mahmoud rizig [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

بسم الله الرحمن الرحيم

يقول الشهيد سيد قطب فى ظلال القرآن فى تفسير سورة التوبة: "إنّ الأحكام الفقهية فى الإسلام كانت-وستظل دوما- وليدة الحركة وفق المنهج الإسلامى.  والنصوص لا يمكن فهمها إلا بإستصحاب هذه الحقيقة.  وفرق بعيد بين النظرة الى النصوص كأنها قوالب فى فراغ ، والنصوص فى صورتها الحركية وفق المنهج الإسلامى.  ولا بد من هذا القيد : الحركة وفق المنهج الإسلامى. فليست هى الحركة المطلقة خارج المنهج بحيث نعتبر " الواقع البشرى " هو الأصل أيّا كانت الحركة التى أنشأته ، ولكن "الواقع البشرى" يصبح عنصرا أساسيا فى فقه الأحكام إذا كان قد أنشأه المنهج الإسلامى ذاته."[1]

وإنطلاقا من هذا المنطلق الذى يجعل الواقع البشرى عنصرا أساسيا لفهم أو إعادة فهم النصوص الإسلامية وما يتبعها من أحكام فقهية، أتقدم بهذه الدراسة تلبية للواقع العملى فى الولايات المتحدة وماشابهها من الدول الغربية وأيضا إثراء للفقه الإسلامى بخصوص هذه المسألة التى لم تجد حظا وافيا من الدراسة والمناقشة والتجميع فى كتب الفقهية القديمة. وتعليل ذلك التقصير أنّ فقهاء الإسلام فى العصور الأولى تدارسوا المسائل فى بيئة إسلامية خالصة ، وأعطوا كل مسألة حجما بقدر حاجة المجتمع المسلم إليها ، ولم تكن حاجة المجتمع آنذاك كبيرة لمسألة جمع الصلوات فى الحضر بسبب الأعذار. و لا أقصد بالجمع فى الحضر جمع العذر بالمطر، أو المرض الذى هو متفق عليه وإنما إقصد الجمع الذي يرفع الحرج والمشقة في غير الأعذار السابقة عموما.‏

‎‎ فمثلاً هناك بلاد يتأخر فيها غياب الشفق إلى ما بعد منتصف الليل في بعض أيام السنة، وهناك بلاد يغطى فيها الليل عدة أشهر من السنة. وهناك بلاد يقصــر فيها الليل إلى أربـــع سـاعــات فقط. وفى تلك البلاد مسلمون منهم الموظف ومنهم العامل ومنهم الطـالب وبعضهم لا يتمكن من أداء الصلوات في أوقاتها لضيق الوقت وسرعة العمل وجور لوائحه التى لا تراعى الدين أصلا ولا تسمح بالراحة إلا فى زمن محدد قد يسمح للمسلم بأداء صلاة فى وقتها ولا يسمح له بأداء الأخرى. كما أن هناك الشيخ العجوز والمريض وغيرهم من أصحاب الأعذار.‏  فجميع هؤلاء يجدون حرجًا وعسرًا ومشقة في أداء بعض الصلوات في أوقاتها المحددة شرعًا فى الظروف العادية ، فهل من الحكمة والعقل أن نلزم هؤلاء بأداء الصلاة فى وقتها ونقول للرجل المسن أن ينتظر بعد منتصف الليل ليصلى العشاء؟! أو نقول مثله لمن هو ملتزم في صبيحة ذلك اليوم بعمل أو إمتحان مع احتياجه للنوم والراحة ؟‏

وعموما وبالنظر لواقعنا البشرى فى مجتمع لا يدين بدين الإسلام نجد أنفسنا أمام كثير من المشاكل والمتاعب والحرج مما يستوجب الحركة والإجتهاد لرفع ذلك الحرج لأنّ أصل الدين اليسر وإلا كانت فتنة. وإذا نظرنا للخيارات التى أمامنا سنجدها تنحصر فى الآتى:

1.       الخيار الأول هو الخروج من هذا المجتمع لمجتمع إسلامى ومن ثمّ مقاطعة هذا المجتمع على جميع المستويات.  ووفقا لهذه النظرة يجب علينا كمسلمين ألا نرسل طالبا ليدرس هناك ، ولا نسمح لسائح مسلم أن يذهب الى هناك ، ولا نسمح لأنفسنا بالتعامل التجارى والدبلوماسى مع تلك المجتمعات غير الإسلامية، وذلك لأنّ كل فرد - طالبا كان أم تاجرا أم دبلوماسيا- سيجد نفسه أما صعوبات فقهية لم تخطر على باله عندما كان فى وطنه الإسلامى. والأخذ بهذا الحل سيضر بالإسلام أولا ويضر بالمسلمين ثانيا قبل أن يضر بغيرهم. فهو سيمنع الإسلام من الإنتشار الطبيعى ، وسيمنع المسلمين من الإستفادة من خبرات إخوانهم فى الإنسانية الذين لايدينون بالإسلام ، وبالتالى ليس هذا بحل.

2.       الخيار الثانى هو أن نتحلل من عرى الدين ونأخذ بالمثل القائل: "إن كنت فى روما فافعل كما يفعل الروم". وبخصوص هذا الحل السلبى يقول الله تعالى: " ومن يرتد منكم عن دينه ويمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم فى الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون"[2] وكما هو واضح أنّ هذا ليس بحل أيضا.

3.       أما الحل الثالث وهو الحل الأنسب أن نذهب و نقيم فى تلك المجتمعات ونتعامل معها على كافة المستويات وأن نعض على عقيدة الإسلام وقيمه بالنواجز وندعو أهل تلك البلاد بصورة سلمية للإعتقاد والعمل بها أيضا، ومع هذا التمسك نبذل كل جهدنا للتوفيق بين واقعنا العملى والأحكام الفقهية فى إطار المنهج الإسلامى الذى يضبط الإجتهاد كما ذكر الشهيد.  وهذا التوفيق المقصود لا يتأتى إلا بمعرفة الواقع الإجتماعى معرفة حقة مضافا إليها معرفة دقيقة بالثابت والمتحول فى الفقه الإسلامى حتى تولد الفتوى محسوبة حسابا دقيقا يرجح مصلحة الإسلام العليا ومصلحة جماعة المسلمين على الجزئيات والمصالح الفردية.

إنّ الذى دفعنى لكتابة هذا البحث كما ذكرت هو الواقع العملى الذى يجابه المسلم العامل فى أمريكا وأوروبا ، بالإضافة لجهل كثير من المتعلمين ، وكذلك المتحمسين للإسلام بالفتاوى التى صدرت مبعثرة هنا وهناك فى كتب الفقه بخصوص هذا الموضوع. وأمثلة لهذا الجهل أذكر أنى كنت جالسا فى حلقة من حلقات العلم ، وكان موضوع الدرس عن الصلاة ، وكان مقدم الموضوع شاب حديث عهد بالتدين وبأمور الفقه ، وكان يجلس فى الحلقة شيخ حافظ للقرآن دمث الخلق شديد الأدب طيب المعشر إلا أنّه ضعيف فى الفقه قليل الدراية بالمجتمع الأمريكى ولغته ووضع العامل فيه وقوانين وظروف العمل فيه.  وبعد أن أنهى الشاب درسه وفتح باب الأسئلة للحضور سأله أحد الإخوة الأمريكان قائلا: " رغبتى أن أصلى كل صلاة فى وقتها المعلوم ولكن وقت العمل يتضارب مع وقت الصلاة بالتالى لا أستطيع أن أقيم الصلاة فى مكان العمل فماذا أفعل؟".   فالتفت الشاب الى نفسه فلم يجد عنده شيئا يفتى به- وفاقد الشئ لا يعطيه كما يقول المثل- فقام بتحويل السؤال للشيخ فى محاولة للخروج من المأزق فأجاب الشيخ قائلا :"لو أنّك تخلص النية لله تعالى وتحافظ على صلاتك فى وقتها فسوف يليّن الله قلب صاحب العمل أو المدير ويتركك تؤدى الصلاة فى وقتها من غير مضايقة." وهكذا إنتهت الفتوى.  وفى تلك اللحظات كنت جالسا بجوار الشيخ فأسررت له  بأن يفتى لصاحب السؤال بجواز الجمع إلا أنّ الشيخ صك وجهه وتبرم مما قلت ، وتبين لى بوضوح أنّه شكّ فيما قلت له لأنّ شكلى الظاهرى ونوع ملابسى لا يوحيان بصلة للفقه الإسلامى لأنّ أهل الفقه فى زمن الإنحطاط هذا أصبح لهم زى خاص يميزهم من غيرهم، فمن لبس ذلك الزى فهو عالم وإلا فهو محسوب مع الجهلاء وإن تقطرت أطرافه علما.  وعندما إنتهت الحلقة قلت للشاب الذى ألقى الدرس؛ يرحمكم الله، لو أفتيتم له بجمع الصلاة لكان أصوب.  فاشتاط الشاب غضابا وظن أنّ ما قلته له تلاعبا بالدين وتهاونا بركن من أركان الإسلام الخمسة وقال القولة المشهورة؛ "ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة إن هذا إلا إختلاق"[3]  وفى تلك اللحظات تذكرت كتاب الشهيد عبد القادر عودة " الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه " ، وأيضا تذكرت كتابات الشيخ المرحوم محمد الغزالى التى كان يحذر فيها من الإندفاع بالجهل وقلة الفقه والإفتتان بالمتحمسين والمخلصين ممن يحسنون الكلام والخطابة والجدال ولا يحسنون الفقه.

