د. حسن بشير محمد نور – أستاذ الاقتصاد العام  ، جامعة النيلين – الخرطوم
ورقة عمل مقدمة لورشة حول الاستفتاء علي تقرير المصير وتداعياته- المركز العالمي للدراسات الافريقية- الخرطوم- يوليو- 2010م                                                 
المرجعيات الاقتصادية لتقرير المصير وأثاره المحتملة علي الاقتصاد السوداني

مدخل:
هناك العديد من الشواهد التي ترجح انفصال جنوب السودان الي دولة مستقلة ، بعد ان تم الاتفاق علي اجراء الاستفتاء الخاص بتقرير المصير لجنوب السودان و ابيي في يناير من العام 2011م . في هذا الوضع من المفيد البحث عن مختلف التأثيرات المتوقعة لانفصال الجنوب من عدة اوجه ، خاصة من حيث التأثير علي مؤشرات التنمية الاقتصادية و الاجتماعية. من الجوانب الجديرة بالاهتمام تأثير الانفصال علي مؤشرات التنمية  في السودان بشماله و جنوبه. اغلب الآراء الان ترجح انفصال جنوب السودان ، و هذا في حد ذاته لا يشكل مشكلة كبيرة ، اذا تم الاقتناع به و التسليم بانه امر واقع وحتمي و ان أي خيار اخر غيره سيؤدي الي نتائج اسوأ ، و اذا كانت تلك هي قناعة المجتمع الدولي بعناصره المؤثرة علي المستويين الاقليمي و الدولي . في هذه الحالة لابد من وضع الترتيبات و التدابير التي تعالج المشاكل التي عادة ما تصاحب الانفصال. تلك المشاكل بالتأكيد معقدة و تحتاج للوقت للتفاوض حولها و حسمها بشكل منهجي و نظامي يجنب البلاد - في حالة الانفصال- الوقوع في صدامات حول عدد من القضايا ، يمكن ان تكون لها تداعيات تتولد عنها عدد من المشاكل الفرعية بشكل يمكن ان يعصف باستقرار البلدين الناتجين عنه و يجرهما بعيدا عن الأهداف المرجوة من الانفصال . و هنا لابد من طرح سؤال حول ماهية الاهداف المنتظرة من الانفصال بالنسبة للجنوب او ابيي؟ ففي الوقت الذي لا يمكن النظر فيه الي الاستفتاء كهدف في حد ذاته ، وانما باعتباره وسيلة تؤدي الي غاية معينة. يبقي السؤال حول ماهية الغايات النهائية و أساليب تحقيقها محتاج الي إجابة. اذا تم الاحتياط لمآلات الانفصال ووضحت الرؤية حول مستحقاته ، يمكن عندها ان يحدث بسلاسة و سلام خاصة اذا صدقت نوايا ( المجتمع الدولي ) في المساعدة في اكمال تلك العملية بشكل سلمي. بهذا الشكل ،  ستصبح مشكلة ابيي اضافة لمناطق جنوب كردفان و جنوب النيل الازرق، هي الأكثر تعقيدا و خطورة علي الشمال و الجنوب و تبدو انها مستعصية علي الحل في حالتي وقوع خيارها علي الانضمام الي الشمال او الجنوب في حالتي الاستفتاء و المشورة الشعبية. هذه المسألة اذن تستحق التحوط لها و تقع بشكل كبير ضمن دائرة التأثير المباشر و العميق علي مؤشرات التنمية بمختلف إشكالها و مسمياتها و توصيفاتها و تصنيفاتها ، اضافة لكونها بذرة حرب. لا يمكن الفصل بين القضايا المتداخلة في قضية مثل تقرير المصير و هنا يجب فقط التركيز علي إي المؤشرات أكثر خطورة وجديرة بالاهتمام أكثر من غيرها.
المرجعية الرئيسية لتقرير المصير لجنوب السودان و منطقة ابيي هي اتفاقيات السلام الشامل و اهم ما جاء في الاتفاقيات المؤسسة للوحدة او الانفصال هي الجوانب المتعلقة بقسمة السلطة و الثروة ، بما يشتق منها من اثار علي نظام الحكم ‘ قسمة الموارد و إرساء أسس داعمة لاي من الخيارين المتاحين في الاستفتاء المزمع إقامته في يناير 2011م. ما يهمنا هنا هو مناقشة الجوانب ذات الارتباط بالعملية الاقتصادية و بالتالي ، ذات الصلة باتفاقية قسمة الثروة.
حسب المراجعات التي تمت فيما يختص بمرجعيات الانفصال استنادا الي القانون الدولي و القانون الدستوري و وفقا للسياق التاريخي و المقارنة بالتجارب الدولية ، اتضح ان معظم الآراء تدور حول ان علاقة الجنوب بشمال السودان هي علاقة إقليم بكيان دولة قائمة بالرغم من المشاكل المركبة بين ذلك الاقليم و السلطة المركزية. ظل جنوب السودان جزءا أصيلا من الدولة السودانية منذ العام 1998 و حتي نيل السودان لاستقلاله في الاول من يناير 1956م. في هذا السياق لم يعامل جنوب السودان ككيان منفصل او شخصية اعتبارية مستقلة في تاريخ الدولة السودانية . في السياق اعلاه فان حق تقرير المصير مطلب دخيل و جديد علي الممارسة السياسية و الدستورية في السودان تم تأسيسه من خلال مرارات الخلافات التاريخية بين النخب الحاكمة في الشمال و بين القطاعات التي تشكل الوعي الاجتماعي و النفوذ الواقعي و التاريخي في جنوب البلاد و جاءت اتفاقيات نيفاشا لتضعه كواحد من حسابات التسوية بين جزئي الوطن الواحد و إسكاتا لأصوات بعض النخب الجنوبية المهمة التي أصبحت تدعو الي انفصال الجنوب في دولة مستقلة. تأسيسا علي ذلك جاءت نيفاشا لتضع تلك الخيارات في سياقها الدستوري و القانوني اللازم النفاذ. هنا بالضبط تكمن خطورة الوضع الناشئ عن نيفاشا بإرساء سابقة يمكن البناء عليها لانشقاق أجزاء اخري من السودان و انفصالها في دولة مستقلة. من جهة اخري سيشكل ألانفصال حافزا للعديد من الحركات المسلحة في أفريقيا خاصة و ان موجات الهجرة و النزوح الناتجة عن الحروب تغذي ذلك الاتجاه. في المحصلة النهائية فان النزعة العقلانية لدي طرفي نيفاشا التي أدت الي الوصول لاتفاقيات السلام الشامل ستتحول الي فعل غير ايجابي و نزعات شوفينية يمكن ان تجهض جميع ايجابيات اتفاقيات نيفاشا و التي نعتبر من أهمها إيقاف الحرب و وضع السودان في طريق التحول نحو الديمقراطية و التنمية و استدامة الأمن و السلام.
تحاول هذه الورقة استجلاء بعض المؤشرات المصاحبة للاستفتاء حول تقرير المصير - خاصة في حال خروجه بنتيجة الانفصال- و مدي تأثيرها علي عدد من العوامل الخاصة بالتنمية الاقتصادية و الاجتماعية في مجمل البلاد بشمالها و جنوبها. كما تتعرض الورقة لبعض الجوانب التي تري ضرورة التركيز عليها من شريكي الحكم و القوي السياسية و المدنية الاخري في الفترة المتبقية قبل موعد الاستفتاء، في دعوة لتوسيع المشاركة في بحث هذا الموضوع الي اقصي مدي ممكن. تتبع الورقة مدخل الاقتصاد السياسي لتناول موضوع الاستفتاء و تداعياته المحتملة دون ان تستند الي بيانات إحصائية او نماذج تحليلية لان مثل تلك المتطلبات خارج سياق هذه الورقة و طبيعتها حسب المدي الزمني و الإمكانيات التي أعدت فيها و أتيحت لها لتناول المشكلة المعنية بالنقاش. إذن الورقة لا تعدو ان تكون، ورقة معدة لنقاش تدابير و تداعيات الاستفتاء  وفتح الأبواب الواسعة لتناول هذا الموضوع بالغ التعقيد و الذي يعتبر ذو أهمية مفصلية علي المستوي الوطني.

قسمة الموارد وفقا لاتفاقيات السلام الشامل
تم الاعتماد في تحديد السياسات الاقتصادية العامة ، و بشكل خاص السياسة المالية وفقا للمبادئ المنظمة لقسمة الثروة المنصوص عليها في اتفاقيات السلام الشامل و المتمثلة في:-
1- مبدأ المشاركة المتساوية في الثروة المشتركة
2- التقسيم وفقا لمستويات الحكم
3- تعزيز الحياة و الكرامة و الظروف المعيشية لكل المواطنين
4- نقل السلطات و لا مركزية صنع القرار
يهدف ذلك التقسيم الي:-
1- تمكين مستويات الحكم المختلفة من القيام بمسؤولياتها علي الوجه الأكمل وأداء وظائفها التنفيذية والقانونية
2- ضمان ترقية نوعية الحياة و رفع مستوي المعيشة دون تمييز و الوصول بمستوي المعيشية و مستوي الخدمات في الجنوب و المناطق المتأثرة بالحرب الي مستواها في الشمال(مستوي التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و مستوي الخدمات العامة)
3- اقامة تنمية متوازنة بحكم ان التنمية من حق جميع المناطق
وافقت الأطراف علي ان جنوب السودان و المناطق المتأثرة بالحرب تعاني من نقص خطير في :
1- القدرة علي أداء الوظائف الحكومية الأساسية
2- تأسيس الإدارة المدنية
3- اعادة تأهيل و تعمير البنية الأساسية المادية و الاجتماعية
تلك المباديء تصلح كاساس لبناء وحدة عادلة بين الشجنوب و الشمال الا ان مستوي التنفيذ كان ضعيفا نسبة لعدم التوافق و اتساع الشقة في التوجهات الحاكمة لطرفي نيفاشا مما قاد الي التشاكس المستمر بينهما الي ان ادركهما موعد الاستفتاء.

