وبعضهم يرى الأشجار فقط.

2.    بيــن الماليـــة والمفوضيــــة: معاكسات أم تجاوز

تضمَّن قانون الميزانية لسنة 2007 النصوص الآتية:

•    تتولَّى وزارة المالية والاقتصاد الوطني تسليم كل مستوى من مستويات الحكم الموارد والإيرادات المخصصة له مراعية توجيهات مفوضية تخصيص ومراقبة الإيرادات المالية. (وجَّهت المفوضية الوزارة بتحويل الأنصبة للولايات مباشرة في يومي 14 و 28 من كل شهر).

•    ترفع وزارة المالية والاقتصاد الوطني لمفوضية تخصيص ومراقبة الإيرادات تقريراً مفصَّلاً حول توزيع الإيرادات كل ثلاثة أشهر.

كما تمَّ توقيع اتفاق بين رئيس المفوضية والسيد/ وزير المالية بتنظيم العلاقة بين المفوضية والوزارة واعتماد نسب التحويلات. كذلك أصدر السيد /وزير الدولة للمالية قراراً وزارياً بتكوين لجنة مشتركة لمتابعة ومراقبة التحويلات من الحساب القومي للعائدات.

لكن اتضح أن اللجنة المذكورة أعلاه تُدعى للاجتماع بعد انتهاء الشهر وبعد أن يقوم السيد/ رئيس اللجنة (وزارة المالية) بتوزيع الأنصبة. واتضح كذلك أن وزارة المالية قد تلقت توجيهات من أحد كبار مسئولي رئاسة الجمهورية بأن تحول مستحقات الولايات إلى الصندوق القومي لدعم الولايات خلافاً لتوجيهات المفوضية وفقاً للفقرة (4) من قانون الميزانية لسنة 2007 (المذكورة أعلاه).

ليس ذلك فقط بل تمَّت دعوة السادة أمناء صندوق دعم الولايات لاجتماع - وهم وزراء المالية في الولايات- وطلب منهم التنازل عن 5% من استحقاقات الولايات في عائدات القيمة المضافة و 1% من الدعم الجاري للتحويلات على أن تودع الحصيلة كاحتياطي في الصندوق. وتبلغ الحصيلة أكثر من 6000 مليون دينار في العام (2007).

بالإضافة إلى ذلك، وكما جاء في ورشة عمل الفدرالية المالية، والتي عُقدت بقاعة الصداقة في يونيو 2006، فقد حدثت تجاوزات بعدم تحويل أنصبة الولايات كاملة بصفة مستمرة خلال الشهور يناير وفبراير و مارس 2007 نتيجة لما تمّت الإشارة إليه من أن اللجنة تجتمع بعد التخصيص ولا تشرف عليه، بالإضافة إلي أن التحويلات لا تتم رأساً إلى الولايات.

3.    المفوضيـــــة تعمـــــل ولكن...

بعد صدور المرسوم الجمهوري (35) لعام 2006 وبدء أعمال المفوضية وما اتضح من صعوبات تعيق تأديتها لمهامها من ناحية عملية، دخلت  المفوضية (بما في ذلك فريقها الفني) في نقاشات مطوَّلة حول الوضع الأمثل الذي يمكِّنها من القيام بمهامها. ففي الفترة يناير- أبريل 2007 تمَّ وضع مسودة قانون للمفوضية لتستعين به الجهات المختصة إذا ما رأت أن تتقدَّم للمجلس التشريعي بمشروع قانون لها. ومما جاء في المسودة المقترحة ومبرراتها أن المفوضية لا تستطيع رفع دعوى قضائية لوحدها وأن الدستور الانتقالي نفسه في حاجة إلى تعديل لإعطاء الفدرالية المالية وضعها المقدَّم سواء بسواء مع الفدرالية السياسية.