نعم، إنّ الله من حيث المبدأ قادر على أن يغير قلوب العباد من حال الى حال ، إلا أنّه وضع قوانين كونية لتحكم الكون ومن فيه جنا وإنسا ، كافرا ومسلما ، رسولا ومرسل إليه على السواء.  ولو قرأنا إجابة الشيخ على ضؤ هذه السنن والنواميس الكونية لتيقنا أنّ ما قاله الشيخ غير وارد إلا أن يعطل الله تعالى- وهو القادر- هذه السنن كما فعل مع إبراهيم الخليل عليه السلام عندما أمر النار التى أعدت له أن تكون بردا وسلاما وقد كانت ولكن هل تكرر هذا الحادث بعد ذلك؟.  إنّ مثل هذا التعطيل الإلهى لسنن الكون يحصل بصورة نادرة وفى الغالب الأعم يحصل للرسل والأنبياء وقليل من عباد الله الصالحين فى حالات التحدى الكبرى . وعلى كل لقد كان سؤال الأخ فى مجال الفقه وليس فى مجال القدرة الإلهية فيجب الإجابة عليه فقهيا سلبا أو إيجابا ، وهذا ما نحن بصدده الآن ، أما نطاق القدرة الإلهية فالله على كل شئ قدير كما هو واضح ومعلوم.

إذا، بماذا نجيب السائل وما هى الأدلة الفقهية على صحة ما نقول؟  

مبدأ التيسير فى الإسلام :

إنّ بعض الإخوة المخلصين الذين يرون حال الإسلام والمسلمين فى زماننا هذا ينفرون من كلمة تيسير ، وتخفيف ، وتدريج ظنا منهم أنّ هذه الكلمات مخالب لأعداء الإسلام لنهش الجسد الإسلامى بصورة ذكية، وأنّ الأخذ بمدأ التيسير لا يتوافق مع نداء النهضة الإسلامية التى تعم العالم الإسلامى حاليا وما يتبعها من تدافع ومجاهدة.  ولا شك أنّ العواطف نحو الإسلام والمسلمين مقدرة ، ولكن مع كل هذا التقدير لا يسعنا إلا أن نقول الحقيقة ، والحقيقة هى أنّ التيسير أصل من أصول الدين والفقه ، ويجب أن يراعى هذا الأصل فى الرخاء والشدّة ، و فى حالة الضعف وفى حالة القوة.  وذلك لأنّ التيسير لا يأتى إلا بخير ولا يأتى التشدد إلا بشر ونصائح رسول الله (ص) فى هذا المجال كثيرة ومشهورة.

ويجب أذ نعلم أنّ الله الذى خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه قد راعى فى تشريع الأحكام حاجة الناس ومصالحهم وتأمين سعادتهم فى الدنيا والآخرة ، ولذلك كانت الأحكام القرآنية كلها فى مقدور الإنسان وضمن حدود قدرته وطاقته.  واذا ما واجه المكلف وضعا شاذا وحرجا تسبب له فى عنت ومشقة زائدة ، فإنّ الدين يفتح أمامه باب الرخص والتخفيف ويدعو المؤمن للأخذ بها على قاعدة "كل من عند ربنا".  وكما قال واحد من أهل الذكر: "إنّ العبادة نفسها كلفة فاذا إنضافت إليها المشقة كانت تكليف على تكليف وإذا تضاعف التكليف شق على الأنفس الإتيان به على وجه الكمال أو الإتيان به أصلا."  ومن هنا جاء مبدأ التخفيف خوفا من الترك الكلى للعبادة أو التهاون بها والتقصير فيها.  وبمعنى آخر قد أقر الإسلام مبدأ التخفيف حفاظا على الدين من الهجر والتقصير.

القرآن الكريم ومبدأ التيسير.

إنّ الأدلة على مبدأ التيسير فى القرآن الكريم كثيرة والعبرة فى المعنى الجامع بينها وهو تأكيد أن الدين يسر، ونذكر من هذه الأدلة على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر."[4] وقوله: "وما جعل عليكم فى الدين من حرج"[5]، وقوله أيضا: "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها."[6]

السنة النبوية ومبدأ التيسير:

قال رسول الله (ص) "إن الدين يسر" البخارى

قال عليه الصلاة والسلام:"يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا"

وقال أيضا:"هلك المتنطعون-أى المتكلفون-"

وقال لمعاذ بن جبل بغضب عندما كان يطيل الصلاة بالصحابة: "أفتان أنت يامعاذ؟."

أمثلة على يسر الإسلام :

1-    لقد خففت الصلاة من خمسين صلاة فى اليوم لخمس صلوات فقط كما جاء فى حديث الإسراء والمعراج

2-    وخففت الركعات فكان أقصاها أربعة كما فى الظهر والعصر والعشاء وأقلها إثنان كما فى صلاة الفجر.

3-    وخففت الأربعة ركعات الى ركعتين فى حالة السفر.

4-    وخففت القراءة فكان الحد الأدنى الذى تصح به الصلاة الفاتحة ,ىية واحدة من القرآن الكريم.

5-    وخفف تفريق الصلوات بجمعها وقصرها فى حالة السفر.

6-    وخفف الوقوف فى الصلاة لمن به مرض أو عاهة مستديمة بأن يجلس أو على أى وضع له فيه راحة.

7-    وخفف التكليف فى صلاة الجماعة فجعلت فرض كفاية ولم تجعل فرض عين حاشا صلاة الجمعة.

8-    وخفف التكليف لحضور صلاة الجماعة فى المسجد فأمر بها من يسمع النداء فقط وعادة هم جيران المسجد أما البعيد الذى لا يسمع النداء إلا عبر مكبرات الصوت فليس مأمور بالصلاة فى المسجد لبعد داره عن المسجد ومن المعلوم أن مكبرات الصوت يمكن أن تنقل الصوت لأماكن وقرى بعيدة جدا لا يصلها الصوت الطبيعى.

9-     وخففت مشقة صلاة الظهر فى الحر الشديد بأمر رسول الله (ص) للناس أن

           يأخروا  إقامة الصلاة حتى تبرد الشمس ويستطيع الناس الخروج للمسجد.

10-                     وخففت الصلاة للخائف فجاز له أن يصلى لأى إتجاه من غير وضؤ ولا قيام ولا

            ركوع ولا سجود.

11-                     وخفف الله تعالى التكليف على النائم بعمق والمغمى عليه فلم يجعل عليه فى فوات

            الوقت من حرج.

12-                     ونظر الله تعالى بعين الرحمة للجائع والعطشان فأمر بتأخير الصلاة إذا حضر

            الطعام وأمر بتقديم الإفطار على الصلاة فى رمضان.

13-                     وخففت الصلاة فى حالة المطر والريح العاصف والثلج والبرد المؤذى والوحل

            الشديد فأمرت المساجد بجمع الظهر والعصر والمغرب والعشاء عناية بصحة

            المصلين وحفظا لأرواحهم من الهلاك والأذى.

14-                     وخففت صلاة الجمعة فجعلت الخطبة مقابل ركعتين بدلا من أربعة ركعات كما

            فى صلاة الظهر فى باقى الأيام.

15-                     إذا كان العيد يوم جمعة تصير صلاة الجمعة غير ملزمة لأنّ المسلمين قد صلوا

            العيد جماعة وسمعوا الوعظ فى خطبة العيد فمن إكتفى بذلك فله ذلك ومن لم

            يكتفى فيجوز له صلاة الجمعة يوم العيد.

الأحاديث الدالة على جواز جمع الصلوات:

1.    روى الإمام مسلم فى صحيحه عن إبن عباس (رض) أنه قال: " جمع رسول الله (ص) بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة فى غير خوف ولا مطر.  (وفى رواية وكيع قال وكيع: قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال-أى إبن عباس- كى لا يحرج أمته. وفى حديث أبى معاوية:  قيل لإبن عباس: ما أراد الى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته."[7]

2.    وروى الإمام البخارى فى صحيحه عن إبن عباس أيضا أنّه قال: "صلى النبى (ص) بالمدينة سبعا وثمانيا، الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء"[8]

أحاديث متعلقة بالصلاة فى البرد والحر والريح الشديد:

1-    روى الإمام البخارى عن إبن عمر (رض) أنّه – أى إبن عمر نفسه- نادى بالصلاة فى ليلة ذات برد وريح ومطر، فقال فى آخر ندائه: ألا صلوا فى رحالكم، ألا صلوا فى الرحال، ثم قال: إنّ رسول الله (ص) كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة أو ذات مطر فى السفر أن يقول "ألا صلوا فى الرحال"[9].