اعتمدت الاتفاقية مبادئ عامة لقسمة الثروة مقسمة الي أنواع معينة من الموارد التي تشكل المضوع الاساسي للتقسيم و هي:
أولا- الأراضي و الموارد الطبيعية:
وضعت هنا المبادئ الأساسية للتقسيم و تنظيم حيازة تلك الموارد و قد تم الاتفاق علي إنشاء مفوضية للأراضي للإشراف و التحكيم فيما يختص بالحيازات و التوزيع و الفصل في النزاعات, كما ان من مهامها متابعة إصلاح الأراضي و تقديم الاستشارات حولها لمستويات الحكم المختلفة.
هذا الجزء من الاتفاقية لم ينجز بالشكل المطلوب مما يجعل الموارد المرتبطة به معلقة الي ما بعد الاستفتاء. كما ان قسمة الاراضي و الموارد الطبيعية مرتبطة بترسيم الحدود.
ثانيا- موارد البترول :
تم التأسيس هنا لاقتسام عائدات البترول بحكم انها توفر القدر الأكبر من الإيرادات السائلة موضوع التنازع ( الثروة السوقية المتاحة). وضعت الاتفاقية اسس عامة تؤكد علي المصالح القومية ، مصالح الولايات -الأقاليم، مصالح السكان المحليين و مراعاة الجوانب البيئية . ثم اهتمت بعد ذلك بالجوانب الادارية و التنظيمية مثل ادارة مراحل الانتاج ، تدفق الاستثمارات الاجنبية ، حقوق الملكية و التعويضات و اقرت مبدأ المشاركة للمجتمعات المحلية و الاقاليم في التفاوض و التعاقد علي استغلال مواردها، الجديرة بالاهتمام . من الجوانب المهمة هنا هو ان الاشارة الي ( المجتمعات المحلية و الإقليم) المقصود بها المجتمعات و الأقاليم الصغيرة القابلة للتفاوض معها و بالتالي تم التخلص، من حيث المبدأ من الإهمال و التهميش للوسط المحلي، نسبة لضعف تأثير تلك المناطق علي اتخاذ القرار او لضعف تمثيلها في مستويات السلطة المختلفة وهو ما قد يؤدي الي تهميشها في قسمة الثروة. تم التأسيس لهذا المبدأ بناءا علي المعايير المتبعة  في الاقتصاد العام فيما يتعلق بتسيس المالية و الموازنة العامة و غيرها من أدوات السياسة المالية العامة.
تم الاتفاق علي قيام مفوضية قومية للبترول كمرجعية للسياسات الخاصة بتنمية و ادارة الموارد البترولية و تقويم  و تنفيذ السياسات الخاصة بها، اضافة لإعداد اللوائح  الخاصة بعملها. من ناحية اخري تم التعرض بشكل مفصل في هذا البند لنسب تخصيص عائدات البترول بين الأطراف المختلفة إضافة لتفصيل إجراءات عقود البترول. بالرغم من الاهتمام الكبير بعائدات البترول و آليات تقسيمها الا ان الجدل الأوسع احتداما يدور حولها منذ العام 2005م و حتي اليوم ، ذلك نسبة لأهميتها الكبيرة في المرحلة الانتقالية و لما توفره من عائدات كبيرة يتم الاعتماد عليها في الموازنات العامة علي مستوي الشمال و الجنوب، بالإضافة للتفاصيل الفنية الخاصة بالأسس المحاسبية و أساليب تحديد الأسعار. وقد تم الاعتماد علي صافي الدخل من البترول باعتباره:
1- صادرات البترول الحكومي علي أساس السعر الفعلي حسب ال (فوب ) ناقصا تكلفة النقل الي موقع التصدير و يتم تقويم الأسعار حسب (فوب) في آخر شهر ميلادي تم فيه عقد صفقات التصدير، كما تتم القسمة بعد الدفع لحساب تثبيت الايرادات و سداد نسبة ال2% للولايات\الأقاليم المنتجة للنفط بما يساوي 50% من صافي إيرادات النفط المستخرج من جنوب السودان   لكل من( الحكومة القومية و الولايات الشمالية) وحكومة جنوب السودان .
2- و إمدادات البترول الحكومي الداخلية حسب السعر الذي يتم اعتماده بالموازنة العامة.
ثالثا- العائدات غير البترولية:
تشتمل علي مختلف انواع الضرائب و الرسوم و يمثل هذا الجزء من الإيرادات العامة معظم الإيرادات الحكومية التقليدية خاصة في الدول المتقدمة اقتصاديا وذات التوجه الليبرالي التي تعتمد اقتصاديات السوق و تلجأ الدولة الي سياسة التوفير العام بدلا عن الإنتاج العام و ذلك لتوفير السلع و الخدمات العامة بمختلف تصنيفاتها .
في هذا المجال تم تقسيم السلطات في فرض الضرائب و الرسوم علي مختلف مستويات الحكم و هذا امر طبيعي في الدول ذات نظام الحكم الفيدرالي و لكن الجديد في اتفاقيات نيفاشا هو إضافتها لنظام مستحدث تزدوج فيه الاختصاصات بين الحكومة المركزية و حكومة الجنوب و بالتالي أصبحت هناك صلاحيات تخص الحكومة في الشمال بمختلف مستوياتها، و صلاحيات علي المستوي السيادي لمجمل السودان إضافة لمستوي آخر يتعلق بصلاحيات حكومة الجنوب بمختلف مستوياتها. تم تقنين كل ذلك في الدستور الانتقالي مما فرض هيكلة جديدة للمالية العامة في السودان منعكسا علي هيكل الموازنة العامة.
تعتبر مفوضية تخصيص و مراقبة الموارد ( حسب النص الأولي لاتفاقيات نيفاشا) المرجعية الأساسية المختصة بضمان شفافية و عدالة قسمة الموارد المالية إضافة لاختصاصها بمراقبة قنوات الإنفاق و الاستخدام الأمثل للموارد.
رابعا- تقسيم الأصول الحكومية:
لم تهتم الاتفاقية كثيرا بالخوض في تفاصيل هذا الجزء ربما لانعدام الأصول الحكومية تقريبا بالجنوب . لكن باعتبار ان الأصول العامة بما فيها البنيات التحتية  تعتبر أصولا حكومية فان الصمت عن تفصيلها يعتبر قصورا بينا من أطراف تلك الاتفاقيات , اذ تم الحديث عن قسمة ايرادات المواني  و المطارات مثلا و لكن لم يتم الحديث عن قسمتها او تخصيص هيئة لإدارتها و انما تم الاكتفاء بالاشارة الي ( في حالة النزاع تتفق الاطراف علي احالة الامر للجنة تضم ممثلا لكل طرف و خبيرا يتفقون عليه) و بالتأسيس علي الخلاف الناجم عن لجنة الخبراء الخاصة بحدود منطقة ابيي فان آلية التحكيم او فض النزاعات المشار اليها بخصوص قسمة الأصول الحكومية أثبتت التجربة العملية انها غير كافية و اكبر دليل علي ذلك ان الخلاف حول الحدود بين الشمال و الجنوب لازال قائما حتي اليوم.
هنالك جانب مهم في اتفاقية قسمة الثروة يتعلق بالسياسة النقدية و التي تشتمل علي ادارة الجهاز المصرفي و انظمة التمويل و الائتمان و سعر الصرف و اصدار العملة، و قد توصلت الاتفاقية الي نظام مصرفي مزدوج في سابقة تعتبر نادرة الحدوث ان وجدت اصلا. هذا الامر نتجت عنه جملة من الصعوبات العملية التي كان من الصعب تجاوزها خاصة مع اتساع نطاق العمليات المصرفية و التمويلية و مع اتساع نطاق الاسواق و التبادل التجاري و اتساع حركة رؤوس الاموال و وجود حدود يمكن القول ان لا سيطرة عليها من قبل السلطات السيادية كما ظهر الامر بشكل اكثر وضوحا بخصوص العملة. في هذا الشأن ظل بنك السودان المركزي يصدر موجهات سنوية حول السياسة النقدية في النظامين الاسلامي و التقليدي تتناول تفاصيل العمليات المصرفية بمختلف عناصرها . و من اهم ما تتناوله موجهات البنك المركزي الجوانب المتعلقة بضبط و تنظيم السيولة في النظام المصرفي المزدوج و استخدام الموارد بما فيها مصادر البنوك الإسلامية و التقليدية و مصادر التمويل بالنقد الأجنبي و تكلفته و صيغه ، إضافة لمجموعة من الضوابط الاخري ، يستنتج من ذلك سعي بنك السودان المركزي لتوفيق أوضاع السياسة النقدية وفقا لاتفاقيات السلام الشامل و هذه المسألة شكلت فجوة في السياسة النقدية لم تسد حتي الان.