وقد عالجت المسودة كذلك المواضيع الخاصة باستقلالية المفوضية، وحيدتها، وعلاقاتها بالجهات الأخرى ذات الصلة، وكيفية مراقبة ومتابعة تنفيذ تحويل الأنصبة، ووصول كل الإيرادات للصندوق القومي للإيرادات (دون تجنيب)...الخ. ووضعاً في الاعتبار موقف الجهات التنفيذية من تفضيلها للمرسوم الجمهوري على القانون، فقد أوصى فريق الخبراء بحفظ المسودة للانتفاع بها إذا ما توفَّرت العزيمة السياسية لإنشاء مفوضية للإيرادات فعَّالة وذات استقلالية ويسندها القانون.

ولكن ما هي أهمية القانون وما الخلل في المرسوم الجمهوري الذي أنشئت بموجبه المفوضية؟

أولاً ومن حيث المبدأ يجب أن يكون هنالك قانون للمفوضية ليس فقط لأنه ليس هناك مفوضية للموارد في كل الدول الفدرالية التي سبقتنا ليس لها قانون صادر من الهيئة التشريعية والدستورية التي تقدم لها التوصيات الخاصة بالتخصيص وتقارير المراقبة، ولكن لأن القانون وسيلة أساسية وهامة تمكِّن المفوضية من أداء مهامها مثل:

1.    متابعة تحويل مستحقات مستويات الحكم المختلفة في أزمانها واتخاذ الإجراءات اللازمة بعدم ذلك.


2.    مراقبة توظيف الموارد في الأغراض المحددة لها في صناديق وهيئات الأعمار والتنمية سواء على المستوى القومي أو صناديق ولايات دارفور أو شرق السودان أو أي صناديق وهيئات أخرى مماثلة.


3.    تحريك الدعاوي القانونية ضد الجهات المتسببة في تعطيل وصول الأنصبة لمستحقيها.

4.    الحصول على المعلومات من أي جهة في أي مستوى من مستويات الحكم- وكحق قانوني- وليس نتيجة استجداء أو علاقات شخصية.

أما عن المرسوم الجمهوري الذي أنشئت بموجبه المفوضية فقد رأي القانونيون أن به عدَّة نواقص منها:

أولاً:     إن المادة (5) الخاصة باختصاصات ومهام المفوضية لم تشر إلى أن المفوضية هي الجهة الوحيدة التي تتولَّى تخصيص ومراقبة الايرادات، وهو الاختصاص الذي من أجله أنشأت. و حيث أن المفوضية من مهامها ضمان الشفافية والعدالة (المادة 4/1/أ من المرسوم) فيما يختص بتخصيص الأموال، فلا يمكنها القيام بذلك إذا لم ينص صراحة على أنها الجهة الوحيدة التي تقوم بالتخصيص.

ثانياً:  ورد ذكر لصندوق قسمة الموارد وتنمية الولايات الشمالية المادة (5- ب) وهو صندوق لم ينشأ بعد، كما إن اسم الصندوق يدل على أنه يقوم بقسمة الموارد. ومعنى ذلك أنه، إما أن يكون هو الجهة التي تقوم بقسمة الموارد أو أنه جهة تشارك المفوضية في عملية قسمة الموارد.وفي كلا الحالين هناك ازدواجية تدعو إلى التساؤل. والطبيعي هو إما أن تختص المفوضية بالقسمة- أو تختص بها أي جهة أخرى لكن ليس الاثنين معاً. (أم أن الصندوق جهة موازية كما أشار إلى ذلك السيد/ بكري أحمد حسن في مقاله في الأيام قبل نحو عام).

وكما هو واضح فإن إقحام جهاز لم يولد بعد في عمل لا دخل له به أمر يُثير التساؤل حول تقبل الحكومة في الأصل لوجود مفوضية تقوم على تقسيم الإيرادات بعيدا عن سيطرتها.