2-    وروى مسلم والبخارى عن أبى هريرة (رض) أنّه قال: قال رسول الله (ص) "إذا إشتدّ الحر فأبردوا بالصلاة فإنّ شدة الحر من فيح جهنم"[10]

وسبب هذه الرخصة كما قال الإمام إبن القيم: "إنّ الصلاة فى شدة الحر تمنع صاحبها من الخشوع والحضور، ويفعل العبادة بتكرّه وتضجر، فمن حكمة الشارع (ص) أن أمرهم بتأخيرها حتى ينكسر الحر، فيصلى العبد بقلب حاضر، ويحصل له مقصود الصلاة من الخشوع والإقبال على الله تعالى."[11]

أحاديث ضعيفة تنهى عن الجمع:

"من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر" ضعيف فيه حنش أبو علي الرحبي متروك  (أنظر سنن الدارقطني 2/68 و الشوكاني فى  الفوائد المجموعة  الألباني السلسلة الضعيفة 4581)

أقوال بعض أهل العلم فى مسألة الجمع فى الحضر للضرورة

رأى الإمام تقى الدين الشافعى:

قال الإمام تقى الدين أبى بكر بن محمد الحصنى الشافعى: أنّ " المعروف من المذهب (أى مذهب الإمام الشافعى) أنّه لا يجوز الجمع بالمرض ولا الوحل ولا الخوف، وإدعى إمام الحرمين(أى الإمام الجوينى) الإجماع على إمتناعه بالمرض، وكذا إدعى إجماع الأمة على ذلك الترمذى، ودعوى الإجماع منهما (أى من الجوينى والترمذى) ممنوع.  فقد ذهب جماعة من أصحابنا (أى أصحاب المذهب الشافعى) وغيرهم الى جواز الجمع بالمرض، منهم القاضىحسين والمتولى والرويانى والخطانى والإمام أحمد ومن تبعه على ذلك، وفعله (أى الجمع) إبن عباس رضى الله عنهما فأنكره رجل من بنى تميم فقال له إبن عباس (رَ): "أتعلمنى السنة لا أم لك؟ وذكر أنّ رسول الله (ص) فعله، قال إبن شقيق: فحاك فى صدرى من ذلك –أى من كلا إبن عباس-شئ فأتيت أبا هريرة (رض) فسألته عن ذلك فصدق مقالته وقصة أبن عباس وسؤال إبن شقيق ثابتان فى صحيح مسلم."[12]

رأى الإمام النووى:

قال الإمام النووى: القول بجواز الجمع بالمرض ظاهر مختار، فقد ثبت فى صحيح مسلم أنّ النبى (ص) جمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر.  قال الإمام الإسنائى: وما إختاره النووى نص عليه الشافعى فى مختصر المزنى"  ويؤيده المعنى أيضا، فإنّ المرض يجوز الفطر كالسفر فالجمع أولى، بل ذهب جماعة من العلماء الى جواز الجمع فى الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة، وبه (أى بهذا القول) قال أبو إسحاق المرزوى ونقله عنه القفال وحكاه الخطابى عن جماعة من أصحاب الحديث، وإختاره إبن المنذر من أصحابنا، وبه قال أشهب من أصحاب مالك، وهو قول إبن سيرين ويشهد له قول إبن عباس(رض): "أراد أن لا يحرج أمته"  حين ذكر أن رسول الله (ص) جمع بالمدينة بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر "فقال سعيد بن جبير: لما فعل ذلك؟ فقال (أى إبن عباس): "لئلا يحرج أمته فلم يعلل بمرض ولا غيره."[13]

رأى الإمام إبن رشد:

أما الإمام إبن رشد فيقول فى كتابه "المقدمات الممهدات": إنّ "الجمع بين الصلاتين المشتركتى (فى) الوقت وهما الظهر والعصر، والمغرب والعشاء فى السفر والمرض والمطر رخصة وتوسعة."  وقال أيضا لقد "إتفق مالك وجميع أصحابه على إباحة الجمع بين الصلاتين المشتركتى (فى) الوقت لعذر السفر والمرض والمطر فى الجملة على الإختلاف بينهم فى ذلك على التفصيل (أى تفصيل كيفية الجمع).  وإختلفو فى إباحة الجمع بينهما لغير عذر،   فالمشهور أنّ ذلك لا يجوز وقال أشهب ذلك جائز على ظاهر حديث إبن عباس وغيره."[14]

رأى الشيخ أبوبكر الجزائرى:

أما الشيخ أبوبكر الجزائرى أحد علماء المذهب السلفى المعاصر فيقول: "كما أنّ لأهل البلد أن يجمعوا بين المغرب والعشاء فى المسجد ليلة المطر، والبرد الشديد أوالريح إذا كان يشق عليهم الرجوع الى صلاة العشاء بالمسجد، إذ قد جمع رسول الله (ص) بين المغرب والعشاء فى ليلة مطيرة.  كما أنّ للمريض أن يجمع بين الظهرين (الظهر والعصر) والعشاءين (المغرب والعشاء) إذا كان يشق عليه أداء كل صلاة فى وقتها،  إذ علة الجمع هى المشقة، فمتى حصلت المشقة جاز الجمع، وقد تعرض الحاجة الشديدة للمسلم فى الحضر كالخوف على نفس أو مال فيباح له الجمع.  فقد صح أنّ النى (ص) صلى بالمدينة سبع وثمانيا، الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وصورته أن يؤخر الظهر ويقدم العصر لأول وقتها (أى يصلى العصر فى أول الوقت) وذلك لإشتراك الصلاتين فى وقت واحد."[15]

رأى الشيخ الصواف:

ويذكر الشيخ محمد محمود الصواف فى كتابه "تعليم الصلاة" بعد مناقشة حالة السفر: "يجوز الجمع تقديما وتأخيرا إن دعت الحاجة إليه"[16] ويلاحظ أنّ الشيخ الصواف لم يحدد الحاجة هنا وتركها مفتوحة وترك الحكم فيها للمصلى نفسه لأنّه أعلم بظروفه وهو المسئول أولا وأخيرا.  ونجد فكرة عدم التحديد التى أخذ بها الصواف لها أصل فى القرآن الكريم وذلك فى مسألة المرض المبيح للفطر فى رمضان، فقد رخص الله تعالى للمريض أن يفطر فى  رمضان دون تحديد لنوع المرض أو درجة الألم.  وأباح الله تعالى للمسافر أن يقصر من الصلاة فى سفره من غير تحديد لجهة السفر أو دواعيه أو وسائله أو درجة التعب فيه.  فمن سافر بصاروخ من أجل النزهة فله أن يقصر ومن سافر بأرجله مجاهدا جاز له أن يقصر.  وكذلك الحاجة هنا غير محددة ومتروك أمرها للمسلم وظروفه وعلمه بأنّ الله يسمع ويعلم ويرى.

رأى الشيخ بن باز:

وأجاب الشيخ عبد العزيز بن باز –رحمه الله-عن سؤال عن صلاة القصر ومن ضمن ما قاله: "أما الجمع فأمره أوسع (أى هو باب واسع فى الفقه) فإنّه يجوز للمرض ويجوز أيضا للمسلين فى مساجدهم عند وجود المطر بين المغرب والعشاء، وبين الظهر والعصر ولا يجوز لهم (أى المقيمين) القصر لأنّ القصر مختص بالسفر فقط."[17]

وسأله سائل قائلا: "ما رأى سماحتكم فى الجمع للمطر بين المغرب والعشاء فى الوقت الحاضر فى المدن والشوارع معبدة وومرصوفة ومنارة إذ لا مشقة ولا وحل.؟"  فأجاب بن باز قائلا: "لا حرج فى الجمع بين المغرب والعشاء ولا بين الظهر والعصر فى أصح قولى العلماء للمطر الذى يشق معه الخروج للمساجد.  وهكذا الدحض والسيول الجارية فى الأسواق لما فى ذلك من المشقة.  والأصل فى ذلك (أى فى الجمع) ما ثبت فى الصحيحين عن إبن عباس (رض) أنّ النبى (ص) جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء.  وزاد مسلم فى روايته: "من غير خوف ولا مطر ولا سفر."  فدل ذلك على أنّه قد إستقر عند الصحابة (رض) أنّ الخوف والمطر عذر فى الجمع كالسفر، لكن لا يجوز القصر فى هذه الحال، وإنّما يجوز الجمع فقط لكونهم مقيمين لا مسافرين والقصر من رخص السفر خاصة."[18]