قسمة الموارد و الايرادات وفقا لقانون تخصيص الموارد و الايرادات القومية:
واجهت الموازنات العامة ابتدأ من العام المالي 2006 بوصف موازنتة، هي الأولي التي يتم فيها اقتسام الموارد وفقا لاتفاقيات السلام الشامل بعدد من التحديات المتمثلة في عجز في عائدات الموارد البترولية بسبب تأخر الإنتاج ببعض المربعات  و توقف الإنتاج  في مربعات اخري . في نفس الوقت عانت الايرادات الحكومية من دعم سعر الخام المستهلك محليا بما يعادل 87,7 مليار دينار في العام المذكور كما تحملت الحكومة المركزية سداد فرق التحويلات الخاصة بحكومة الجنوب بين متوسط السعر العالمي و سعر البيع للمصافي المحلية . شكلت تلك الجوانب الفنية موضوعا للخلافات بين الشريكين منذ ذلك الوقت و حتي اليوم، كما أضفت الأزمة المالية العالمية التي تسببت في تراجع أسعار البترول في الأسواق العالمية مزيدا من التعقيدات الخاصة بقسمة الموارد البترولية. تم اتخاذ العديد من الإجراءات للتغلب علي تلك المشاكل تمثل أهمها في :-
-    العمل علي سد عجز الموازنة عبر التوريق المالي و ذلك باستخدام الصكوك الحكومية و استخدام عائدات حساب تركيز عائدات البترول.
-    تكثيف الجهود لاستخراج البترول من بعض الحقول و رفع كفاءة مصافي البترول و توسيع سعتها.
-    منع تجنيب الإيرادات من قبل المؤسسات الحكومية و ترشيد الإنفاق .
-    إتباع سياسات الإصلاح المؤسسي و المالي و التشريعي للشركات الحكومية.
وجدت معظم تلك التدابير انعكاسا لها في مشروع الموازنات للعوام اللاحقة للعام 2006م، إلا ان جميع تلك التدابير لم تنتج توافقا تاما حول قسمة الموارد بشكل يحد من الخلافات و يمكن من السير في طريق الوحدة.
بشكل عام تمت اعادة هيكلة الموازنة العامة في السودان ابتدءا من العام المالي 2006 حتي تستوعب متطلبات اتفاقيات السلام الشامل الخاصة بقسمة الثروة ، بناءا علي ذلك أخذ تبويب الموازنة الشكل آلاتي:-
الباب الاول: مخصصات الحكومة الاتحادية
الباب الثاني: تحويلات حكومة الجنوب
الباب الثالث: تحويلات حكومات الولايات الشمالية
مع ذلك تم وضع الهداف موحدة موجهة لأداء الموازنة العامة لحكومة الوحدة الوطنية و قد تلخصت أهم الأهداف في:
-    المحافظة علي وحدة و سيادة البلاد
-    تحقيق معدلات نمو موجبة و مستدامة للاقتصاد الوطني
-    المحافظة علي تحقيق مؤشرات الاستقرار الاقتصادي المعتمدة بالموازنة العامة
-    زيادة حصيلة إيرادات الصادرات غير البترولية
-    معالجة قضايا الإنتاج و تأهيل البنيات التحتية و زيادة الأنفاق علي القطاع الزراعي
-    التركيز علي برامج الأعمار و التنمية خاصة في المناطق المتأثرة بالحرب

وفقا للدستور الانتقالي لسنة 2005 تمت اجازة مشروع قانون تخصيص الموارد و الإيرادات لسنة 2006 و قد تم تحديد مكونات الموارد و الإيرادات القومية من:-
أ‌-    الإيرادات الضريبية و قد تم تقديرها للعام المالي 2007 ( كمثال) بمبلغ 735,5 مليار دينار
ب‌-    الإيرادات غير الضريبية و قدرت لنفس الفترة بمبلغ  1085,1 مليار دينار. وفقا لذلك القانون تم تخصيص الموارد والإيرادات علي النحو الآتي:-

- الحكومة القومية                                        1006,1  مليار دينار
- حكومة جنوب السودان                                 284,6 مليار دينار
- حكومات الولايات الجنوبية المنتجة للنفط            11,6 مليار دينار
- حكومات الولايات الشمالية                             499,5 مليار دينار
- حكومات الولايات الشمالية المنتجة للنفط              4,8 مليار دينار
- تحويلات اضافية لولاية جنوب كردفان                6 مليار دينار
- تحويلات اضافية لولاية النيل الازرق                6 مليار دينار
- تحويلات اضافية لمنطقة ابيي                          6 مليار دينار
بشكل تناسبي من المفترض ان يكون نصيب مستويات الحكم محددا بنسبة56,5% للحكومة القومية و 17,4% لحكومة الجنوب و 26,1% للولايات الشمالية . بناءا علي عناصر القسمة و الهيكلة الجديدة و الأهداف الواردة بالموازنة العامة تمت قسمة الموارد للعام المالي 2006 ، كما تم العمل بقانون تخصيص الموارد و الإيرادات ابتدءا من يناير 2007م .
بالرغم كل الجهود الرامية الي الوصول لتقديرات و واقعية و مؤشرات أداء اقرب الي الواقع الا ان مؤشرات الموازنة العامة قد تعرضت للانحراف عن الخط الموضوع لها بسبب تدني الأداء في العديد من قطاعات الاقتصاد السوداني الخاصة بتغذية الموارد و الإيرادات و ينطبق ذلك علي شقي الإيرادات المكونين للموارد الحكومية و هما: الإيرادات البترولية و الإيرادات غير البترولية الامر الذي دفع وزارة المالية للتدخل بإجراءات تصحيحية لمصادر الإيرادات و تمثل ذلك في زيادة أسعار الوقود و السكر و رفع فئة الضريبة علي القيمة المضافة، إضافة لجملة من التدابير الخاصة بضبط النفقات الحكومية و ترشيدها و محاربة نهج تجنيب الإيرادات من قبل العديد من المؤسسات الحكومية. تكررت تلك الإجراءات عدة مرات نتيجة لمختلف المستحقات الخاصة بالسلام و عدم وفاء المانحين بوعودهم.
من الناحية العملية واجهت مفوضية تخصيص و مراقبة الإيرادات المالية صعوبات كبيرة في تأدية واحدة من اهم وظائفها وهي تلك المتعلقة بضمان شفافية و عدالة توزيع الموارد المالية وفقا لاتفاقياتٍ نيفاشا و تحديد صيغ و معايير و أوزان الموارد لمستويات الحكم الثلاثة" الاتحادي، حكومة الجنوب و الولايات الشمالية" و لذلك تم تكوين فريق فني لاقتراح حلول للمشاكل التي تعترض تنفيذ الاتفاقيات الخاصة بقسمة الموارد ، الا انه من الواضح عدم توصل الشريكين الي تفاهم نهائي يحل معضلة مشكلة قسمة الموارد.
من اهم المشكلات الاخري التي واجهت تخصيص الموارد مشكلتين اضافيتين هما: المشكلات التي تواجه انتاج البترول و مشكلة عدم التزام المانحين بالتزاماتهم . يضاف الي كل ذلك اتساع دائرة النزاع في دارفور بعد اتفاقيات نيفاشا و دخول منطقة الشرق كعامل اضافي في تخصيص الموارد الامر الذي وسع من نطاق قسمة الثروة و تخصيص الموارد مما شكل أعباءا جديدة من حيث حجم التخصيصات و آليات توزيعها او من حيث العبء  الواقع علي المؤسسات ذات الصلة و قد انعكس ذلك علي مجمل الوضع في السودان و من المتوقع ان يجد انعكاسا في المفاوضات و المساومات اللاحقة الخاصة بتدابير الاستفتاء و الانفصال المرجح لجنوب السودان عن كيان الدولة السودانية الموحدة.
يتضح من الاستعراض الخاص بقسمة الموارد ان جميع البنود الواردة في قسمة الثروة تعتبر موضوعا لخلافات عميقة بين شريكي نيفاشا حتي و هما في حكومة واحدة ، فما هو الحال إذن بعد وقوع الانفصال الذي قد يترتب علي الاستفتاء. يستدعي الامر اذن التفاوض حول جميع البنود المتمثلة في الأراضي و الموارد الطبيعة ، الموارد البترولية ، العائدات غير البترولية والمقصود بها بشكل اساسي الإيرادات المالية من ضرائب و رسوم و أي إيرادات حكومية اخري، اما البند الرابع فهو الاصول الحكومية. و بما ان الايرادات البترولية تشكل الجزء الأكبر و الاهم من الموارد الحكومية الملموسة فسنتعرض لها بتفصيل اكبر.

