عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. 
ظفرت في مكتبة مدبولي بالقاهرة خلال شهر أبريل المنصرم ، بنسخة من النص النثري الجديد والرائع "منسي: إنسان نادر على طريقته" للكاتب والروائي الكبير الأستاذ/ الطيب صالح ، منشورا في كتاب من إصدار دار رياض الريّس للكتب والنشر بلندن. وكنت قد قرأت من قبل نتفا من هذا النص منجمّة على صفحات صحيفة "الخرطوم" ، فوقر عندي أنّ الفرق بين قراءة العمل الإبداعي في شكل حلقات متفرقة ، وقراءته مكتملا ومجموعا في سفر واحد ، كالفرق بين من يطلب منه أن يحسو على الظمأ كوبا من الماء القراح بالملعقة في شكل جرع متقطعة "كنغبة عصفور بمنقار" كما قال الشيخ/ محمد سعيد العباسي ، وحال من يعب منه كفاحا حتى يرتوي.
أول ما لفت نظري في الكتاب لوحة الغلاف. وفيه تبرز صورة للمؤلف رسمها له الفنان "محمد حمادة" الذي أرجّح حدسا أنه غير سوداني. وللحقيقة فإنني قد أنكرت تلك الصورة لأول وهلة. إذ أنّ الانطباع الذي تركته لديّ هو أنّه صحيح أنّ فيها بعض ملامح الطيب صالح ، بيد أنّ فيها أيضا ، وبصورة واضحة، أثرا جليّا من الصورة النمطيّة عن الخصائص الفيزيقية للفرد السوداني كما هي متكونة عند بعض الناس. شيء يذكرك بصور الأشخاص السودانيين كما يبدون من خلال الرسومات الكاريكاتيرية في بعض الصحف والمجلات العربية. وليت دار (رياض الريّس) قد طلبت من أحد الفنانين السودانيين من أصدقاء الطيب صالح ومعارفه (إبراهيم الصلحي ، شبرين ، راشد دياب الخ) ، أن يصمم لها لوحة غلاف هذا الكتاب ، وأن يرسم لها صورة "أكثر واقعية" للطيب صالح. وهؤلاء الفنانون السودانيون هم قطعا ليسوا unreachable في زمان العولمة وثورة الاتصالات التي نعيشها الآن ، خصوصا وأنّ بعضهم مثل الصلحي وعثمان وقيع الله على سبيل المثال ، مقيمون في لندن.
أما الكتاب نفسه ، فإنه فعلا كما سبق للدكتور غازي صلاح الدين أن وصفه في كلمة بليغة له نشرت من خلال هذا الموقع ذاته ، من النوع ال unputdownable فما أن يشرع القارئ في قراءة الصفحة الأولى منه ، حتى يظل ممسكا بالكتاب حتى يأتي عليه عن آخره. وذلك بسبب سلاسة أسلوبه ، وطلاوة عباراته ، وحسه الفكاهي ، وأريحية الكاتب وإنسانيته في عرضه لملامح شخصية صديقه "منسي". لقد خلّد الطيب صالح من خلال هذا النص البديع صديقه "منسي" في الواقع ، كما خلّد أبو العلاء المعري من قبل صديقه الأديب الحلبي أبا الحسن علي بن منصور  المشهور بابن القارح في كتابه الذائع الصيت "رسالة الغفران" الذي يعد من أعظم الآثار الدبية على وجه الدهر.
وموضوع الكتاب هو باختصار سرد لأحداث ووقائع حقيقية تتعلق بحياة إنسان مصري الجنسية ، من ذلك الصنف من البشر الذي يقال عنهم أنهم غريبو الأطوار  eccentric . ولد في أسرة قبطية في بلدة "ملاوي" في عمق صعيد مصر ربما في أواخر عشرينيات القرن الماضي أو في أوائل الثلاثينيات منه. تعرف عليه الطيب صالح في لندن في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي أيضا أول عهده بالعمل في هيئة الإذاعة البريطانية ، فنشأ بينهما ود متبادل وصداقة كانت عجيبة هي الأخرى كذلك. ولما توفي هذا الرجل في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي ، فيما يبدو ، حزن الطيب صالح حزنا عميقا على رحيله ، فألف هذا النص الذي نحن بصدده: " منسي: إنسان نادر على طريقته! ".