وسأله سائل آخر قائلا: "أذهب وبعض أهلى الى بلد مجاور يبعد حوالى الخمسين كيلو مترا عن بلدنا لشراء بعض الحاجات ونرجع مع المغرب وقد لا نخرج إلا متأخرين بسبب الزحام وضيق وقت المغرب وقد لا نصل إلا مع آذان العشاء الأخير أى بعد فوات وقت المغرب، هل يجوز لنا فى هذه الحالة نظرا للبعد والمشقة التى تلحق بالنساء تأخير صلاة المغرب حتى نصل بلدنا؟

فأجاب الشيخ إبن باز قائلا: " لا حرج فى تأخير المغرب والحال ما ذكر الى أن تصلوا الى البلد دفعا للمشقة وإن تيسرّ فعلها فى الطريق فهو أولى."[19]

والملاحظ هنا أنّ الشيخ بن باز أفتى بجواز الجمع لصاحب السؤال وصاحب السؤال فى بلد إسلامى ويمكنه أن يوقف السيارة ويصلى فى الطريق ويمكنه أيضا طرق باب أى بيت مسلم فى الطريق ويطلب من أصحابه  السماح له بالصلاة فى دارهم. ولا أظن أنّ أحدا سيمنعه من الصلاة وذلك الشخص يعتقد عقيدة الإسلام. وإذا وقف فى الطريق وصلى فلن يتعرض لاستجواب من رجال الشرطة أو الأمن أو أى شخص آخر ويسأله ماذا تفعل؟ أو يتهم بتهديد الأمن والتخطيط للفتن.  وبعبارة أخرى إذا كان الجمع فى بلاد الإسلام  جائز من أجل المشقة، فهل يعقل منعه فى بلد غير إسلامى والمشقة أضعافا مضاعفة؟

وقد سئل أيضا عن المريض بعد إجراء العملية يبقى مخدرا حتى يفيق وبعد ذلك يبقى متألما عدة ساعات فهل يصلى قبل دخول العملية والوقت لم يحن بعد، أم يؤخر الصلاة حتى يكون قادرا على أدائها بحضور حسّى ولو تأخر ذلك يوما فأكثر؟

فاجاب الشيخ بن باز عليه رحمة الله قائلا: "الواجب أولا على الطبيب أن ينظر فى الأمر، فإذا أمكن أن يتأخر بدء العلاج (العملية) حتى يدخل الوقت مثل الظهر فيصلى المريض الظهر والعصر جميعا إذا دخل وقت الظهر...وهكذا فى الليل يصلى المغرب والعشاء جميعا إذا غابت الشمس قبل بدء العملية. أما إذا كان العلاج ضحى فإنّ المريض معذور، فإذا أفاق قضى ما عليه ولو بعد يومين، متى أفاق قضى ما عليه والحمد لله، ولا شئ عليه مثل النائم إذا أفاق وإنتبه ورجع اليه وعيه صلى الأوقات التى فاتته على الترتيب يرتبها ظهرا ثم عصرا وهكذا حتى يقضى ما عليه، لقول النبى (ص): من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك" –متفق عليه- والإغماء بسبب المرض أو العلاج حكمه حكم النوم إذا لم يطل، فإن طال فوق ثلاثة أيام سقط عنه القضاء، وصار فى حكم المعتوه حتى يرجع إليه عقله فيبتدئ فعل الصلاة بعد رجوع عقله إليه لقول النبى (ص): "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق".  ولم يذكر القضاء فى حق الصغير والمجنون، وإنما ثبت عنه (ص) الأمر بالقضاء فى حق النائم والناسى. والله ولى التوفيق".[20]

رأى الشيخ بن عثيمين:

يقول الشيخ بن عثيمين: أنه يجوز للإنسان المعذور أن يجمع بين الصلاتين فيجمع بين صلاة الظهر وصلاة العصر جمع تقديم أو تأخير حسب ما هو أيسر له إذا كان معذوراً، وكذلك يجمع بين المغرب والعشاء جمع تقديم أو تأخير إذا كان معذوراً، والأفضل له أن يفعل ما هو أيسر. فإذا كان الأيسر عليه جمع التقديم فإنه يجمع جمع تقديم، وإذا كان أيسر جمع جمع تأخير، وها هنا مسألة أحب أن أنبه عليها وهي: أن بعض الناس يظنون أنه إذا جاز الجمع للمريض أو المسافر فإنه لابد أن يجمع بين الصلاتين في وسطهما أي في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر وهذا ليس بشيء وليس بصحيح، بل أن الإنسان إذا جاز له أن يجمع بين الصلاتين فإنه إن شاء جمع في وقت الأولى، أو في أول وقت الثانية، أو في أخر وقت الثانية، أو فيما بينهما، والمهم أنه إذا جاز الجمع صار الوقتان وقتاً واحداً، ومن المعلوم أن الجمع إنما يجوز بين الظهر والعصر، أو بين المغرب والعشاء، وأنه لا يمكن أن يجمع الإنسان بين الصلوات الأربع الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء جميعاً.

رأى إبن حزم الأندلسى :

يقول الإمام إبن حزم فى المحلى : ونحن نرى الجمع بين الظهر والعصر ؛ ثم بين المغرب والعشاء أبدا بلا ضرورة ولا عذر ، ولا مخالفة للسنن ؛ لكن بأن يؤخر الظهر كما فعل رسول الله إلى آخر وقتها ؛ فيبتدأ في وقتها ويسلم منها وقد دخل وقت العصر ؛ فيؤذن للعصر ، ويقام وتصلى في وقتها ؛ وتؤخر المغرب كذلك إلى آخر وقتها ؛ فيكبر لها في وقتها ويسلم منها ، وقد دخل وقت العشاء : فيؤذن لها ويقام وتصلى العشاء في وقتها . فقد صح بهذا العمل موافقة الأحاديث كلها ؛ وموافقة يقين الحق : في أن تؤدى كل صلاة في وقتها - ،

جواز الجمع الصورى عند الفقهاء

يقول كثير من العلماء وخاصة أتباع المذهب الحنفى والظاهرى بجواز نوع من الجمع أطلقوا عليه إسم الجمع الصورى، وهو عبارة عن تأخير صلاة الظهر حتى أخر وقتها وإقامة صلاة العصر فى أول وقتها،  أو تأخير صلاة المغرب لآخر وقتها وإقامة صلاة العشاء فى أول وقتها.  وسميت هذه العملية بالجمع الصورى لأنّ الصورة الظاهرية توحى بالجمع أما التدقيق فيثبت أنّ كل صلاة أقيمت فى وقتها.  وهذا ما يفعله الشيعة الإمامية وكتبوا عنه كثيرا فى كتبهم الفقهية.

والحجة فى جواز الجمع الصورى الذى يقول به علماء المذهب الحنفى وعلماء الشيعة عدم وجود نص متفق عليه يحدد أول وقت العصر وأول وقت العشاء، وكل الاقوال التى ذكرت فى تحديد بداية أوقات هاتين الصلاتين هو إجتهاد يفتقر للنص فى الحقيقة.  فعند البعض إنّ أول وقت العصر يدخل عندما يعادل الظل قامة الشخص أو الشئ مرتين، وآخرون قالوا إنّ أول وقت العصر يدخل عندما يعادل الظل قامة الشخص أو الشئ مرة واحدة.  وفريق ثالث يرفض مبدأ التحديد بالظل أصلا ويقول إنّ وقت العصر يبدأ بمجرد الفراغ من صلاة الظهر وسننها وكذلك صلاة العشاء تبدأ بعد الفراغ من صلاة المغرب وسننها ويقولون : ما خرج وقت صلاة أو فرغ من أدائها إلا ودخل وقت الأخرى وأنّ الوقت مشترك للصلوات النهار والليل.

وفى تحقيق هذا المسألة يقول الإمام إبن رشد بعد ذكر الإختلاف حول مسألة الجمع: "وتحصيل القول فى ذلك يفتقر الى معرفة حقيقة وقتهما (أى العصر والعشاء) وكيفية إشتراكهما فيه.  فأول وقت الظهر زوال الشمس عن كبد السماء، وآخر وقتهما المختار المستحب أن يكون ظل كل شئ مثله بعد الظل الذى زالت عنه الشمس....الى قوله...وتدخل العصر على الظهر فى وقتها المختار المستحب فتشاركها فيه للعذر، قيل من أول الزوال، وقيل بعد مقدار ما تصلى فيه صلاة الظهر." [21]

وخلاصة أقوال الإمام إبن رشد أنّه يجوز من غير حرج أداء صلاة العصر مباشرة  بعد صلاة الظهر وكذلك أداء صلاة العشاء مباشرة بعد صلاة المغرب لأهل الأعذار ويستحب التفريق ما وجد إليه سبيلا إلا أنّه لا يوجد دليل على فرضية التفريق أو وجوبه.  وقد ورد أنّ رسول الله (ص) إذا دخل المسجد لصلاة العشاء ووجد عددا كافيا من المصلين أمر بإقامة الصلاة من غير إنتظار لوقت معين أو عدد معيّن أو شخص معيّن.