الدور المحوري للبترول و مآلات توظيفه
لعب البترول دورا محوريا في تحفيز طرفي اتفاقيات السلام الشامل في تحقيق السلام و إيقاف الحرب المدمرة عالية التكاليف التي كانت تستنزف موارد البلاد المادية و البشرية. بحكم ان البترول ثروة سوقية جاهزة تتمتع بإغراء خاص فقد رغبت الحكومة في الاستفادة من عائداتها بشكل اكبر كما رغبت الحركة الشعبية لتحرير السودان في الاستحواذ علي نصيبها من تلك الكعكة الشهية ، و من هنا جاءت جاذبية السلام بديلا لخشونة الحرب. من جانب آخر فان مختلف أطراف المجتمع الدولي كان من مصلحتها استقرار المنطقة ، اما لرفع عائداتها من استثماراتها القائمة فعلا عبر التوسع في الإنتاج و تقليل تكاليفه ، او لإيجاد المدخل المناسب للوصول الي الموارد التي تزخر بها المنطقة. ولد ذلك الواقع روافع للسلام دفعت مختلف الأطراف الإقليمية و الدولية للمساهمة بشكل جاد في إبرام اتفاقيات السلام الشامل. ارتبط ذلك بمجموعة متداخلة من الحسابات السياسية و الإستراتيجية و الاقتصادية ادت الي جملة من التداعيات التي دخل بعضها في (شيطان) تفاصيل الاتفاقيات نفسها او في اشياء اخري غير ملموسة ربما من ضمنها الرحيل المفاجئ للقائد التاريخي و الشخصية الأكثر تأثيرا في محيط الحرب و السلام الدكتور جون قرنق دي مابيور.هذه الامور ليست بعيدة عن استنزاف موارد الدول النامية من قبل الدول الغنية بمختلف الأساليب ، و يعتبر ذلك من الأبعاد الدولية ذات التأثير الكبير علي عمليات التنمية في العالم الثالث التي يجب ادخالها في الحساب. لا يفوتنا هنا التنبيه اعتمادا علي مرجعيات التنمية الي خطورة الحروب و الصراعات الإقليمية والدولية علي عمليات التنمية بمفاهيمها المختلفة إضافة لارتفاع تكلفة الإنفاق العسكري الذي يستنزف طاقات الاقتصاديات الوطنية و الذي يبلغ أضعافا مضاعفة مما يتم إنفاقه علي التعليم و الصحة. من ضمن الجوانب التي يمكن مناقشتها كاثار للنفط و دور له في الوحدة او الاستقرار نشير الي الجوانب الآتية:
1-    اثر النفط علي التنمية البشرية:
من المفترض توظيف عائدات البترول بعد توقيع اتفاقيات السلام الشامل في إحداث تنمية بشرية باعتبارها من اهم الشروط اللازمة لرفع المستوي المعيشي للسكان و ترقية الجوانب الاجتماعية لزيادة الوعي و تفعيل المشاركة الجماهيرية في اتخاذ القرارات المصيرية. و اذا أخذنا أي مؤشر لقياس معدلات التنمية البشرية مثل المؤشر( Human Development Index) المعتمد من قبل برنامج الامم المتحدة الانمائي ( UNDP )، نسبة لتكونه من عناصر حيوية للقياس أهمها: ان يحيا الناس حياة طويلة خالية من الأمراض ( كمؤشر توقع الحياة عند الولادة) ، و العنصر الخاص بالمعرفة ( درجة الإلمام بالقراءة و الكتابة) ، و الحصول علي الموارد اللازمة لتحقيق مستوي لائق للحياة ( او مؤشر مستوي دخل الفرد)  . إذا أخذنا تلك المؤشرات كمقياس فسنجد ان الأثر الذي تركه البترول عليها محدودا في جميع المناطق المعنية بالاستفتاء او المشورة الشعبية الواقعة منها في جنوب السودان او في شماله في كل من ابيي ، جنوب كردفان و جنوب النيل الازرق. يعني ذلك أن عامل البترول الذي يعتبر الاقوي في الصراع بين شريكي الحكم لم يتم توظيفه بشكل جاذب للوحدة او حتي من اجل تحسين فرص خيارات المواطنين المشاركين في الاستفتاء او المشورة حتي تكون اقرب للرشد بدلا من ان يكونوا موضوعا للاستغلال في المزايدات السياسية بعيدا عن التنمية و تحسين شروط حياتهم. للتحقق من فرضية ضعف مردود التنمية البشرية في المناطق المعنية يمكن اخذ مستويات الدخول للعائلات ( Household) ، حجم الانفاق التنموي ، و الانفاق العام علي الصحة و التعليم. بالتأكيد اذا اخذنا تلك العناصر بشكل مطلق سنجد انها سجلت ارتفاعا ملحوظا و لكن في حالة أخذها كنسبة من الإنفاق الكلي او منسوبة للإيرادات البترولية التي تذهب لاي من الأطراف المعنية في قسمة الثروة فسنجدها في مستوي متواضع جدا ، خاصة في حالة مقارنتها بالإنفاق علي الأمن و الدفاع او نفقات الجهاز الحكومي .
2-    اثر عائدات البترول علي قطاعات الإنتاج:
اولا : الأثر علي القطاع الزراعي
بالرغم من القناعة السائدة في الأوساط الحكومية و علي المستوي المدني بضرورة توجيه جزءا معتبرا من عائدات البترول لتنمية القطاع الزراعي ، بحكم انه القطاع الرائد في الاقتصاد السوداني و الزاخر بموارد متجددة ضخمة و متنوعة مما يؤهل هذا القطاع للعب الدور الرئيسي في التنمية الاقتصادية و الاجتماعية في السودان، الا ان هذا الهدف و حتي نهاية الفترة الانتقالية ظل بعيدا عن التحقيق. يعود السبب في رأينا الي غياب استراتيجيات الواضحة المعالم التي تحظي بالاجماع القومي. كما ان التناحر المستمر بين شريكي الحكم لم يغيب البرامج التنموية المشتركة في هذا القطاع فحسب، و إنما ايضا عطل استغلال موارده المتاحة بسبب عدم الاستقرار الأمني ، لدرجة عوقت حتي القطاع التقليدي عن الإنتاج و تعتبر المجاعة التي ضربت أجزءا واسعة من الجنوب لنقص الأمطار في العام 2009م، دليلا واضحا علي ذلك. بالرغم من اتساع نطاق الدولة في الجنوب خلال الفترة الانتقالية بفضل الاتفاقيات التي أوقفت الحرب الشاملة هناك الا ان نطاق عملها من حيث تنمية القطاع الزراعي و تنمية البنيات التحتية و الخدمات ما زال ضعيفا جدا بحيث لم يؤثر بشكل ملموس علي مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي او حتى ان يقوم بتلبية الحد الادني من متطلبات الامن الغذائي. مع ذلك فقد ولد النفط لحد ما بدائل حسنت من البنيات التحتية و المستوي المعيشي بشكل رفعه لحد ما مقارنة بما كان عليه قبل اتفاقيات نيفاشا.
ثانيا: الاثر علي القطاع الصناعي
اذا استثنينا قطاع البترول بحكم انه يندرج ضمن الصناعات التحويلية فسنجد ان الاثر علي الصناعة كان صفرا تقريبا. هذا امر طبيعي اذ ان الصناعة تتطلب توظيفا كبيرا للأموال و قيامها علي قاعدة من البنيات التحتية و الخدمات ، القدرات البشرية و معدلات الطلب العالي و القدرة علي التسويق. و بالرغم من ان متطلبات التنمية الصناعية غير متاحة للجنوب و المناطق الثلاث في الوقت الراهن، إلا ان الشروط الممهدة للتنمية الصناعية لم تتم مباشرتها الا علي نطاق محدود جدا. نقصد بذلك البنيات التحتية ، الخدمات ، القدرات و المهارات و مناخ الاستثمار. لكن و بالرغم من وجود معظم انتاج البترول في المناطق المعنية الا ان القصور شاب حتي صناعة النفط نفسها من حيث المصافي ، توليد الغاز، بترو كيماويات و صناعة الأسمدة و غيرها من الصناعات المصاحبة لإنتاج النفط ظلت المنعدمة الا في حدودها الدنيا الضرورية للإنتاج.شكل ذلك نقطة ضعف كبيرة من حيث توظيف عائدات البترول في الجذب نحو الوحدة عبر بوابة التنمية.
ثالثا : قطاع الخدمات
هذا القطاع من اكثر القطاعات استفادة من البترول. ساعد في ذلك فتح منافذ مع الدول المجاورة خاصة كينيا وأوغندا. من جانب اخر شهدت الخدمات التجارية اتساعا ملحوظا خاصة في مدينة جوبا حاضرة الجنوب و قد شهد الجهاز المصرفي بشكل منظم العودة مرة اخري بعد غياب طويل.كما انتعشت لحد ما خدمات الاتصال و النقل بالنسبة للمسافرين و البضائع مما اعطي التجارة دور اكبر في النشاط الاقتصادي في الجنوب. من العناصر المهمة لانتعاش الخدمات في الجنوب فتح بوابات الاستيراد عبر المواني و المطارات القومية في السودان و من الممكن اعتبار هذه الأصول الرابط الاقوي بين الشمال و الجنوب بعد الأصول البترولية نفسها.
رابعا: اثر البترول علي التجارة الخارجية و ميزان المدفوعات:
ربما شكل البترول الأثر الأعظم له علي ميزان المدفوعات و تنشيط التجارة الخارجية و الداخلية بوجه عام. فبعد ان تم الحد من حجم الاستيراد علي الواردات البترولية تم تحرير قدر كبير من الموارد المالية لتتجه نحو تلبية الطلب علي حاجات اخري. من الملاحظ نمو حجم التمويل الأجنبي و ارتفعت عائدات الاستثمارات الأجنبية في عدة قطاعات اهمها بعد النفط كانت الاتصالات ، قطاع الإنشاءات و القطاع المصرفي. و بعد ان أضاف البترول رصيدا مقدرا لاحتياطي النقد الأجنبي انتعشت الحركة التجارية و قطاع الخدمات مما اثر بدوره علي مؤشر مستوي دخل الفرد الذي ارتفع الي ضعف ما كان عليه قبل البترول تقريبا. اتجه الميزان التجاري نحو الارتفاع الي ان سجل فائضا في العام 2007م قبل ان يتأثر بتداعيات الازمة المالية العالمية التي ادت الي تراجع كبير في حجم الاحتياطي المصرفي مما انعكس بشكل سلبي علي مجمل السياسة النقدية في السودان و علي الجهاز المصرفي بشكل خاص. أصبح ذلك الأثر يأخذ بعدا أكثر وضوحا خلال العام الحالي 2010م.