يقول الطيب صالح في صدر الكتاب:
"في مثل هذا الوقت من العام الماضي توفي رجل لم يكن مهما بموازين الدنيا ، ولكنه كان مهما في عرف ناس قليلين ، مثلي ، قبلوه على عواهنه ، وأحبوه على علاّته. رجل قطع رحلة الحياة القصيرة وثبا وشغل مساحة أكبر مما كان متاحا له ، وأحدث في حدود العالم الذي تحرك فيه ، ضوضاء عظيمة. حمل عدة أسماء ، أحمد منسي يوسف ، منسي يوسف بسطاوروس ، ومايكل جوزيف. ومثّل على مسرح الحياة عدة أدوار ، حمّالا وممرضا ومدرسا وممثلا ومترجما وكاتبا وأستاذا جامعيا ورجل أعمال ومهرجا. ولد على ملّة ومات على ملّة. ترك أبناء مسيحيين وأرملة وأبناء مسلمين. حين عرفته أول مرة ، كان فقيرا معدما ، ولما مات ترك مزرعة من مائتي فدان من أجود الأراضي في جنوب إنجلترا ، وقصرا ذا أجنحة ، وحمام سباحة ، وإسطبلات خيل، وسيارة "رولزرويس" و "كاديلاك" و"مرسيدس" و "جاغوار" وماركات أخرى. وخلّف أيضا مزرعة من مائة فدان في ولاية "فرجينيا" بالولايات المتحدة ومطعما وشركة سياحة " أ.ه
لقد اختلف المتلقون والنقاد وحاروا نوعا ما في تصنيف هذا النص الجديد للطيب صالح. هل هو رواية؟ ، هل هي سيرة أو ترجمة لشخصية؟ ، هل هو نمط مبتكر من السرد الروائي؟ الخ. وقد سأل صديقنا الشاعر والدبلوماسي الأستاذ/ خالد فتح الرحمن المؤلف نفسه أثناء مقابلة أجراها معه عبر شاشة القناة الفضائية السودانية مؤخرا ، سأله عن رأيه في تصنيف نصه " منسي " فأجاب بصورة قاطعة بأن جميع الوقائع التي ورد ذكرها في ذلك النص هي وقائع حقيقية حدثت فعلا factual anecdotes .
أما عن شخصية "منسي" ، فإنّ هذا الرجل هو بحسب الانطباع العام الذي يكون لدينا نحن السودانيين خاصة نحو إخواننا المصريين بصفة عامة ، هو مصري نموذجي. فهو يجسد الصورة "النمطية أيضا" التي عندنا عن المصريين. إذ أنه جرئ ، ومتحدث لبق أو " منضمة " كما نقول بكلامنا ، وذكي ، و " تفتيحة " ، وفكه ، ومستهبل ، و"بتاع حركات" ، و "لايوق" ، و "عكليتة".
إنني بصفة خاصة لم أستطع أن أمنع نفسي من مقارنة شخصية " منسي " كما هو في هذا النص ، بشخصية " مرسي " التي جسّدها باقتدار باهر الفنان " محمد كامل " في المسلسل التليفزيوني الشهير " عباس الأبيض في اليوم الأسود " ، الذي ظل يعرض مؤخرا من على شاشات عدد كبير من القنوات الفضائية العربية. مع فارق أساسي هو أن قدرات " مرسي " الذهنية محدودة  وتكوينه الثقافي متواضع للغاية بالمقارنة مع " منسي " ، ولكن " طرطشة " هذا الأخير و " طقاشته " يجعلانهما سواء من حيث السمت العام. ولو قدّر لهذا النص أن يتحول إلى فيلم سينمائي في المستقبل ، فليس أنسب من " محمد كامل " لتأدية دور " منسي " ، طبعا مع مراعاة بعض الفوارق في الخصائص الجسمانية ، وهي أمور مقدور عليها فنيا وإخراجيا فيما أظن.