ثالثاًً:   أغفل المرسوم أهم مادة وهي سيادة المفوضية على أي جهة أخرى فيما يختص بمهامها في جمع المعلومات والتخصيص والمراقبة وتقديم التقارير للرئاسة وللهيئة التشريعية.

وحسب علمي فإن السيد/ إبراهيم منعم قد أبلغ الجهات المختصة بأوجه الخلل هذه وأوضح ما يمكن أن تتسبب فيه من ثغرات تعيق عمل المفوضية.

تواصل عمل المفوضية ولجنة الخبراء المساعدة لها وبيت الخبرة (يونيكونز) المختار بواسطة البنك الدولي للمساعدة الفنية، تواصل في شكل أوراق وورش عمل واجتماعات طيلة الفترة أغسطس 2006 وحتى يوليو 2007. وقد عقدت عدَّة ورش من بينها ورشة كبرى حول الفدرالية المالية عقدت بقاعة الصداقة في يوم 20 يونيو 2007 وقد حضرها نحو (93) من المختصين ووزراء المالية بالولايات ومسئولين من وزارة المالية المركزية وآخرون.

وقد أمَّنت الورشة المذكورة على المبادئ الأساسية التي أرستها المفوضية حول المعايير الخاصة بالتوزيع الرأسي للإيرادات (بين المركز والولايات) والأفقي (بين الولايات) وأوصت بتوسيع دائرة التشاور لتشمل الولايات حتى يكون قبول المعايير عاماً.

إلا أن أهم ما جاء في توصيات ورشة العمل تلك كان حول صندوق دعم الولايات، وهو صندوق سابق للمفوضية تأسس بقانون منذ 1996 ومجلس أمناؤه يتكوَّن من وزراء مالية الولايات وكان يعمل عملاً شبيهاً بعمل المفوضية. لكن بعد إنشاء المفوضية كان المتوقَّع أن يتم إلغاء قانونه والاستفادة من موظفيه وخبرتهم في أعمال المفوضية بالشكل المناسب.

كانت توصية المشاركين في ورشة الفدرالية المالية هي الالتماس من رئاسة الجمهورية أن تدعم المفوضية، وذلك بحل أي جسم آخر سابق لها يعمل عملاً مشابهاً (أي الصندوق). وقد كانت الأسباب متعلقة بكون الصندوق ذو طبيعة سياسية (على الأقل لأنه أنشأ قبل اتفاقيات السلام وعندما كانت هنالك جهة واحدة منفردة بالسلطة) وقانونه يتيح له قوة كبيرة لا تتماشى والشفافية المطلوبة في المنهج الجديد للتوزيع العادل للإيرادات. ومن ذلك دور الوسيط الذي يلعبه بتحويل أنصبة الولايات له قبل تحويلها لها، وهو شيء مثير للقلق خاصة في ظل التكلفة العالية التي صاحبت تحويلات 2007 وهي طلب الأمناء بإبقاء نحو 6% كاحتياطي. ولكل ما سبق وغيره رأي المشاركون أهمية أو وجوب دعم توصية مجلس الولايات بإلغاء الصندوق كما رأوا أن موافقة السلطات التنفيذية على التوصية سوف يكون دليلآ على التزامها بالفدرالية المالية.

4.    عـــدم التناغـــم مستمـــــر

لقد كانت هنالك منغِّصات لعمل المفوضية إبتداءاً من إنشائها بمرسوم، وعدم إلغاء صندوق دعم الولايات وعدم تنفيذ وزارة المالية بالكامل لتوجيهات المفوضية وِفق ما جاء في قانون الميزانية لعام 2007 الذي قام بتوقيعه السيد/ رئيس الجمهورية نفسه.

وبالمقابل فقد كان السيد/ إبراهيم منعم منصور كرجل دولة وخدمة مدنية (دَقَّه قديمة) ينبِّه الجهات المسئولة أو يخاطبها في كل ما يرى أنه لا يتسق وروح النظام الفدرالي المالي وأهدافه (خاصة والدماء ما زالت تسيل في دارفور وغيرها). وهو ممَّا قد يرى فيه المتنفِّذون من الساسة مناكفة وليس تقويماً لاعوجاج المنهج.