دلالة اثر العائدات البترولية علي الاستقرار بعد الاستفتاء:
يدل اثر البترول علي العوامل التي تم استعراضها ، علي الأهمية الكبيرة للصادرات البترولية في الاقتصاد السوداني. يدعم ذلك فرضية ان التوازن في مؤشرات الاقتصاد الكلي لا يمكن ان يتم في الوقت الراهن في غياب هذا القطاع الذي اصبح يمثل عصب الاقتصاد السوداني. يمكن الاستنتاج ان الانتعاش الذي حققه الاقتصاد السوداني و مستويات النمو التي يسجلها و الاستقرار الذي وصل حد الفائض في ميزان المدفوعات ما كان لها ان تتحقق في الفترة الانتقالية بدون المساهمة المهمة للبترول في دعم الموازنة العامة للدولة التي تشكل الرافعة الرئيسية ( الإنفاق العام ) لنمو الناتج المحلي الاجمالي و ارتفاع مستوي دخل الفرد. بالتأكيد الوضع لم يصل الي مستوي التأثير المطلوب علي مستويات المعيشة لأسباب توزيعية يعتبر أهمها عدم توظيف البترول في قطاعات الانتاج الحقيقي ، البنيات التحتية ، الخدمات العامة و دعم تنافسية القطاع الخاص الوطني. بالرغم من ان تلك المؤشرات هي الاهم لتحقيق تنمية اقتصادية و اجتماعية شاملة و مستمرة الا ان البترول قد وفر موارد ملموسة و علي درجة كبيرة من الاهمية للخزينة العامة و خفف بالتالي من اعتماد الإيرادات الحكومية علي الضرائب و الرسوم و الجبايات بمختلف انواعها، التي ظلت و لا زالت تشكل عبئا كبيرا يقع علي كاهل المواطنين. من جانب اخر فان تكاليف الانتاج و اسعار السلع الرئيسية تظل مرتفعة جدا بالمقاييس الاقليمية و الدولية كما ان معدلات التضخم لا زالت تواصل الارتفاع ، حتي في ظل الركود الاقتصادي المدفوع بآثار الازمة المالية العالمية ، الا ان البترول و بالرغم من كل تلك العوامل قد خلق وضعا اكثر ملائمة للنشاط الاقتصادي و توفير فرص للعمل و موارد للتمويل. و قد يعيب الكثير من المتابعين ارتفاع النفقات العسكرية ، الأمنية و النفقات علي الوظائف الدستورية و الإدارية لجهاز الدولة المتضخم ، بالرغم من صحة هذا الاتجاه الا ان الإنفاق علي تلك البنود في ظل الوضع الراهن، ما كان لها ان تنخفض بشكل نسبي و بالتالي فان عبئها كان سيشكل اثرا أكثر عمقا من حيث زيادة معاناة المواطنين من جهة و تراجع كفاءة الأداء في القطاع الخاص و نقص مكاسبه .
بناء علي ما تقدم فان انتاج البترول و تصديره في الواقع الذي فرضته اتفاقيات السلام الشامل حد من استنزاف اكبر للموارد المادية و البشرية في السودان. يلاحظ انه بالرغم من وجود البترول فان معدلات الفقر تسجل مستويات مرتفعة ، كذلك الحال بالنسبة لحالة مستويات المعيشة و تكاليف الإنتاج ، كيف اذن كان سيكون عليه الوضع بدون البترول؟ و في ظل الحرب؟
الاجابة علي تلك الاسئلة تدخل ضمن سيناريوهات الوحدة و الانفصال ، الحرب او السلام ، بمعني ان الوحدة تشكل الخيار الوحيد الأكثر رشدا من الناحية الاقتصادية. لكن في ظل الوضع الراهن و بقراءة متعمقة لمواقف شريكي الحكم فان الانفصال السلمي يشكل بدوره مكسبا مهما، لكنه يشكل من وجهة نظرنا الحد الادني الذي يمكن الوصول اليه ، ذلك لان أي سيناريو اخر سيكون عالي التكلفة بشكل لن يتمكن من تحمله أي من جزء البلاد ، الشمال او الجنوب.
السبب في ما ذهبنا اليه بشأن سيناريوهات الوحدة او الانفصال يعود الي كون السودان بلد هش في تركيبته الجيوبوليتكية و الاجتماعية، ما يشكل مزايا له مثل كبر المساحة و الأراضي البكر غير المستغلة و وفرة المياه و الموارد الاخري يمكن ان ينقلب بين لحظة و اخري الي ثغرات خطيرة قد تؤدي الي تفكك البلاد و اشعال نار نزاعات لا متناهية. طول الحدود يجعل حمايتها امنيا أمرا في غاية الصعوبة و مرتفع التكاليف. من هنا يمكن ان يأتي الاختراق ، في نقاط التماس و التداخل العرقي ، و يمكن ان يجعل من الدولة الوليدة في الجنوب ضعيفة و تحت رحمة القوي الإقليمية و الدولية التي تبحث عن مصالحها في المقام الأول و الأخير. يمكن لذلك ان يحدث ، ليس فقط في الحدود الجنوبية مهما كان الجار المتاخم لها و ليس بالضرورة ان يحدث ذلك كما هو متوقع في مناطق واسعة من النيل الازرق و جنوب كردفان ، و ليس بالضرورة ان يحدث في الغرب كما هو اليوم في حدود دارفور الكبري. انما يمكن ان يحدث ذلك ايضا في الشمال و الشرق. من سمات الموقف الهش اعتماد الاقتصاد السوداني علي روافع مكشوفة و سهلة الاصطياد مثل ميناء البحر الأحمر و السدود و الخزانات و الطرق الرئيسية ، وهذا أمر معروف لجميع المخططين الاستراتيجيين . بالتالي فان تلك الأصول القائمة علي قلتها الا أنها تشكل ركائز مهمة للسودان بشماله و جنوبه و تمثل عصبا حيويا للاقتصاد السوداني. كما ان تلك الاصول مضافا اليها منشآت البترول و خط الأنابيب الناقلة له ستظل هي الوحيدة المتاحة لاي نشاط اقتصادي او تجاري في الجنوب او الشمال لمدة ثلاث الي خمس سنوات علي الأقل ، بعد الاستفتاء مهما كانت نتيجته.
بالرغم من قناعتنا بان الموارد البترولية لم توظف بالشكل الامثل في التنمية و في تكثيف الاستثمار الزراعي و التنمية الصناعية ، نسبة لتكاليف الحرب التي تستنزف معظم عائدات البترول في القنوات الأمنية ، كما ان الجهاز الاداري الحكومي يمتص عائدات طائلة من الإيرادات تذهب للمسئولين الدستوريين في الخرطوم و جوبا ، للحكومات المركزية و الحكومات الولائية و المجالس التشريعية و المعتمديات و الجيوش الجرارة من الموظفين العموميين من أصحاب الامتيازات الضخمة. بالرغم من كل جبال الرمل تلك الا ان من اكبر نعم البترول علي السودانيين هي كف يد الدولة عنهم من ناحية المبالغة ، اكثر مما هي عليه اليوم بكثير، في الجباية.
في حالة خروج عائدات البترول او قسم كبير منها من الخزينة العامة سترتفع تكاليف الحياة اكثر و ستزداد اسعار الوقود، السلع الضرورية دون استثناء، سترتفع تكاليف العلاج و التعليم ، ستزداد فاتورة الكهرباء و المياه و لن يستطيع الكثيرون من الناس شراء حتي جوال من الفحم لان سعره سيرتفع فوق أسعار براميل النفط ، هذا اذا توفر اصلا. لن تجد الدولة عندها مخرجا غير فرض المزيد من الضرائب و الرسوم و بعد حين ستجف الأسواق و ترتفع التكاليف فوق أي مقدرة علي الربح. من هنا سيبدأ البحث عن بدائل. لا تستبعد السيناريوهات الدولية التي تناقش الوضع في السودان حالات اللجوء الي دول الجوار و ستبدأ مشاكل اخري في الظهور. فوق ذلك فان أسعار الأصول الخاصة في حالة عدم الاستقرار الأمني و النقدي و ارتفاع معدلات التضخم ستنخفض الي معدلات قاسية نسبة لعدم الرغبة في الشراء و إحجام الاستثمارات الأجنبية و تحويلات المغتربين.
هذا جزء مما يمكن توقعه ، لكن  فقدان الموارد البترولية ، اذا حدث فلن يتم في الشمال فقط و انما سيتضرر الجنوب ايضا الي حد بعيد. اضافة لعدم توفر خيارات فورية للتصدير عبر أي منافذ اخري غير التي تمر بالشمال ، فان اندلاع الحرب لن يؤثر علي الشمال فقط و انما ستمتد النار الي الجنوب و ربما الي مناطق ابعد. بدراسة السيناريوهات المطروحة لحالة الانفصال يمكن الاستنتاج بان تحكيم العقل و مراجعة المواقف أجدي اقتصاديا ، سياسيا و امنيا للجميع. من هنا افتراض ان أي صيغة عقلانية للتعامل مع استحقاقات اتفاقيات السلام الشامل بما فيها حق تقرير المصير ، ستكون اكثر فائدة للجميع علي الاقل في الوقت الراهن. من ضمن ما يمكن افتراضه ايضا في هذا الوقت هو اهمية التفاوض حول التصرف في عائدات البترول بعد الاستفتاء ، اذا تم الاصرار علي تنفيذه في موعده كما تشير بذلك كل الدلائل.
من ما يمكن التفاوض حوله إطفاء جزء مهما من الدين الخارجي الذي يبلغ الان بفوائده حوالي 35 مليار دولار. السبب في هذا هو ان استخدام الاصول العامة سيكون مشتركا ، اضافة الي ان اهم ما تم انجازه في السنوات العشرة الماضية هو استخراج البترول الذي استفاد الجميع ، في الجنوب و الشمال من ثماره ، غض النظر عن قنوات صرف تلك القروض او ما قامت به الحكومة الحالية قبل توقيع اتفاقيات السلام الشامل. يضاف لذلك ضرورة الإنفاق علي قسمة جديدة لموارد النفط المنتج في الجنوب ، بشكل مختلف عن ما هو عليه حاليا. يحتم ذلك مناقشة كيفية انتاج البترول و تكلفة إنتاجه و تصديره ، مرور أنابيب التصدير عبر الأراضي الشمالية و تصديره عبر المواني السودانية. لا يستثني من ذلك حقيقة ان معالجة النفط الخام بشكل يجعله صالح للاستخدام الداخلي تتم بشكل مؤثر في الشمال ، هذا إضافة للآثار المترتبة علي فقدان عائدات البترول التي اشرنا اليها سابقا و التي قد تشكل في حد ذاتها موضوعا خطيرا للنزاع بين طرفي البلاد.