ذلك بأنّ محمد كامل ، فيما يبدو ، والشيء بالشيء يذكر ، قدير جدا في تجسيد أدوار الشخصيات التي تجمع بين روح الدعابة والاستهبال والوقاحة والصياعة و " الغلاسة " والإنسانية وطيبة القلب في وقت واحد. شيء يجعلك تحب مثل هذه الشخصيات لأنها تسليك وتضحكك بعد أن " تهرد كبدتك " و تفقأ مرارتك. ذاك نمط من الأداء الكوميدي المميز يذكر بأسلوب " توفيق الدقن " و " وحيد سيف " و " حسين الشربيني ". والشيء الغريب والمدهش حقا هو أنه مثل ما انتهت بمنسي " حلبسته " واستهباله إلى الهجرة إلى أمريكا ليعيش فيها عيشة المهراجات ، فإنّ " مرسي " أيضا يهاجر هو الآخر في نهاية المسلسل إلى أمريكا حيث يجاء به في مشهد داخل حانة أو كازينو في " شيكاغو " ، وسط ثلة من الأمريكيين السود وهو يلاعبهم " شختك بختك "!.
والآن فلنعد إلى محاولة تصنيف النص " منسي  للطيب صالح. وفي هذا الخصوص أود أن أقول إنّه على الرغم من أنّ المؤلف نفسه قد أكّد أنّ هذا النص يعكس وقائع حقيقية ليس فيها من الخيال حظ ، كما يشي بذلك ظاهر عبارته ،  إلا أنّ هنالك من الشواهد ما يحملنا على الاعتقاد بأنّ هذا النص هو في الواقع مما يمكن تصنيفه ضمن ما يسمى بالرواية السيرة ، أو الرواية الترجمة ، إذا صح هذا التعبير Biographical novel .
والرواية السيرة ، نمط من السرد الروائي يعمد المؤلف من خلاله إلى تقديم شخصية ما عرفها معرفة شخصية أو قرأ عنها. على أن تكون سيرة الشخص الذي تدور الرواية حوله مفعمة بالغنى والحيوية والعبر والتجارب والخصائص الإنسانية ذات الأبعاد المطلقة. وهذا النوع من الشخصيات هي عادة مما يطلق عليه نقاد الرواية ال Round character أي الشخصية القابلة للتطور ، بخلاف ما يسمى بال Flat character أي الشخصية المسطحة الباهتة. وفي الغالب ما تدور الرواية السيرة حول شخصيات معاصرة معروفة بدرجة كافية جدا خصوصا بالنسبة للكاتب ، كما يجوز أن يعرف عنها القراء والمتلقون معرفة ما كثيرة أو قليلة. وهذا هو الفرق بينها وبين الرواية التاريخية التي إنما تتناول وقائع وشخصيات تتطاول عليها الدهر ولم تتبق من ملامحها الذاتية إلا صور بعيدة غائمة ، على غرار ما فعل نجيب محفوظ في روايته " كفاح طيبة " التي حاول من خلالها بعث الحياة من جديد في بعض جوانب سيرة الفرعون " أحمس " الذي دحر الهكسوس وأجلاهم عن مصر خلال القرن السادس عشر قبل الميلاد ، وعلى نحو ما يفعل الكاتب الفرنسي المعاصر " كريستيان جاك " Christian Jacques في سعيه لبعث سير طائفة من شخصيات التاريخ المصري القديم عبر سلسلة من الروايات التاريخية والتي كانت من ضمنها – بالمناسبة – رواية عن مواطننا العظيم الملك بعانخي أو " بيي " الذي أصدر عنه كريستيان جاك رواية في حوالي عام 1998 بعنوان " الفرعون الأسود " Le Pharaon Noire .
هذا ، وخير الرواية السيرة ما كان صادرا عن احترام وتقدير و حب وتعاطف وجداني  من قبل الروائي مع الشخصية المعنية. ومن أصدق الأمثلة على هذا النوع من الروايات السيرة مما وقفت عليه أنا خاصة ، الرواية السيرة التي ألفها الكاتب الأمريكي الأسود المرحوم أليكس هالي ، مؤلف رواية " الجذور " ، عن الشهيد الحاج مالك شاباس الشهير ب " مالكوم أكس " رحمه الله رحمة واسعة.