وذكر صاحب كتاب الفقه على المذاهب الاربعة أنّ "المالكية قسموا الوقت الى إختيارى، وهو ما يوكل الأداء فيه الى إختيار المكلف،  وضرورى وهو ما يكون عقب الوقت الإختيارى، وسمى ضروريا لأنّه مختص بأرباب الضروريات من غفلة وحيض وإغماء وجنون ونحوها، فلا يأثم واحد من هؤلاء بأداء الصلاة  فى الوقت الضرورى، أما غيرهم فيأثم بإيقاع الصلاة فيه إلا إذا أدرك ركعة من الوقت الإختيارى...الى قوله....فقد اجمع أئمة المسلمين على أنّ الصلوات المفروضة خمس صلوات وهى ......ولكنهم إختلفوا فى تحديد هذه المواقيت، فمنهم من يقول مثلا: إنّ الوقت ينقسم الى ضرورى وإختيارى، وهم المالكية، ومنهم من يقول: إنّ وقت الظهر ينتهى إذا بلغ ظل كل شئ مثله،  ومنهم من يقول: لا ينتهى إلا إذا بلغ ظل كل شئ مثليه."[22]

يقول الإمام إبن تيمية: "وأما حيث جاز الجمع فالوقت (للصلاتين) واحد، والمؤخر ليس بمؤخر عن الوقت الذى يجوز فعلها فيه."[23]  ويقول أيضا: "إنّ الجمع هو لرفع الحرج، فإذا كان فى التفريق (بين الصلوات) حرج جاز (وقتئذ) الجمع، وهو وقت العذر والحاجة.  ولهذا قال الصحابة: كعبد الرحمن بن عوف وإبن عمر فى الحائض إذا طهرت قبل الغروب: صلت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر صلت المغرب والعشاء، وقال بذلك أهل الجمع كمالك والشافعى وأحمد، فهذا (القول) يوافق (قاعدة الجمع) فى أنّ الوقت مشترك بين صلاتى الجمع عند الضرورة والمانع.  فمن أدرك آخر الوقت المشترك فقد أدرك الصلاتين كلاهما."[24]

ويقول إبن تيمية أيضا : إنّ "الوقت (من حيث اللغة) يعم أول الوقت وآخره، والله يقبلها فى جميع الوقت، لكن أوله أفضل من آخره إلا حيث إستثناه الشارع كالظهر فى شدة الحر، والعشاء إذا لم يشق تأخيره على المأمومين، والله أعلم." [25]  "فتأخيرها (أى الصلاة) عن الوقت (أوله ووسطه وآخره) حرام بإتفاق العلماء.  لإإنّ العلماء متفقون على أنّ تأخير صلاة الليل (أىالمغرب والعشاء) الى النهار وتأخير صلاة النهار (أى الظهر والعصر) الى الليل بمنزلة تأخير صيام شهر رمضان الى شوال.  فمن قال أصلى الظهر والعصر بالليل، فهو بإتفاق العلماء بمنزلة من قال أفطر رمضان وأصوم شوال،  وإنما يعذر بالتأخير النائم والناسى (وأصحاب الأعذار عموما)"[26] وذكر الإمام إبن تيمية أيضا أنّ الإمام أحمد بن حنبل: "قد نصّ على الجمع فى الحضر لشغل."[27]

وسئل رحمة الله عليه عن أقوام يؤخرون صلاة الليل الى النهار، لأشغال لهم من زرع أو حرث أو جنابة أو خدمة أستاذ ، أو غير ذلك هل يجوز لهم تأخير الصلاة؟

فأجاب إبن تيمية بأنّه: " لا يجوز لأحد أن يؤخر صلاة النهار (الظهر والعصر) الى الليل، ولا صلاة الليل (المغرب والعشاء) الى النهار لشغل من الأشغال، لا لحصد ولا لحرث ولا لصناعة ولا لجنابة ولا نجاسة ولا صيد ولا لهو ولا لعب ولا لخدمة أستاذ، ولا غير ذلك: بل المسلمون كلهم متفقون على أن يصلى الظهر والعصر بالنهار، ويصلى الفجر قبل طلوع الشمس، ولا يترك ذلك لصناعة من الصناعات..."[28]

وملخص كلام إبن تيمية هو أنّه لا حرج على المسلم أن يصلى الظهر والعصر تفريقا أو جمعا على شرط أن يكون ذلك قبل مغيب الشمس وكذلك ليس عليه حرج أن يصلى المغرب والعشاء تفريقا أو جمعا على شرط أن يكون ذلك قبل منتصف الليل أو قبل طلوع الفجر لمن يرى أن وقت العشاء يمتد الى قبيل الفجر وهو رأى شاذ  والراجح والأقوى والأصح هو أنّ ينتهى وقت العشاء بانتصاف الليل.  أما إذا خرج المصلى بالظهر والعصر الى ما بعد مغيب الشمس فقد إرتكب إثما مبينا وكذلك الحال فى تأخير المغرب والعشاء الى ما بعد منتصف الليل، وكذلك الحال فى تأخير صلاة الفجر الى ما بعد طلوع الشمس.

ذكر الأمام سيف الدين القفال فى كتابه "حلية العلماء فى معرفة مذاهب الفقهاء" : "وحكى إبن المنذر عن إبن سيرين أنّه قال: "يجوز الجمع من غير مرض ولا خوف، واختاره إبن المنذر."[29]

وذكر السيّد سابق رحمة الله عليه فى كتابه {فقه السنة}: أنّ الحنابلة قد توسعوا فى رخصة الجمع "فأجازوا  الجمع تقديما وتأخيرا لأصحاب الأعذار وللخائف. فأجازوه للمرضع التى يشق عليها غسل الثوب فى وقت كل صلاة، وللمستحاضة ولمن به سلس بول، وللعاجز عن الطهارة ولمن خاف على نفسه أو ماله أو عرضه.  قال إبن تيمية: وأوسع المذاهب فى الجمع مذهب (الإمام ) أحمد فإنّه جوز الجمع إذا كان شغل كما روى النسائى ذلك مرفوعا الى النبى (صً)...الى قوله...يجوز الجمع أيضا للطباخ والخباز ونحوهما ممن يخشى فساد ماله.  وقال النووى فى شرح مسلم:  ذهب  جماعة من الأئمة الى جواز الجمع فى الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة.  وهو قول إبن سيرين وأشهب من أصحاب مالك،  وحكاه القفال والشاشى الكبير من أصحاب الشافعى وعن أبى إسحاق المرزى وعن جماعة من أصحاب الحديث وإختاره إبن المنذر، ويؤيده ظاهر قول إبن عباس: أراد أن لا يحرج أمته فلم يعلله بمرض ولا غيره."[30]

هل يجوز الجمع تقديما أم تأخيرا؟

يقول بعض أهل الفقه أنّه إذا جاز الجمع يجب أن يكون جمع تأخير وليس جمع تقديم أى يجب تأخير الظهر الى وقت العصر ثم الجمع بينهما ولا يجوز فى نظرهم تقديم صلاة العصر لتصلى مع الظهر وحجتهم فى ذلك أنّ وقت العصر يسع ويتضمن وقت الظهر ولكن وقت الظهر لا يمتد الى العصر.  وهذا القول قول بلا دليل وهو تضييق على المسلمين فى رخصهم، وصاحب العذر قد تتاح له الفرصة لإقامة الصلاة جمع تقديم ولا تتاح له جمع تأخير وإذا منعناه من أداء صلاة العصر مع الظهر تقديما فسيضطر الى أداء صلاة العصر مع المغرب فى وقت المغرب، أو مع المغرب والعشاء فى وقت العشاء ، ونكون بذلك قد منعناه من الرخصة ورمينا به فى المنهى عنه بإتفاق العلماء.  ولهذا فإنّ الرأى الصواب هو أن يجمع صاحب العذر جمع تقديم وجمع تأخير وفقا لظروفه وصدق نواياه.

الإستعانة بأصول الفقه لتعميق فهم مسألة الجمع:

سوف نستعين هنا بقاعدتين من قواعد أصول الفقه لشرح مسألة الجمع شرحا أوفى وهاتان القاعدتان هما:

 القاعدة الأصولية الأولى: هى "أنّ التنصيص لا يعنى التخصيص".

يقول علماء  أصول الفقه: أنّ التنصيص فى كثير من الحالات لا يعنى التخصيص وهذه القاعدة تعتبر أساسا لمفهوم القياس فى الفقه الإسلامى.  ومقصد العلماء من هذه القاعدة أنّه إذا نص الله سبحانه وتعالى أو رسوله الكريم (ص) على تحريم شئ وسماه بإسمه فتلك التسمية لا تدل على أنّ الأشياء الأخرى التى فى درجة ذلك الشئ المحرم محللة لأنّها لم تذكر بالإسم.  ومثال ذلك قوله (ص): " من أكل ثوما  فليعتزلن، أو قال: فليعتزل مسجدنا وليقعد فى بيته."  فقال العلماء يقاس على الثوم أى شئ كريه الرائحة يؤذى المصلين.  فجعلوا الرئحة الكريهة هى الأصل الذى يقاس عليه والثوم المذكور فى الحديث مثالا لذلك.  ولا يعقل أن يعدد رسول الله (ص) أنواع وأسماء كل الأشياء والمأكولات التى تسبب الروائح الكريهة.  والجدير بالذكر هنا أنّ  رسول الله (ص) قد أوتى جوامع الكلم وهى القدرة على إدخال المعانى الكثيرة فى كلمات قليلة وهذه المقدرة تعتبر ذروة البلاغة.