نتائج الاستفتاء و مؤشرات التنمية:
توجد العديد من المؤشرات التي يجب اخذها في الاعتبار قبل اجراء الاستفتاء حول تقرير المصير لجنوب السودان و منطقة ابيي ، حتي لا يكون الاستفتاء مجرد عمل اجرائي الهدف منه فصل الجنوب عن الشمال بشكل متسرع دون مراعاة العواقب التي سيخلفها مثل ذلك العمل الخطير. من المؤشرات ما تحتاج ان يتم تناوله بشكل مؤسسي في أجهزة الدولة المختصة و منها  ما يمكن ان يتم من  قبل مؤسسات المجتمع المدني و القوي السياسية المختلفة في الجنوب و الشمال، في الحكم او المعارضة إضافة لإشراك الوكالات الحكومية المختصة و منظمات المجتمع المدني ذات الصلة بعمليات التنمية. ما يهمنا هنا هو المؤشرات ذات البعد الاقتصادي التنموي ، علي امل ان تجد الاهتمام الذي تستحقه مع اعتبارات الوقت الضيق المتاح لاي فعل سياسي ذي مردود ايجابي. هذه المؤشرات، يصلح كل منها ان يكون دراسة منفصلة لوضع خارطة طريق لمسار العلاقات المستقبلي بين الجنوب و الشمال و توفير الكثير من الجهد و الوقت و تجنب الخسائر المتوقعة من الانفصال علي الجانبين.