وربما من أشد هذه المواجهات سخونة ما حدث من امتناع أو مقاطعة السيد/ إبراهيم منعم وسكرتارية المفوضية وغالبية خبراء الفريق الفني من حضور ورشة عمل حول الفدرالية المالية التي دعت لها وزارة المالية في النصف الأول من يوليو الماضي بالتعاون مع البنك الدولي واستقطبت لها كبار المختصين في هذا الشأن من البنك الدولي وغيره واختارت قاعة الصداقة مكاناً لها.

ويعود سبب المقاطعة إلى أن السيد/ وكيل وزارة المالية قبل وقت قصير من انعقاد المؤتمر في أوائل يوليو 2007، قد أصدر أمراً وزارياً بتشكيل لجنة أسماها لجنة قسمة الموارد القومية. وهي ذات عضوية من داخل وخارج الوزارة وحددت مهامها بصياغة معايير توزيع الإيرادات القومية، وتقييم أداء قسمة الإيرادات والموارد للعام 2007، وتحديد مؤشرات لتحديد أنصبة الحكومة القومية والولايات لعام 2008، وصياغة معايير وأسس تقسيم أنصبة الولايات الشمالية...الخ. وكلها من صميم مهام المفوضية.

وبعد عِلم المفوضية بالقرار، انتظر السيد رئيسها نحو أسبوع ولم يصدر من وزير المالية أو وزراء الدولة بالمالية ما يصحح القرار أو يلغيه أو يعدِّله..الخ وعندها خاطب السيد/ إبراهيم الوزارة بأن القرار الذي لم يراجعه أحد لا يترك مجالاً للفدرالية المالية للعمل وأنه لا يستطيع حضور مؤتمر دعت له الوزارة التي أصدرت قراراً بتشكيل اللجنة المذكورة. ولم تعد المياه إلى مجاريها بين الوزارة والمفوضية إلا بعد أن تسلَّمت الأخيرة ما يشبه الاعتذار من وزارة المالية.

5.    هــــل أُعفـــي إبراهيم منعـــم أم تمَّ حل المفوضيـــــة

الأستاذ/ بكري حسن أحمد قال في مقال نشره في 17 أكتوبر 2006 في عمود الأستاذ/ محجوب محمد صالح المقروء " أصوات وأضواء" حول مفوضية الإيرادات ، قال مخاطباً الأستاذين محجوب وإبراهيم منعم (ومن خلالهما الشعب السوداني فيما أظن) " أنكم تحرثون في البحر لو كنتم تظنون أن مفوضية قسمة الموارد سيسمح لها أن تؤدي عملها بالطريقة التي تتصورون". ويقول " إن الإنقاذ قد حذقت أسلوب خلق أجهزة موازية لكل جهاز مؤسسي حتى تظل تسيطر سيطرة كاملة على كل المفاصل". ويضيف دعونا نترك السؤال حتى تظهر النتائج. المؤسف أن السيد/ بكري لم ينتظر طويلاً، وقد ظهرت النتائج فعلاً بعد عام واحد مؤكدةً ما ذهب إليه – بكل أسف.

فبعد أن ضاق الشريكان الرئيسيان ذرعاً بالمفوضية – فيما يبدو (لأن المرسوم الجديد يؤكد موافقة السيد النائب الأول عليه) – تمَّ إعفاء السيد/ إبراهيم منعم من رئاسة المفوضية وأُلغي المرسوم الجمهوري (35) لعام 2006 و حل محله المرسوم الجمهوري رقم (31) لعام 2007. والمرسوم الجمهوري الجديد يختلف عن الذي سبقه في أشياء جوهرية من بينها:

•    المادة 3 (أ) والتي تنص على أن رئيس المفوضية " يُعين بقرار من رئيس الجمهورية وبموافقة النائب الأول وأن يُحدد القرار فترة عمله ولا يجوز عزله من منصبه دون سبب معقول"، هذه المادة في المرسوم الجديد حُذفت منها العبارة الأخيرة ( ولا يجوز عزله من منصبه دون سبب معقول)وهو مما لا يحتاج إلى تعليق.