وإذا أخذنا هذه القاعدة وطبقناها على موضوعنا هذا،  فسنقول إذا ذكر رسول الله (ص) عذرا واحدا  للجمع فهذا لا يعنى أنّ الأعذار الأخرى لا تستوجب الجمع.   وقد يكون عدم ذكر كل الأعذار نتيجة للبيئة التى تحيط بصاحب الخطاب وبالمخاطب على السواء،  فمثلا، هطول الثلوج وإنخفاض درجة الحرارة لثلاثين أو أربعين تحت الصفر وعواصف "التورنيدو" و"الهروكين" ليست من مناخ أهل مكة والمدينة حيث كان يعيش الرسول صلوات الله وسلامه عليه وصحابته الكرام.   وبالتالى لا يمكن أن نتوقع منه (ص) أن يذكر كل الأحوال الجوية والمناخية كأعذار لجمع الصلوات، ولكن يمكن أن نتوقع منه أن يخاطب الناس بمايعرفونه من أحوال الطقس كالمطر الشديد والوحل وشدة الحر.  وعندما يذكر المشرّع الوحل والمطر كأسباب لجمع الصلوات فى الجزيرة العربية يقابل هذه الأعذار أعذار أخرى فى النصف الشمالى من الكرة الأرضية تتمثل فى شدة البرد ووحل الثلوج وهيجان العواصف المدمرة وقصر وقت النهار فى الشتاء.  وهذه الأمثلة تثبت أن التنصيص لا يعنى التخصيص.

القاعدة الأصولية الثانية: "الأخذ بأخف الضررين"

يقول علماء أصول الفقه: أنّه يتوجب على الفقيه أن ينظر لمصالح الناس الدينية والدنيوية فيفتى بالحق وإذا قابلته مسألة يترتب عليها ضرر من جانبيها يجب عليه الأخذ بقاعدة أخف الضررين لأنّ درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.  فمثلا، إذا جاء طالب للفقيه وقال له إنّه مقدم على إمتحان طويل يبدأ من بعد صلاة الظهر مباشرة وينتهى بعد غروب الشمس بنصف ساعة تقريبا وقد جاء يسأل عن حكم صلاة العصر فى هذه الحالة، هل يصليها تأخيرا مع المغرب والعشاء أم يصليها مع الظهر تقديما؟ أم يصليها فى وقتها خصما على زمن الإمتحان هذا إذا سمح له بمغادرة غرفة الإمتحانات؟

هنا نجد أن الطالب إذا أخذ بالخيار الأول وهو أن يصلى الظهر ولا يصلى معه العصر جمع تقديم ثم يدخل غرفة الإمتحان وهو يعلم أنّ إدارة الإمتحانات لن تسمح له بمغادرة مكان الإمتحان قبل الفراغ منه، ولكنّه قرر فى نفسه أنّه سوف يخرج لأداء صلاة العصر مهما كلفه الأمر. ونحن نعلم أنّه لو خرج عنوة منع من الرجوع لمواصلة الإمتحان ، وبالتالى سوف يرسب هذا الطالب فى الإمتحان رسوبا محققا وليس ظنيا وذلك فى إطار السنن الكونية العادية.  وهذا الرسوب قد يتسبب له فى إعادة الفصل أو العام الدراسى ، وقد يتسبب له فى الفصل من الجامعة نهائيا.  ولا شكّ أنّه يترتب على هذا الرسوب إضاعة فرص أخرى متعلقة بالنجاح الأكاديمى مثل القبول للدراسات العليا ، أو فرص عمل فى نفس الجامعة ، أو منح تشترط نجاحا بنسبة معينة ...............الخ.  وكل هذه الأشياء من المصالح التى راعاها الدين.  وليس هذا الخيار مما يفتى به المفتى لأنّه يتسبب للمسلم فى مضار كثيرة لا يعلم عقباها إلا الله تعالى عالم الغيب.

ثانيا، أن يترك الطالب أن يصلى العصر مع المغرب أو مع المغرب والعشاء جمع تأخير، وهذا الخيار مخالف لإجماع العلماء الذين يقولون لا يجوز أداء صلاة النهار بالليل ولا صلاة الليل بالنهار. ولا يجوز للمفتى أن يفتى بمخالفة الإجماع إلا إذا كانت حجته أقوى من حجج المجمعين ويؤيده فى رأيه عدد كبير جدا من علماء عصره بحيث يعتبر رأيه إعادة نظر فى الأمر المجمع عليه سابقا.

أما الخيار الثالث والأخير هو أن يفتى المفتى للطالب بصلاة العصر مع الظهر فى وقت النهار جمع تقديم قبل الدخول لغرفة الإمتحانات. وهكذا يدخل الطالب الإمتحان شاكرا لله تعالى الذى يسر له الدين ورفع عنه الحرج وسوف يواصل إمتحانه مطمئن البال هادئ الأعصاب.

وإذا تأملنا هذه الرخصة نجدها لا تخالف القرآن ، ولا تخالف سنة مؤكدة ، ولا تفرط فى الدين من أجل الدنيا ، ولا تزهد فى الدنيا من أجل العبادة ، وفى الحقيقة نراها قد جمعت بين الدين والدنيا فى لطف ويسر.  وإذا تأملنا الفتوى الأولى التى تأمر الطالب بالصلاة فى وقتها ولو أدى ذلك لرسوبه فى الإمتحان، فهو قول لا يقره الدين ولا العقل المحض وهو فتنة للمؤمنين فى دينهم ودنياهم.  ولا شكّ أن الدين أمر أتباعه بأخذ الأخف من الأضرار ولا أحد يستطيع أن يقول بأنّ جمع الصلاة فى هذه الأحوال ضرر. والحقيقة هى أنّ  جمع الصلوات ليس فيه ضرر على الإطلاق كبيرا كان أو صغيرا، ولو كان فيه ضرر لما سمح به الله تعالى للمسافر وما حقّ لرسول الله (ص) الجمع فى الحضر بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير عذر يذكر، وما نحن بأحرص من الله تعالى ورسوله الكريم على هذا الدين فيجب أن نلزم الأدب وكتاب الله تعالى يذكرنا أن: ".لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة."[31] ويقول هو صلى الله عليه وسلم فى توجيهه لنا: "صلوا كما رأيتمونى أصلى."[32]

ويمكننا أن نقيس على مثال الطالب أعلاه كل الاحوال الأخرى فنقول للطبيب فى غرفة العمليات يجوز لك الجمع وكذلك لسائق سيارة الإسعاف إذا غلب عليه الظن بأنّه لن يتمكن من أداء الصلاة فى وقتها. وكذلك رجل المطافئ ومراقب برج الطيران يجوز لهم الجمع إذا لم يجدو من يحل محلهم فى توجيه الطائرات إقلاعا وهبوطا وإطفاء الحرائق.  وكذلك يجوز للعامل فى المطعم أن يجمع إن علم بالتجربة أنّه سيكون مزدحما فى وقت معين ولن يسمح له بأخذ راحة يتمكن فيها من أداء الصلاة. وكذلك تنطبق الفتوى على العامل فى المصانع الكبيرة التى تنظم وقت الراحة فى ساعة معينة تكون إجبارية لكل العمال وبالتالى يجد العامل المسلم نفسه ملزم بقضاء فترة الراحة فى ذلك الوقت المعين فيجوز له أن يجمع الصلاة إذا علم بدخول الوقت. ويقاس على ذلك كل العمال والموظفين الذين لا يملكون تنظيم أوقاتهم. وعلى العموم يستفيد من هذا الفقه كل من يتضرر من تفريق الصلوات فى ماله أو نفسه أو عمله، وكما قال الأمام إبن تيمية رحمه الله تعالى: "إنّ الجمع هو لرفع الحرج فإذا كان فى التفريق (بين الصلوات) حرج جاز (وقتئذ) الجمع، وهو وقت العذر والحاجة."[33]

والأمثلة كثيرة وما ذكرناه هو على سبيل المثال لا الحصر.  فعلى كل مسلم أن ينظر الى حاله ويكون صادقا مع نفسه وربه ويحرص على أداء الصلاة فى وقتها وقد يسرها الله تعالى لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا.