يتم هنا استعراض المؤشرات بشكل عام

من المؤشرات الجديرة بالدراسة  هي:
اولا: العوامل السياسية و التي لم تحظي بحقها من البحث بالرغم من صدور القوانين المنظمة للانفصال. تشتمل العوامل السياسية علي الخضوع لحكم القانون ، كفالة الحقوق السياسية و الحريات العامة ، و دراسة متغيرات النزاعات و الحروب السابقة و المتوقعة و أسبابها و إمكانية تجنبها او الحد منها. كان من المفترض ان يحدث ذلك قبل وضع القوانين و في سياق البحث عن جاذبية للوحدة المفترضة ، لكن ذلك لم يحدث مما يستدعي العمل بسرعة في هذا المجال لمعالجة الخلل في هذا المؤشر لأهميته في التأثير علي الموارد و كيفية استغلالها إضافة لوضع الأسس القانونية لجميع الموضوعات المختلف عليها ، كما تؤثر العوامل السياسية علي الحكومات و العلاقات المتبادلة بين الطرفين و علي الأفراد وهو ما يجب اخذه في الاعتبار قبل الاستفتاء.
ثانيا: العوامل الإقليمية و الدولية ، و هي عوامل معقدة تدخل فيها مشاكل الحدود و التداخل القبلي و تداخل المصالح الاقتصادية و التداخل العرقي ، يضاف إليها امتداد عناصر الموارد بين الجانبين ( الشمال و الجنوب ) و مع دول الجوار ، هذه العوامل تصلح ان تكون قنبلة موقوتة ضخمة يمكنها ان تحدث انفجارا يؤدي الي حريق علي امتداد الإقليم ، يضاف لذلك العامل الدولي بجوانبه السياسية و الاقتصادية و تأثيراته المختلفة. كما يشتمل هذا العامل علي قضايا مثل الديون، الاستثمارات البينية، قسمة الموارد، خاصة المياه و التعاملات التجارية الخارجية بمختلف أبعادها.
ثالثا:  العامل الديني و العرقي، يعتقد البعض ان الانفصال يمكن ان يخلق نوعا من التجانس الديني و العرقي في كل من الدولتين المفترضتين ، لكن ذلك احتمال بعيد عن الواقع ان لم نقل انه محض وهم لا أساس له. كل جزء يمكن ان ينفصل من السودان سيكون متعدد الأديان و الأعراق من البحر الأحمر الي أقصي غرب دارفور و من نمولي الي حلفا. اذن من المتوقع ان يشكل هذا العامل معوقا كبيرا للاستقرار مما يلحق ضررا بالغا بمؤشرات التنمية. من المفترض اخذ عامل الاختلاف الديني في حسابات الطرفين للتعامل المستقبلي مع الأقليات الدينية و الثقافية مع ملاحظة ان الشريكين لم يتوافقا حول الجوانب المتعلقة بهذا الموضوع فيما سمي ب (العاصمة القومية) ، يتم اخذ المؤشر الديني مع حساب البعد العرقي كواقع مكمل لصورة الاختلاف في الأديان و المعتقدات و الثقافة ، اكبر دليل علي أهمية هذا العامل أحداث العنف الدامية في الجنوب و الحروب في (شمال السودان) مع اتفاقيات ابوجا و الشرق و التي لم تنجح في انهاء الصراع بالرغم من دعمها بمزيد من قنوات التفاوض و المبعوثين الدوليين و المؤتمرات من كل نوع.
رابعا:  مؤشر السكان و الجنسية، خاصة في شمال السودان . شهد السودان في مختلف الحقب التاريخية موجات من الهجرة و النزوح إضافة لإعادة التوطين كحالة حلفا علي سبيل المثال . في نهاية الأمر اختلطت كل تلك المفاهيم مع بعضها في المكونات الإثنية للسودان و في الهيكل الديمغرافي للسكان بشكل من الصعب التمييز فيه بين المواطن الأصلي و المتجنس والتبس حتي الحق في الحصول علي المواطنة السودانية. هنا تنتج صعوبة حقيقية في تجريد جماعات سكانية معينة من جنسيتها السودانية حتي و لو كانت قادمة من خارج السودان الحالي فما بالكم في حالة حدوث انفصال. أنتج الحراك السكاني أنماطا معيشية و أشكالا من النشاط الاقتصادي ساهمت في الاستقرار الأسري و في عمليات التنمية و النمو الاقتصادي في السودان. الكثير من الأسر المهاجرة الي السودان او النازحة بسبب الحرب او لعوامل اقتصادية و غيرها استطاعت ان تحسن احوالها المعيشية وان تلبي احتياجاتها الأساسية في السكن و التعليم و الدواء و الغذاء و إقامة مشاريع او أعمال مختلفة الأحجام و الأهمية. بمسح بسيط للمهن في المناطق الصناعية و في المشاريع الزراعية ( مشروع الجزيرة كمثال جيد) و الأسواق و المواصلات وقطاع البناء والتشييد يمكن للمرء الوقوف علي تلك الأشكال من النشاط و طبيعة العاملين فيه. أسهم ذلك في خفض معدلات الفقر لتلك الفئات السكانية مقارنة بالذين لا زالوا في مواطنهم الأصلية او مقارنة بالمتأثرين بالحرب.  رفد كل ذلك قيما مضافة في الاقتصاد السوداني كما أضفي نوعا من التمازج السكاني حيث تختلط السحنات في كل مكان . من الصعب نزع كل ذلك النسيج بمختلف مكوناته و إنكاره بشكل تام. لا بد من التأكيد هنا علي ان المظالم التي وقعت في السودان لم تستثني فئة او عنصر ، مع الاعتراف بان هناك مناطق و فئات سكانية و عرقية تأثرت اكثر من غيرها بتلك المظالم و منها جنوب السودان، الا ان العلاج لا يأتي بالانفصال ، الذي يمكن ان تنتج عنه مظالم و مشاكل إضافية غير منظورة. يجعل ذلك العلاج الأنجع هو الاعتراف بما حدث و إيجاد الصيغ المناسبة لمعالجته برؤية جديدة لسودان موحد.
مع ملاحظة عدم وجود قانون واضح للهجرة و الجنسية في السودان، خاصة مع ظاهرة التجنيس المتبعة دون ضوابط صارمة في البلاد ، يأتي السؤال عن كيفية حل معضلة الجنوبيين المقيمين بشمال السودان الذين يملكون الحق الكامل في الجنسية السودانية؟ هل ينتظر منهم العودة الطوعية الي الجنوب في حالة الانفصال ام سيتم ترحيلهم قسرا ؟ ما هو اثر ذلك علي الشمال و الجنوب؟ و كيف يمكن توطينهم و إعاشتهم في الجنوب؟ هل هناك بيانات مفصلة عن أعداد الجنوبيين في الشمال؟ حسب بيانات الإحصاء السكاني فان عددهم في الخرطوم هو حوالي 250 الف مواطن ( من منَ تم تسجيلهم ) و هذا الرقم يعتبر متواضعا بناءا علي معطيات كثيرة. عموما هذا واحد من العوامل المعقدة في قضية الوحدة و الانفصال يبدو انه مهمل ايضا و بعيدا عن البحث مما يؤشر لخطورة الخلاف حول تقرير المصير . من الضروري مناقشة هذا العامل بشكل جدي في الحوار الدائر بين الشريكين حول ترتيبات الاستفتاء.
خامسا:  الهيكل و التنظيم الاقتصادي و المؤسسي خاصة في جنوب السودان، إذ يفتقر الجنوب للمؤسسات و الهياكل التنظيمية مثل افتقاره للبنيات التحتية. لكن الشمال لا يقع خارج دائرة الضوء الخاصة بهذا العامل من ناحية تأثير الوحدة او الانفصال علي الحجم الكلي للصادرات ، تأثر حقول النفط ، الجوانب الخاصة بالتعدين و مشاكل المياه ذات الأبعاد الخارجية ، الإقليمية و الدولية ، تؤثر كل تلك العوامل علي الاستقرار الاقتصادي و التراكم الرأسمالي  و الموارد. تكمن اهمية هذا المؤشر في تأثيره علي الأداء الحكومي بشكل مباشر في جوانب مثل الإيرادات العامة ، الإنفاق العام في مجمله وحجم الانفاق التنموي بشكل خاص. كما سيؤثر كل ذلك علي مناخ الاستثمار و التدفقات النقدية ، التطور النقدي ، الهيكل التمويلي للدولة ، التضخم و العمالة إضافة للجوانب الخاصة بالتنافسية ، بالأخص في جوانب تكاليف الإنتاج و الإنتاجية ناهيك عن الجودة.
اذا دخلنا في التفاصيل فسنجد ان المؤشرات التي تم تناولها مؤثرة لحد بعيد في مفاصل الاقتصاد السوداني ، بمعني انها لن تستثني مستويات الدخول ، التعليم ، الصحة ، معدلات الاستثمار و الأسعار ، نصيب الصادرات في الناتج القومي و هيكلها ، إضافة لتأثيرها علي عوامل مثل الانفتاح الاقتصادي و التجاري ، الشراكات التجارية الخارجية و انعكاس ذلك علي المستوي المعيشي و علي مستقبل التنمية في السودان.بالرغم من ان التجاذب السياسي الراهن و الصراع علي السلطة لا يترك مجالا للبحث او التقصي العميق في مآلات الانفصال و آثاره ، كما ان الاهتمام الان يقع بعيدا عن دائرة البحث الاقتصادي العميق ، لكن من الضروري التنبيه الي ضرورة الدراسة المتأنية و الدقيقة لتلك المؤشرات لآثارها العميقة علي مستقبل التنمية و الاستقرار في السودان غض النظر عن ماهية مصيره المرتقب بعد يناير 2011م.