وفي كلا النمطين من الرواية ، سواء التاريخية منها أو الترجمية ، فإنّ المؤلف يعمد إلى جعل وقائع التاريخ تبدو خيالية ، مما يضفي عليها المزيد من السحر والفن وهو ما يسمى بال Fictionalization of history . بمعنى أن يدخل المؤلف على الرواية السيرة تحديدا ، ما يسمى بالمنظور الروائي Novelist perspective. والواقع هو أنّ الروائي الفنان الحق ، لا يملك إلاّ أن يصنع مثل هذا الصنيع ، وإلا صار مثل المؤرخ أو الباحث العلمي المحايد. ذلك بأن " وعي " الفنان كثيرا ما يغلب على " حزنه " ، وفقا لما سبق أن أثرته في مقال سابق لي نشر في هذا الموقع المتميز حول متلازمي " الحزن والوعي " كما يصورهما المخيال السوداني في المقولة التقليدية: " فلان حزنان وواعي ".
إذاَ فإنّ الطيب صالح قد عمد إلى تدوين سيرة صديقه منسي على الرغم من أنه شخص ليس له من صفات البطولة أي شيء من منظور الفن الكلاسيكي ، بل هو قطعا أقرب إلى أن يكون Antihero من غمار الناس ، مثله في ذلك مثل " الزين " في رواية " عرس الزين " للكاتب نفسه.
أما حزن الطيب صالح فقد كان حزنا حقيقيا على فقد صديقه " منسي " ، وكان من نتاج ذلك الحزن العميق أن أبدع هذا النص الجميل وفاء لذكرى تلك الصداقة. وأما "وعيه" فقد تجلى من خلال تضاعيف النص نفسه في شكل استطرادات و "تخريمات" (على طريقة الجاحظ وعبد الله الطيب) ، وخواطر وشجون وتعليقات على الأحداث والأوضاع السياسية والثقافية والاجتماعية في السودان والوطن العربي والعالم بأسره ، إلى جانب إثباته لبعض آرائه وانطباعاته حول السياسة الدولية والأدب والفلسفة والنقد والتاريخ. يعبّر عن كل ذلك لا كما يعبّر الفيلسوف أو المؤرخ أو عالم السياسة أو عالم الاقتصاد أو الاجتماع ، ولكن كما يعبّر الروائي الأديب. وهذا هو بالضبط ما نعنيه بالمنظور الروائي.
يقول الطيب صالح في صفحة 67 من النص:
"لو كان لي من الأمر شيء لربطت العالم العربي كله ، من طنجة إلى مسقط ، ومن اللاذقية إلى نيالا ، بشبكة من السكك الحديدية مثل قطارات ال T. G. V. السريعة في فرنسا ، وقطارات ال Bullit في اليابان. الإنسان الذي كان يسير الشهر والشهرين بالبعير من صنعاء إلى مكة ، لماذا قفز فجأة لهذه الوسيلة الجنونية؟ ( يعني السفر بالطائرات) المطارات مهما بلغت ، تبدو شيئا مؤقتا. محطات السكك الحديدية لها طعم آخر وسحر خاص. المحطات الخلوية والمناظر المتنوعة. تعرف أنك قمت من مكان ووصلت إلى مكان. تنام وتقرأ وتصادف أصنافا من خلق الله. ليس مثل الطائرة. تغمض وتفتح فإذا أنت انتقلت من حال إلى حال. " أ.ه
قلت: هذه عبارة روائي فيها خيال وعاطفة ونوستالجيا وذاتية. ولا ينبغي أن تؤخذ بالطبع على أنها مثلا: " رؤيا لتعزيز التكامل الإقليمي في الوطن العربي على مستوى البنى التحتية " كما يقول الاقتصاديون والسياسيون. كما لا ينبغي أن نطالب قائلها بتقديم " الشروط المرجعية ودراسة الجدوى " الخ.
