تقديم:
 قد يستغرب البعض لاعتقاده بغياب الجامع بين الساسة والديوك وذلك لأن ديوكنا لم تصاب بمرض السودانيين الأكثر تفشياً.. اقصد وباء الحديث في السياسة رغم أن الأغلبية من السودانيين – حتى الآن – لم تجد الفرصة في المشاركة العملية .. وأحب أن أطمئن هؤلاء بأن ديوكنا – والحمد لله – أعقل منا بكثير فما زالت تحترم نفسها وتنأى بها من دنيا السياسة .. ولكن ما أردت قوله؟ أن هناك خصائص مشتركة بين بعض الديوك وبعض الساسة كل في مجاله .. وللذين لا يريدون أن يأخذوا قولي هذا مأخذ الجد .. أقول لهم : لا تتعلجوا في الحكم وأرجوهم قراءة مقالي هذا بتمعن وبعدها قد يغير جلهم – إن لم أقل كلهم – رأيه ويتفق معي .. وسوف أتعرض لبعض نماذج الديوك والساسة لأدلل على صدق اعتقادي .. والآن .. باسم الله نبدأ:-
"الديك لاقط الحب :
يقول الشاعر  دجاجي يلقط الحب ويجري وهو فرحانا
   كأن عيونه خــــرز له في الشمس ألـوانا
وقطيع الدجاج لابد وأن يتكون من الجنسين : إناث هي وديوك .. وهذه المجموعة لا يهمنا أمرها كثيراً إذا أن حالتها تشبه حالة بقية خلق الله العاديين الذين يهلكون يومهم جرياً وراء لقمة العيش والتقاط ما تيسر من حب وغاية ما تتمناه أنفسهم أن يجدوا – ولو بعد معسرة – بعض الحب .. ونجدهم في حالة فرح وحزن دائمين .. .. فهم فرحون إن وقعت عيونهم على حبة ولكن عليهم مسحة حزن لعلمهم مسبقاً أن دوام الحال من المحال .. وهم فرحون إن كفت الماسورة من الشخير وجادت بقليل من الماء ولكنه فرح وقتي فلا بد أن تعود الماسورة إلى شخيرها في ساعة ما .. كما أنهم فرحون إذا نساهم يومهم ذلك جماعة الإدارة المركزية ولم ينقطع الإمداد الكهربائي ولكن نسيان الإدارة لن يطول .. وأمثال هؤلاء لا ينجبون – في العادة – ساسة بل يقتنعون أنفسهم ويقتنعون إن استطاعوا تكرار تجربة أسلافهم وتكاثروا على سنة الله ورسوله وخلفوا من يحافظ على أسمائهم ووظائفهم الهامشية. 
* ديك البطانة:
 البطانة هي أرض الرعاة الرحل من أولاد "أبو سن" وأولاد "أبو جن" هي مراتع الجمال والغزلان .. هي حاضنة الدوبيت والمسادير .. هي ملهمة الحاردلو وبطبيعة الحال لا تخلو البطانة من ديوك ولكن ديكها الذي اكتسب الشهرة هو ذلك الذي أخذه صاحبه ليبيعه في المدينة ولكن يبدو أن الصفقة لم تتم فعاد به .. ومنها جاء المثل "ديك البطانة الدخل المدينة مدلدل وخرج منها مدلدلاً" .. لم ير فيها إلا سواد الإسفلت ولم يشم منها إلا رائحة أوكسيد الكربون المنهمر من "عوادم" السيارات .. ويضرب مثلاً للشخص الذي يجد نفسه وسط جماعة أو أحداث دون أن يعرف من أمرها شيئاً.
 وأمثال ديك البطانة وسط الساسة لا تحصيهم مصلحة الإحصاء .. وإذا سألت النائب منهم عما دار في جلسة البرلمان الأخيرة .. كان رده برهاناً ساطعاً بأن صاحبنا أما أنه كان متغيباً عن الجلسة .. أو أن هواء المكيفات الباردة أغراه "فدقس" أو أن الموضوع كله كان خارج إطار مقدراته العقلية فهو يسمع ويرى ولكن لا يفهم .. وهولاء الساسة لا شك يشبهون ديك البطانة لدرجة التطابق.