•    المرسوم الجديد احتوى على نص في المادة 5/د لم يكن موجوداً في المرسوم السابق وبمقتضاه جوَّز للمفوضية الجديدة، بموافقة ممثلي الولايات، إنشاء حساب خاص للاحتياطي ويتم التصرُّف فيه وِفقاً للائحة يجيزها ممثلو الولايات. المادة في سطحها تبدو معقولة، لكنها حقيقة قنّّنت احتفاظ المركز باحتياطي من أنصبة الولايات. والصحيح أن نصيب المركز أصلاً يحتوي على موارد يُخصص منها احتياطي في حالات الطوارئ. أي أنها قنَّنت الإجراء الذي اتخذه صندوق دعم الولايات من ميزانية 2007.

•    المادة 7/1 من المرسوم الجديد حدَّدت عدد خبراء الفريق الفني بخمسة خبراء فقط، ولم يكن العدد محدداً في المرسوم السابق، غير أنه تمَّ تعيين حوالي (20) من مختلف التخصصات ذات الصلة، ومن الحكومة والقطاع الخاص مع مراعاة تمثيل كل جهات السودان. وكما هو واضح فإن العدد خمسة لا يمكن تقسيمه بين التخصصات والأقاليم- من ناحية عملية- وبما يُحقق الثقة في التمثيل المهني والجغرافي للفريق.

خلاصة الأمر يبدو أن المفوضية بشكلها القديم ونزوعها نحو الاستقلال والحياد ومناقرتها لمؤسسة الرئاسة ووزارة المالية قد أخذت المسألة جد أكثر من اللازم في عُرف حكومة الوحدة الوطنية (أكرر الحكومة لأن هنالك موافقة من النائب الأول لرئيس الجمهورية على المرسوم الرئاسي الجديد) ولذلك فقد كانت هي والشريكين (أين الشركاء الجدد؟) أو هي والحكومة (غرباء في سرير واحد كما يقول الخواجات). وهو شيء لم تعتد عليه الحكومة وليست مجبورة (في عُرفها) على تحمُّله. لكن الحكومة قادرة أو مدهشة- سمِّها ما شئت- إذ تبع إعلان إعفاء إبراهيم منعم وتعيين السيد/ أمين عام صندوق دعم الولايات رئيساً للمفوضية خلفاً له، أمر رئاسي بإلغاء قانون الصندوق وحلّه، وهو ما ظلَّت تُطالب به المفوضية- تحت رئاسة إبراهيم منعم منذ إنشائها. فمن يفك الطلاسم؟ وهل في اعتقادكم أنه تمَّ إعفاء إبراهيم منعم أم (بلع) الصندوق المفوضية؟

الإجابة أقل صعوبة مما يبدو أو مما تتصورون، إذ أن خطوات حل المفوضية القديمة قد بدأت فعلا فقد تمّ في الأسبوع الماضي تعيين أمين عام جديد للمفوضية كما تمّ ترحيل أثاثات ومعدات المفوضية إلى مقر صندوق دعم الولايات (المحلول).

أنا شخصيا أرجو خالص الرجاء ألا يفرط السيد رئيس المفوضية الجديد في إرث السيد إبراهيم منعم، فقد اختط الأخير نهجاً زاوج بين التجارب العالمية والخصوصية المحلية وعمًّق (الساس) لبناء المفوضية بالتشاور والاستقلالية الراشدة. فهل يفعل؟


د. صديق أمبده
28 أغسطس 2007
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.