على أنّ في النص نفسه علاوة على ذلك ، عبارات أخرى لا يجوز أن نتعامل معها حرفيا وإنما هي من قبيل الخيال المحض والتزيد الفني الداخلين في نطاق " أعذب الشعر " في تقديري. فمن ذلك مثلا قول الكاتب في صفحة (71) يصف سيارة كان يمتلكها صديقه منسي في حال فقره: " سيارة " نصف عمر " أي نعم ، وحصل عليها "منسي" الله أعلم كيف ، أي نعم. ولكنها سيارة لها نوافذ وأبواب ، تصل سرعتها إلى مائتي كيلومتر في الساعة "... ولا أدري عما إذا كان من الممكن أن تصل سرعة سيارة " نصف عمر " في الواقع إلى مائتي كيلومتر في الساعة ، إلا أن يكون الخيال الخصب وحده هو الذي جعلها تصل إلى تلك السرعة المذهلة ، أو أن تكون طريقة " منسي " في القيادة وبما نعرفه عنه من تهور و " رواشة " قد خيلتا للكاتب تلك السرعة الكبيرة جدا. وقوله في صفحة (82) في معرض الحديث عن خريجي جامعة أكسفورد البريطانية: " شبان في العشرينيات من أعمارهم ، لا يميزهم شيء سوى أنهم ينتمون لتلك النخبة الحاكمة ، سيطروا على مصائر شعوب في الهند والسودان ونيجيريا وكينيا وفلسطين. وكان الواحد منهم يحكم رقعة أكبر من الجزر البريطانية ". إنّ هذا الوصف يطابق تماما وصفا للمفتشين الإنجليز بالسودان ورد بحذافيره في رواية الطيب صالح الشهيرة " موسم الهجرة إلى الشمال " ، وهي كما هو معروف ، رواية خيالية إلى حد كبير. ثمّ قوله في صفحة (98) وهو يصف فضول صاحبه " منسي " وتطفله: " لقد صحبني مرة إلى حفل استقبال أقامته سفارة من السفارات. لم يكن مدعوا بالطبع ، ولكنّه جاء هكذا ، وكأنه يظن أنه مدعو أصلا وبالفعل لكل الاحتفالات التي تقام لأي سبب وفي أي مكان على وجه الأرض. كأنه ضيف مستديم على مائدة الحياة! ". إنّ هذا الوصف الأخير بالذات ، المثير للخيال ، والمشحون بالسحر الذي تنبض به هذه العبارة الفنية الرائعة ، أو وصف آخر قريب جدا منه يذكرنا بعبارة مشابهة قيلت في وصف شخصية الزين في رواية " عرس الزين " للكاتب نفسه. وأخيرا قوله في صفحة (116) وهو يصف الصناديق المشحونة بالملابس النسائية التي " هرّبها " صديقه منسي في إحدى المرات عبر مطار بيروت على أنها " متاع دبلوماسي ": " حمل الشيالون صندوقين ضخمين ، كل منهما يزن أطنانا الخ " .. ولا أدري كيف حمل أولئك الشيالون تلك الأطنان ، وكم كان عدد أولئك الحمالين. هذه العبارة هي في تقديري من قبيل شطحات الأدباء وخيالات الروائيين فحسب. وهي ليست مقصودة بحرفيتها. ولعل من قرءوا رواية " عرس الزين " ، التي سبق أن سمعت الطيب صالح نفسه يقول عنها في بعض أحاديثه ، إن من الممكن تصنيفها ضمن تيار " الواقعية السحرية " ، بل إنها في زعمه سابقة تاريخيا لأعمال الروائي الكولومبي " ماركيث " وغيره في هذا الباب ، أقول لعل من قرءوا تلك الرواية يتذكرون قول الراوي وهو يصف أنواع وأعداد البهائم  التي ذبحت من أجل صنع وليمة عرس الزين: " نحرت الإبل ، وذبحت الثيران ، ووكئت قطعان من الضأن على جنوبها... الخ " .. هذه محض عبارة خيالية ، فنية ، فيها تهويل ومبالغة قصد منها التأثير على القارئ عبر هذه العناية الفائقة باللغة وحسن اختيار الألفاظ ، من مثل قوله " جنوبها " التي تحيل إلى التراث الإسلامي وخصوصا قوله تعالى: " فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر " الآية. وإلاّ فهل كان من المستطاع فعلا أن توكأ أفراد قطيع واحد من الضأن إلى جنوبها إلى جانب الإبل والثيران .. حتى ولو كان ذلك العرس عرس الخليفة هرون الرشيد على زبيدة بنت جعفر ، ولم يكن عرس الزين " الهلفوت "؟. ولكنّ خيال الروائيين يفعل أكثر من هذا.
هذا ، وكأنّ للقصة بقية ، أو كأنها حلقة من ضمن سلسلة من الحلقات. ذلك بانّه مكتوب على غلاف الكتاب: " الطيب صالح – مختارات – (1): منسي: إنسان نادر على طريقته!".