* ديك العدة :
 أظن أن الكل يعرف هذا الديك سيء السمعة الذي يحصر ربة المنزل في زاوية ضيقة ولا يترك لها إلا خيارين .. فديك "العدة" إن نهرته طار إلى أعلا وسقط ليحطم جزءاً من الأواني.. وصوت تكسر الأواني يزيده جنوناً فيستمر في القفز والهبوط ولا تهدأ ثورته إلا بعد أن يأتي على كل الأواني ويهشمها تهشيماً .. وإن أنت تركته لحاله فلا شك بأن ربة الدار سوف تحتاج لعدد وفير من أحدث منتجات مصانع مركبات تنظيف الأواني .. لأن هذا الديك "العرة" لا يشعر بحاجته لقضاء الحاجة إلا على صحن صيني يلمع أو غطاء قدر مفتخر .. فهو في الحالتين لا يصلح ولكن أخف الضررين أن تتركه وتستعين ربة المنزل بالله وتستعد ليوم طويل مرهق من النظافة.  
     وأمثال هذا الديك كثر وسط قبيلة الساسة .. فإن هم تبواءوا أماكن قيادية وجلسوا على سدة الحكم عاثوا فساداً ولوثوا المكان بقاذورات الكير أطيب منها رائحة .. وإن طلب منهم التنحي نتيجة أعمالهم "المهببة" كانت النتيجة إعصار يهدم المؤسسة ويأتي على كل شئ جميل ولا يترك صاحبنا الموقع إلا بعد أن يحيله إلى أرض بلقع .. وكأنه يتبنى شعار الأطفال المحرومين من المشاركة في لعبة "الدافوري" " يا فيها.. يا .. "فيها"..
*  الديك أبو حبل:
يقال أنه وفي قرية ما عاشت امرأة بلهاء تفوق هبنقة في العبط .. قررت تلك المرأة أن تربي ديكاً ولكي تتعرف على ديكها من بين قطعان الدجاج صنعت له حبلاً أنيقاً من الحرير الأحمر وربطته على رجل الديك.. ولأن أولاد الحرام ما خلوش لأولاد الحلال حاجة كان أحدهم يتربص دوماً بالديك .. وعندما يطمئن بأنه – الديك – قد أصبح مكتزاً لحماً وشحماً يقوم هذا الشقي باحضار "كتكوت" هزيل لا يستطيع المشي إلا بصعوبة دع عنك "الجري والطيران" .. ويقوم بحل الحبل من الديك الأول ليربطه على رجل ديكه المنحول .. والغريبة أن المرأة البلهاء تصر بعد ذلك على أن الكتكوت الأعجف هو ديكها الأصلي ودليلها على ذلك الحبل المربوط على رجله.
هل تعرفتم الآن على الساسة الذين تنطبق خصائصهم مع خصائص الديك "أبو حبل"؟ .. إنهم أولئك الساسة الذين لا يبدلون برامجهم ومواقفهم فقط بل يبدلون حتى جلودهم وذواتهم .. بالرغم من ذلك يطمعون أن يحولوا الشعب إلى امرأة بلهاء تعتقد أن الديك هو نفس الديك ما دام الحبل لا زال يزين رجله.. والحبل هنا قد يكون الحزب .. أو مجرد اسمه.
ملحوظة : الغريب أن بكوستي مسجداً يسمي جامع الديك أبو حبل ولا أدري من أين جاءت هذه التسمية.
ديك الهايفات:
أن نصف امرأة بأنها هايفة فهذه منقصة وأي منقصة.. والمرأة الهايفة هي تلك التي لا تكف عن "الكواسة" وقل وندر أن تجدها قابعة بدارها رغم إن التقاليد السودانية تمجد أختها الأخرى : بت اللبيب عبد الله لا حامت فريق لا جالست خلق الله .. كما يصفها الشاعر المعجب .. والآن ما هو ديك الهايفات .. يقال أن الديوك العاقلة لا تصيح قبل انقضاء الثلث الأول من الليل .. ولكن ديكنا هذا – يبدو أن ساعته مقدمة – يصيح بعد صلاة العشاء مباشرة .. وفي تلك اللحظات تكون الهايفات من النساء قد إجتمعن في مكان ما "وهاك يا نقة" .. وعندما يباغتهن صياح الديك ويقطع حبل "طق الحنك" يعتقدن أن الليل قد تقدم فيتصايحن سجمنا الديك "عوعا" .. الليلة الرجال بورنا المكشن بلا بصل .. وهكذا يتفرق الشمل وينقض السامر نتيجة انذار كاذب .. وعليه سمي هذا الديك بديك الهايفات.