نهار الشتاء فى أوروبا و أمريكا :

إنّ نهار الشتاء فى أمريكا قصير جدا ومن التيسير على المسلمين أن تصلى المساجد العصر بعد صلاة الجمعة مباشرة وذلك لأنّ كثير من المسلمين يجد نفسه أمام وقت العصر قبل أن يصل مكان عمله راجعا من المسجد بعد أن أدى صلاة الجمعة وكثير منهم لا تتاح له الفرصة لأداء صلاة العصر بعد وصوله الى مكان العمل فيؤخرها الى بعد مغيب الشمس فيقع فى المحظور وهو إخراج الصلاة من وقتها النهارى الى وقت ليلى.  ولذلك من الحكمة وحسن الفقه أن تخفف  المساجد على المسلمين فى الشتاء بجمع العصر مع صلاة الجمعة ولو جمعا صوريا حتى ينتهى وقت الشتاء ويصير الناس فى متسع من الوقت فى فصل الصيف فيعملوا بالتفريق.

معنى تضييع الصلوات.

يقول الله تعالى : "ويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون"

إنّ السهو عن الصلاة معناه أن يتوفر الوقت للمسلم فيتلاهى عن الصلاة بأشياء أخرى ولا يصليها فى وقتها حتى يخرج وقتها أو يزاحم وقت الصلاة التى بعدها ، وهذا ما قاله رسول الله (ص) تحديدا عندما قال: { إنما التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت أخرى }.

 أما الذى لا يسعه الوقت أو لا يسمح له بمغادرة عمله لأداء الصلاة فليس من الساهين المضيعين لصلواتهم وفى هذا يقول الإمام إبن تيمية : "وأما جاز الجمع فالوقت (للصلاتين) واحد، والمؤخر ليس مؤخر عن الوقت الذى يجوز فعلها فيه. "[34]

أما صلاة الفجر بعد شروق الشمس فتضييع للصلاة بلا خلاف إلا أن يكون الإنسان فى نوم عميق لم تتخلله يقظة قط.   وحتى هذا العذر يصعب فى أيامنا هذه قبوله لوجود الساعات المنبهة والتلفونات وغيرها من الوسائل التى يمكن أن تستخدم فى التذكير بالوقت.  وعموما إذا صدق الإنسان مع نفسه فلن يجد عذرا يقدمه لعدم التمكن من صلاة الفجر فى وقتها المعلوم، وكل الأعذار تبقى واهية إلا فى القليل النادر. ومن تضييع الصلاة أيضا أن يدخل الإنسان صلاتى النهار مع صلاتى الليل كما ذكرنا سابقا. ونحن هنا يمكننا تقسيم وقت الصلاة لأربعة وحدات لغير أهل الأعذار الذين يجوز لهم الجمع ، وهذه الوحدات هى :

1-    أول الوقت ويمتد لساعة بعد الآذان إلا فى صلاة المغرب فيمتد لثلث ساعة

2-    الوقت المنفسح ويبدأ بعد إنتهاء أول الوقت. أى بعد إنقضاء ساعة من الآذان.

3-    وقت الضرورة ويبدأ قبل نصف أو ثلث ساعة قبل دخول وقت العصر ومغيب الشمس ، ومغيب الشفق الأحمر.

4-    وقت التضييع والسهو ويكون بعد فوات وقت الظهر ودخول وقت العصر، وفوات وقت العصر ودخول وقت المغرب ، وفوات وقت المغرب ودخول وقت العشاء، وفوات وقت العشاء ودخول الليل ، وفوات وقت الفجر وطلوع الشمس.

وهكذا رأينا كيف تساهل الإسلام فى أداء الصلوات جمعا ولكنه لم يتساهل فى فى أداء صلوات النهار بالليل ولا صلوات الليل مع صلوات النهار ولا صلاة الفجر بعد شروق الشمس إلا للنائم نوما عميقا جدا ولم يتخذها عادة.

ماذا عن التقاويم الزمنية التى تصدرها المساجد؟

إنّ المساجد تصدر هذه التقاويم لهدفين هما:

أولا، إعلام الناس بدخول وقت الصلاة

ثانيا، تنظيم وقت صلاة الجماعة فى المسجد فى وقت يلائم الأغلبية بعد دخول الوقت. (بعض المساجد تصلى بعد الآذان مباشرة وبعضها ينتظر 10 دقائق وآخر يصلى بعد 15 دقيقة من الآذان وهكذا)

إن الذى يجب أن يفهمه كل مسلم أنّ هذه التقاويم الزمنية منها ما هو موضوع وفقا لظواهر كونية واضحة و محددة يتحدد بها دخول وقت بعض الصلوات من غير إجتهاد بشرى.  فمثلا دخول وقت صلاة الفجر يعتمد على طلوع الفجر ووقت صلاة الظهر يعتمد على زوال الشمس من منتصف السماء، وصلاة المفرب تعتمد على مغيب الشمس.  وهنا نجد أن هذه التقويم تتبع وقت هذه الظواهر الطبيعية، أما بالنسبة لوقت صلاة العصر والعشاء فهو أمر  مختلف فيه وهو إجتهادى لا يعتمد على ظواهر معينة ولكن يجب أن يراعى فيه الترتيب ، فالعصر لا يصلى قبل الظهر ولا تصلى العشاء قبل المغرب. ولذلك يكون الإلتزام بالتقاويم فيما يخص صلاة الفجر والظهر والمغرب ملزم أما فى حالة العصر والعشاء فهو تقديرى وغير ملزم فيجوز للمنفرد الذى لا يجاور المسجد أن يخالف التقويم إذا فات على صلاة الظهر وقت كاف وكذلك إذا فات على صلاة المغرب وقت كاف وغاب الشفق الأحمر. وفى هذا تخيف لمن أراد أن يصلى العشاء وينام أو يصلى العصر ويخرج من غير أن يجمع وهذا نوع آخر من التخيف على الذى لا يجاور المسجد لأنّ الذى يجاور المسجد  ويصلى فى جماعة عليه الإلتزام بالوقت الذى تحدده الجماعة لأداء الصلاة فى المسجد أو غيره .

ماذا يعنى أنك تصلى؟

إنّ البديهيات العقلية والبراهين المنطقية تثبت أنّ إقامة الصلاة لا تزيد شيئا فى ملك الله تعالى وعدم إقامتها لا ينقص شيئا من ملكه أيضا!  ولكن بالرقم من ذلك نجد الله تعالى يقول فى كتابه الكريم: "وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق ولا أريد أن يطعمون"[35]  فاذا كانت الصلاة حسب البراهين العقلية لا تعنى زيادة فى ملك الله تعالى ولا نقص منه، فلماذا أمر الله تعالى الجن والإنس والملائكة والسموات والأرض بعبادته وإقامة الصلاة لوجهه ؟ وبعبارة أخرى ماذا يستفيد الله تعالى من هذا الركوع والسجود وغيرهما من العبادات؟

أولا، يجب على المسلم أن يعلم أنّ الذات الإلهية غنية عن من سواها، وكل ما سواها قائم بها معتمد عليها  مفتقر إليها. أما الصفة التى تتصف بها الذات الإلهية تتعلق  بموصوف ، ولذلك نجد بعض صفات الذات الإلهية الجليلة يتعلق بمخلوق ليتحقق الوصف. فإذا نظرنا لأسماء الله الحسنى نجد فيها كثيرا من الأسماء التى لا يمكن أن تتحقق إلا بوجود طرف آخر مغاير للذات خاضع لها. فمثلا، الإسم الغفار يتطلب وجود مخلوق يعصى الله فيستغفر فيغفر له.  والإسم الرّزاق يتطلب وجود مخلوق يحتاج للرزق، وكذلك الإسم الكريم والرحيم والوهاب وغيرها من الأسماء الحسنى التى تحتاج لمخلوق تتجلى فيه هذه الأسماء والصفات. أما بعض أسماء وصفات الذات الإلهية التى لا تحتاج لوجود مخلوق تتجلى فيه فيكون تجليها فى الذات نفسها.  فهى أسماء بالقوة كما يسميها علماء المسلمين، وبعبارة أخرى هى قدرات كمال لا بد لها من وجود فى صميم الذات وإن لم يظهر أثرها وجودا خارج الذات.  ومن مثل هذه الأسماء الإسم "القادر"، فهو قادر على الخلق وإن لم يخلق، و"القوى" فهو قوى وإن لم يبطش ويرفع ويخفض، و"المبدع" فهو مبدع وإن لم يصنع ويصور، وهكذا تكون بقية الأسماء التى هى قدرات لابد منها.

 ونحن إن فهمنا هذه المسألة نفهم أهمية الصلاة كشئ رمزى بالنسبة للأسماء والصفات الإلهية. فالذى لا يسجد للذات الإلهية هذا السجود الرمزى فهو فى الحقيقة يتنكر لهذه الذات الجليلة ولا يعترف لها بصفة الألوهية والربوبية وهذا عين الكفر ، إذ الكفر فى اللغة يعنى حجب الشئ وستره.  وكأنّ الذى لا يصلى يغطى ويدفن الحقيقة، والحقيقة هنا أنّ الذات الإلهية رب وإله وهذا حجر الزاوية فى التوحيد.  أما الذى يصلى فهو مؤمن ، والمؤمن فى اللغة هو المصدق فهو يصدق ما سمّت ووصفت به الذات الإلهية نفسها، وهكذا يمشى المؤمن مع طبيعة وحقائق الأشياء بينما يعاند الكافر هذه الطبيعة ويحاول دفن الحقائق.  ولهذا يكون المؤمن المصلى أوسع عقلا وأطيب نفسا وأعلم بحقائق الأمور من الكافر وإن كان عاصيا ، أو من المؤمن الذى لا يصلى جهلا وتكاسلا. 