الخاتمة
من اهم النماذج المتبعة في العالم لإنهاء الصراعات العنيفة وإشاعة الأمن الاجتماعي هي نماذج التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و تحسين حياة الناس و تقديم حوافز قوية لهم حتي يشكل أي اختلاف عنيف خسارة في المكاسب يتردد أي من الأطراف القيام بها. لكن المطلوب الان هو بداية السير في الطريق الصحيح خاصة مع اقتراب موعد الاستفتاء و الذي يمكن ان يزيد من أشكال الاختلاف العميق المؤدي الي قتال عنيف.لا توجد إجراءات ملموسة او ترتيبات كافية حتي الان من مختلف الأطراف المعنية بالمسار السياسي تساعد علي فهم طبيعة الخلافات و الأخطار المحتملة و الاتفاق علي وضع آليات للعلاج و التعامل مع المخاطر بمجرد ظهورها.
هنالك آراء تتحدث عن ثقافة العنف لكن تلك الثقافة يمكن دحرها او الحد من اثارها و تطويقها في أضيق حدود ممكنة بالتوسع في وضع مشاريع مشتركة للتنمية علي أن تراعيِ تلك المشاريع التوازن و اتساع مداها الجغرافي لتشمل جميع أنحاء الجنوب و المناطق المعنية بتقرير المصير و المشورة الشعبية و من المفترض ان تسير تلك التنمية في اتجاهين: أفقيا و رأسيا،حسب المفاهيم المحددة لذلك. عندما يستقر الإنسان و يضمن معاشه و تكون لديه أصول، مهما قل شأنها فانه يجنح الي السلم و يزيد تعاونه مع السلطات أي كان نوعها ، محلية او مركزية بدلا من الدخول في علاقة تناحريه معها وهذا امر يمكن استثماره لدعم الوحدة او التعايش السلمي في حالة الانفصال. تشير الكثير من الشواهد علي المستويين الدولي و الإقليمي الي ان هناك حالات من العنف و النزاعات قد تم احتوائها بمجرد استقرار الأمور و ازدهار النشاط الاقتصادي و توسع الأعمال و زيادة المكاسب ، عندها تم احتواء  النزاع و الصدامات المسلحة بين المواطنين و أصبحت التجاوزات في المعدل الطبيعي و ساد حكم القانون. من نافلة القول ان أول مستلزمات التنمية تقديم الخدمات الاجتماعية التي تزيد من درجة الوعي و تدمج المهمشين في المجتمع وتشجيع ثقافة السلام من خلال تكافؤ الفرص المصاحبة لمشروعات التنمية. لا يمكن لثقافة السلام ان تنتشر مع تفشي الفقر و الجهل و المرض، أي لا ثقافة للسلام بدون تحسين شروط حياة الناس و الانتقال بهم الي مستوي جديد من أسلوب الحياة بدلا عن ذلك الذي ينتج و يعيد إنتاج العنف، مثل نمط الانتاج السائد في معظم انحاء الجنوب وفي ابيي. قبل الاستفتاء لا بد من تكثيف تخصيص الموارد في التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و التواضع علي آليات مشتركة متحضرة لإدارة الاختلاف.
في إطار التناول أعلاه تستنج الورقة ان الوضع الأمثل و الذي يشتمل علي جدوي اقتصادية عالية يتمثل في وحدة البلاد،بالتالي فهذا هو الخيار الأكثر رشدا ، لكن اذا لم يعد ذلك ممكنا ، كما تشير معظم الدلائل و المؤشرات فمن المفيد للجانبين في الشمال و الجنوب التخطيط لمسار سلمي للاستفتاء الخاص بجنوب السودان و قبول نتائجه التي من المؤكد انها ستكون قاسية جدا لأحد الطرفين.
الخطر الأكبر الذي يواجه تلك العملية هو المحيط بالاستفتاء في ابيي و المشورة الشعبية لجنوب كردفان و جنوب النيل الأزرق. هذا ملف علي درجة عالية من الخطورة مما يستدعي حسمه بشكل نهائي قبل موعد كاف من تنفيذ الجوانب الإجرائية الخاصة بالاستفتاء و المشورة الشعبية.
تضع الورقة بعض الجوانب التي يجب التعامل معها في مسار المفاوضات الخاصة بترتيبات إجراء الاستفتاء و المشورة الشعبية أهمها:
1-    إعادة الاتفاق حول الجوانب المتعلقة بقسمة الموارد بجميع بنودها ، هنا من الضروري الوضوح حول ما يتعلق بالموارد البترولية ، الاتفاق حول استخدام الأصول العامة المتاحة في السودان بما فيها ، المواني ، المطارات، الطرق و الجسور ، السدود و الخزانات ، منشآت البترول و خطوط الأنابيب الناقلة له ، نري ان الاكتفاء بما ورد في اتفاقية قسمة الثروة غير كاف لتجنب الخلافات العميقة المؤدية للعنف. لذلك لابد من وضع تصور كامل لهذا الجانب.
2-    يمكن إعادة ترتيب الجوانب الخاصة بالموارد المالية و التنسيق بين الطرفين بإقامة نظام تفضيلي فيما يتعلق بالجوانب الخاصة بفرض الضرائب و الرسوم ، يشمل ذلك الرسوم الجمركية و الإعفاء المتبادل للسلع و الخدمات العابرة للحدود بين الشمال و الجنوب في حالة خيار الانفصال.
3-    الاتفاق حول التنسيق في الجوانب النقدية و تلك المرتبطة بالهيكل و التنظيم الاقتصادي و المؤسسي خاصة مع افتقار الجنوب لتلك الهياكل و المؤسسات و احتياج تكملة الإجراءات الخاصة المنصوص عليها في اتفاقيات السلام الشامل للكثير من الوقت و التكاليف. في هذه الحالة فان الاجدي اقتصاديا ، من وجهة نظرنا هو التعاون الوثيق بين الشمال و الجنوب حتي لا تؤثر تلك الجوانب سلبيا علي حجم الصادرات و ميزان المدفوعات بالتداعيات الخطيرة علي القدرة المالية للدولة و خلخلة مكانتها الإقليمية و الدولية و تحويلها الي دولة فاشلة بالمعني الدقيق للكلمة.
4-    من المهم كيفية التعاطي مع الديون الخارجية و ربطها بالبترول و الأصول العامة. باعتبار اتفاقيات السلام الشامل أهم انجاز علي المستوي القومي منذ الاستقلال ، و نسبة للدور الذي لعبه و يلعبه البترول في الاستقرار الاقتصادي و السياسي و الأمني ، و باعتبار ان الأصول المرتبطة به من أبار ، منشآت ، خطوط الأنابيب و مواني التصدير و منشآت معالجة المشتقات البترولية تشكل جزءا مهما من الأصول العامة في البلاد ، فمن المفيد إطفاء جزءا مهما من الديون عبر الإيرادات البترولية و الأصول المرتبطة بها، علي مدي زمني يتم الاتفاق عليه. في نفس ألوقت فان المنطق السليم يتطلب إيجاد معامل ما لتحديد مؤشر للتنمية المستدامة يتم استخدامه لصيانة الأصول البيئية التي تضررت جراء البترول و معالجة التلوث الناتج منه، يذهب جزء من ذلك المؤشر لمناطق الإنتاج كما يخصص جزء أخر لمعالجة اثر مد الأنابيب و مؤسسات معالجة الخام و مشتقاته.
5-    من الملفات المهمة التي يجب التعامل معها بحكمة،من وجهة نظرنا ملف المياه. هذا ملف من الخطورة فتحه او التفاوض حوله بشكل متعجل و بغير اختصاص دقيق ، بالتالي نري ضرورة التأني في هذا الشأن و ربط التفاوض حوله بالمصالح المشتركة لطرفي البلاد في حالة الوحدة او الانفصال.
6-    تشكل الجوانب المرتبطة بالجنسية و التوطين و إعادة التوطين محاور مهمة خاصة في حالة الانفصال. توجد أعدادا كبيرة من الجنوبيين المستقرين بالشمال منذ فترات زمنية مختلفة منها الضارب في القدم ، و بالرغم من ان قانون الاستفتاء قد أعطي الكثيرين منهم حق الاقتراع،الا ان نزعهم من نسيج السودان الموحد و الإلقاء بهم الي المجهول و إلغاء هويتهم سيسبب المزيد من التعقيدات و الخسائر الاجتماعية و النفسية و الاقتصادية التي لا تتوفر أي إمكانيات لتعويضها في ألمدي المنظور. يمكن لإجراءات الجنسية و المواطنة اذا تمت بشكل مستعجل و تعسفي ، واذا تصاحبت بروح من التشفي و الانتقام ان تحول الكثير من المواطنين الي ضحايا و بالتالي يمكن ان يستغلوا و يوظفوا بشكل لا يخدم مصلحة أي من الطرفين. يستنتج ان هذا واحد من الملفات الساخنة الذي يحتاج للبحث و الاتفاق حوله و تقديم التنازلات فيه لمصلحة جميع الأطراف.
7-    من المهم الوضع في الاعتبار مشاكل الحدود ، التداخل القبلي ،تعدد الأديان و الثقافات في أي من جزئي البلاد حتي بعد الانفصال،الذي لن تنتج عنه دولة متجانسة عرقيا كما يتصور البعض. اذا كان هدف أي من الأطراف التخلص من التعددية عبر الاستفتاء المؤدي عن الانفصال فمن الواجب التنبيه الي ان هذا الهدف غير قابل للتحقيق و من الاجدي التخلي عنه او الاستعداد لخيبة الأمل بعد الانفصال. يستدعي هذا المحافظة علي جميع ايجابيات الدستور الانتقالي الضامنة للحريات،التوجه الديمقراطي، حقوق الإنسان، اذ تعتبر تلك الشروط ضرورية للاستقرار الاقتصادي،السياسي و الأمن الاجتماعي.
8-     لابد من تجنب جميع العوامل المؤدية الي الهجرة و النزوح جراء الانفصال في حالة وقوعه، لان ذلك سيشكل بذرة خصبة لانتشار النزاع علي نطاق أوسع مما يحفز الانفصال للعديد من المناطق الاخري.
9-    فوق كل ما تقدم لا بد من طرح سؤال حول مصير الجنوب و الجنوبيين من قسمة (توزيع) السلطة و الثروة في حالة تصويتهم لخيار الوحدة، هل سيقعون تحت رحمة النظام السياسي القائم الان في السودان، الذي يعتبر غير مرض بالنسبة لهم أم أن هناك محفزات جاذبة علي هذا الخيار؟ لابد ان تكون الإجابة علي مثل هذا السؤال واضحة و مشتملة علي كامل الحقوق التي تتطلبها المواطنة الكاملة المبنية علي المساواة و بكافة الضمانات المطلوبة قانونيا و سياسيا و اقتصاديا. هذا امر مهم في الحوار بين الطرفين الذي يدور الان بميل واضح نحو ترتيبات الانفصال أكثر من اتجاهه نحو وضع ترتيبات تجعل الاستفتاء يتجه نحو خيار الوحدة.
يبدو ان الوقت قد أدرك السودان في واقعة الاستفتاء مما يرجح الانفصال بالنسبة للجنوب ، الا انه اذا توفرت ادني فرص لتجنب ذلك المصير  و مآلاته المجهولة فمن الأفضل استغلالها علي أكمل وجه ممكن لتجنب واقع مجهول يمكن ان يكون مظلما. بعد ان تم تشكيل سكرتارية مشتركة بين الشريكين لدراسة الملفات الشائكة المحيطة بالاستفتاء حول تقرير المصير و بعد الاتفاق علي ان تكون القرارات حول تلك الملفات (سودانية- سودانية) فإننا نوصي بعدم إهمال العوامل الإقليمية و الدولية المدفوعة بمصالح الجهات التي تقف من ورائها. سيكون الانفصال فرصة مواتية لجميع الأطراف الطامعة في ثروات السودان او التي تري في الانفصال فرصة تاريخية لتحقيق مكاسب نادرة الوجود و الساعية ايضا،ببعض الإجراءات و الترتيبات و الإغراءات لحماية مصالحها و أمنها القومي ، سيكون فرصة لتحقيق مكاسب تخدم مصالحها القومية،اذ لا يوجد ولا سبب واحد يجعلها تفضل مصلحة السودان،في أي جزء منه علي مصالحها الذاتية. لا وجود لنكران الذات او الشفقة وسماحة التعاون في العلاقات الدولية و إنما المصالح هي التي تحدد تلك العلاقات. هذا امر لا يجب ان يفوت علي رشد الممسكين بزمام اتخاذ القرار في هذا المنعطف التاريخي الخطير.

مراجع مختارة :

1-    اتفاقيات السلام الشامل، النسخة العربية،2005م.
2-    وزارة المالية و الاقتصاد الوطني،بيانات الموازنة العامة ، سنوات مختلفة،الخرطوم.
3-      الصندوق العربي للانماء الاقتصادي و الاجتماعي " النفط و التنمية في الدول العربية " ، المجلد 21 ، اعداد مختلفة.
4-     حسن بشير محمد نور ،تقرير المصير و مؤشرات التنمية، مجلة شؤون سودانيه ، العدد التجريبي ، الخرطوم ، مارس – ابريل ، 2010م.
5-    دستور السودان الانتقالي للعام 2005م.




hassan bashier [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]