وفى معانى الركوع والسجود فى الصلاة يرى الشيخ الأكبر محى الدين بن عربى أنّ الركوع يرمز لمقام محو صفات البشرية التى تحجب الإنسان من ربه، ومن مقام الركوع يستعد المؤمن للإنتقال لمقام السجود الذى يرمز االى فناء الذات الإنسانية.  وهذا الفناء  ليس فناءا ماديا وإنما فناء إرادة وشهود حقيقى للتوحيد ولهذا ثنى الله تعالى السجود تمييزا عن كل أفعال الصلاة، لشرفه فى حق العبد[36]   ويذهب إبن عربى فى تعربفه للسجود، الى القول بأنّ "السجود من كل ساجد مشاهدة أصله (الإنسانى) من ثلاث جوانب، هى:

-       سجود الجسم الى التربة التى هى أصله. (بمعنى أنّ السجود فى التراب يذكر الإنسان بأصله المادى.)

-       سجود الروح الى الروح الكلية التى صدر عنها. (بمعنى أن الروح فى حالة السجود تتذكر المصدر الذى خلقت منه.)

-       سجود السر لربه الذى به نال المرتبة.  (وهو السر الذى جهلته الملائكة فى جعل الإنسان خليفة.)

وبهذا يتحقق العبد الساجد من أنّه لا بقاء له إلا بوجود الأصل (والأصل يتكون من ثلاث شعب هى التربة، والروح، والتكليف)، وأنّه لا بقاء للعالم (ومن ضمنه الإنسان) إلا بالله والعالم يفنى ويبقى وجه الله .   وبسبب تميز مرتبة العبد القائمة على حقيقتين، إحداهما كلية والأخرى جزئية، فعليه سجدتان ويفصل إبن عربى نوع السجدتين قائلا: "فاسجد له من حيث كليتك، سجود العالم كله، فتجدك قد إستوفيت حقائق سجودهم فى سجدتك ..(السجدة الكلية).. واسجد له أيضا السجدة الثانية التى لا تعم وهو (سجود الإختصاص) فلا يناديك فى هذه السجدة إلا بما تختص به خاصيتك التى لا مشاركة فيها، ولا يقبل السجود الخاص إلا فى الصلاة، وهو سجود القلب، وسجود كل قلب على حد علمه، وعلمه على حد ما يتجلى له.[37]

 و الصلاة  كما يقول بن العثيمين وكل علماء السنة والشيعة لا تسقط عن الإنسان أبداً ما دام عاقلاً ،و قادراً أن يقيمها بأركانها وشروطها وواجباتها،  ويأتى منها ما قدر عليه ، ومهما عجز  الإنسان ومرض فهى  لا تسقط عنه ما دام عقله ثابتاً غير مغيبا.  وفى نفس الإطار قال المرجع الديني الشيعى آية الله العظمى السيد محسن الحكيم (تغمده الله برحمته) في كتابه (المستمسك):

" أعـلم أن الصـلاة أحب الأعمال إلى الله تعالـى. وهي آخر وصايـا الأنبياء (عليهم السلام)، وهي عمود الدين إن قبلت قبل ما سواها، وإن ردت رُد ما سواها.  وهي أول ما ينظر فيه من عمل أبن آدم ، فأن صحت نُظر في عمله وإن لم تصح لم ينظر في بقية عمله، ومثلها كمثل النهر الجاري فكما أن من أغتسل فيه في كل يوم خمس مرات لم يبق في بدنه شيء من الدرن ، كذلك كلما صلى الصلاة كفر ما بينهما من الذنوب. وليس ما بين المسلم وبين أن يكفر إلا أن يترك الصلاة.   وإذا كان يوم القيامة يدعى بالعبد فأول شيء يُسال عنه الصلاة فإذا جاء بها تامة وإلا زج في النار.  وفي الصحيح قال مولانا الإمام الصادق (عليه السلام): "ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة، ألا ترى إلى العبد الصالح عيسى بن مريم (عليه السلام) قال: (وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّاً) وروى الشيخ  في حديث عنه (عليه السلام) قال: "وصلاة فريضة تعدل عند الله ألف حجة وألف عمرة مبرورات متقبلات". وقد استفاضت الروايات في الحث على المحافظة عليها في أوائل الأوقات وأن من استخف بها كان في حكم التارك لها.  قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : " ليس مني من استخف بصلاته "، وقال: " لا ينال شفاعتي من أستخف بصلاته " وقال: " لا تضيعوا صلاتكم، فأن من ضيع صلاته حُشر مع قارون وهامان وكان حقاً على الله أن يدخله النار مع المنافقين" وورد: "بينما رسول الله (صلى الله عليه و آله) جالس في المسجد إذ دخل رجل فقام فصلى فلم يتم ركوعه ولا سجوده فقال (صلى الله عليه و آله): نقر كنقر الغراب لئن مات هذا وهكذا صلاته ليموتن على غير ديني" وعن أبي بصير قال: "دخلت على أم حميدة أعزيها بأبي عبد الله (الحسين عليه السلام) فبكت وبكيت لبكائها ثم قالت: يا أبا محمد لو رأيت أبا عبد الله عند الموت لرأيت عجباً…فتح عينيه ثم قال: أجمعوا كل مَن بيني وبينه قرابة، قالت: فما تركنا أحداً إلا جمعناه، فنظر إليهم ثم قال: "إن شفاعتنا لا تنال مستخفاً بالصلاة". ويروى صاحب كتاب طبقات الحنابلة أن الإمام أحمد بن حنبل قال: " إنما حظهم من الإسلام على قدر حظهم من الصلاة، ورغبتهم فى الإسلام على قدر رغبتهم فى الصلاة، فأعرف نفسك يا عبد الله ! وإحذر أن تلقى الله عز وجل ولا قدر للإسلام عندك ، فإنّ قدر الإسلام فى قلبك كقدر الصلاة فى قلبك "

فهل ياترى أنّ الذين لا يقيمون الصلاة إنكارا أو كسلا يفهمون هذه المعانى التى فهمها إبن عربى والحسين بن على (عليه السلام) والإمام أحمد بن حنبل غيرهم من علماء الأمة الأجلاء ؟

 [1] سيد قطب فى ظلال القرآن  ج3  ص 1631

[2] القرآن الكريم سورة البقرة آية رقم 217

[3] القرآن الكريم سورة ص آية 7

[4] القرآن الكريم سورة البقرة آية رقم 185

[5] القرآن الكريم سورة الحج آية رقم 78

[6] القرآن الكريم سورة البقرة آية 286

[7]  صحيح الإمام مسلم

[8] صحيح الإمام البخارى

[9] صحيح البخارى

[10] صحيحى البخارى ومسلم

[11] إبن القيم  الوابل الصيب  ص 16

[12] الإمام تقى الدين أبى بكر بن محمد الحصنى الشافعى ،    ص ؟؟

[13]  كفاية الأخيار   ج1  ص.  278-280

[14] إبن رشد المقدمات الممهدات   صز 185-186

[15] أبو بكر الجزائرى ، منهاج المسلم ص 321

[16] محمد محمود الصواف ، تعليم الصلاة ص 10

[17] عبد العزيز بن باز ، فتاوى مهمة  تتعلق بالصلاة  ص.89

[18] المرجع السابق ص. 92

[19] عبد العزيز بن باز  الفتاوى ج1 ص. 91

[20] عبد العزيز بن باز أحكام صلاة المريض وطهارته  ص. 17-19

[21] المقدمات الممهدات  ج 1 ص. 187

[22]   الفقه على المذاهب الأربعة ص. 148-150

[23] إبن تيمية  الفتاوى ج22 ص. 58

[24] المرجع السابق ج 22 ص. 89

[25] المرجع السابق ج 22 ص. 93

[26] المرجع السابق ج 22 ص 29

[27] المرجع السابق ج 22 ص. 89

[28] فتاوى إبن تيمية ج 22 ص. 28

[29] الإمام سيف الدين القفال ، حلية العلماء فى معرفة مذاهب الفقهاء.  ج 2 ص. 244

[30] السيّد سابق، فقه السنة ج 1 ص. 291-292

[31]  القرآن الكريم سورة الأحزاب آية 21

[32]  صحيح البخارى

[33] إبن تيمية  الفتاوى ج 22 ص.89

[34] إبن تيمية، فتاوى إبن تيمية. ج 22 ص. 89

[35] القرآن الكريم سورة الذاريات آية 57

[36] كرم أمين أبوكرم  حقيقة العبادة عند محى الدين بن عربى   ص. 170 -171

[37] المرجع السابق ص. 172 – 173