بالله عليك كم مثل هذا الديك قابلنا وسط ساستنا .. وفي هذه الأيام بالذات فهنالك سياسي صارت سمعته الأساسية إطلاق التصريحات المتعجلة والتي من آثارها ليس "فركشة" مجلس الهايفات بل قد تؤدي إلى فركشة حزب الحكومة .. والله ورسوله أعلم .. وكل ما نستطيع أن ننصح به أنك إن كنت في مجلس سامر عامر فحذارى أن يخدعك صياح ديك الهايفات.
* ديك سعاد المشاتر :
من منكم يدعي أنه رأى ديكاً يغط في نوم عميق على حبل الغسيل والشمس في كبد السماء؟ من قال أنا فأظنه قد كذب إلا إذا كان من قرية مريحلة .. لأن أنا الآخر لم اشاهد ديكاً غير ديك سعاد المشاتر يقوم بهذه المغامرة .. وهل صحا أحدكم في الثانية صباحاً ليفاجأ بديك يجري بنشاط يحسد عليه متنقلاً من مكان لآخر أو "ينقد " في بقايا بطيخة كانت ضمن عشاء أهل البيت! أيضاً أظن أن هذا الشرف لم ينله إلا من كان من قريتنا وشاهد ديك سعاد المشاتر .. باختصار فديك سعاد يقوم بالأعمال غير المتوقعة في الأوقات غير المتوقعة.
هل تعرفتم على ديك سعاد وسط الساسة؟ نعم أنه أمثال هذا الرجل بالضبط .. تجمع الأحزاب التي لها تاريخ على مقاطعة التوالي فيتوالي الرجل .. يكون التجمع قد حزم أمره محاولاً أن ينازل الحكومة وهو موحد الصفوف فيقوم صديقنا بزيارة مالطا أو يوقع منفرداً اتفاقاً مع حزب الخضر الألماني .. وهلمجرا.
* ديك العشرة :
العشرة هنا ليس مقصود بها حاصل جمع 5+ 5 بل هي المليمتين .. والمليم هي قطعة نقدية كانت تتعامل بها الجدات في سالف الزمان .. وصاحبة ديك العشرة كانت النقيض لصاحبة الديك "أبوحبل" .. فماذا كانت تفعل؟ تحضر وتستدين "عشرة" من حليمة مثلاً ولكي يكون هنالك ضمان تترك المرأة المستدينة ديكها الصغير النحيف مع من استدانت منها .. وبالطبع تقوم هذه الأخيرة باطعام الديك والعناية به .. فإذا صار ديكاً كبيراً قامت صاحبته الأصلية ببيعه بقرش أو قرشين .. ترد "العشرة" لصاحبتها وتشتري بما تبقي ديكين صغيرين أو أكثر وتكرر مسرحية الاستدانة وترك الديوك الصغيرة كضمان .. في كلمات أخرى كانت هذه المرأة الخبيثة تفرض على الاخريات عملياً القيام بالصرف ورعاية قطيعها المتزايد من الديوك وتكسب هي من وراء ذلك دون أن تشارك بمليم واحدة في تكلفة التربية بل تجني أرباحاً صافية.
وأمثال صاحبة ديك العشرة لا تخطئه العين وسط الساسة .. ولكن هل نجد إشباهاً للديك نفسه والذي لا دور له ولا علم بما يسببه من غبن واستغلال للآخرين؟.. الإجابة للأسف نعم فهنالك من الساسة نوع يأكل من نعيم فريق ليعمل لمصلحة فريق آخر .. الفرق الوحيد بين الديكين هو أن الديك البشري – غالباً – يعلم ما يقوم به وهو لذلك أقل شرفاً من ديك الدجاج.
ديك المطامير:
المطمورة لمن لا يعرفها من أبناء المدينة هي حفرة يختار لها مكان بمواصفات خاصة تحفر أساساً لحفظ  الحبوب .. وبالطبع كلما أراد القوم إخراج بعض من مخزون الحبوب لابد وأن تتبعثر منه كمية في جوانب المطمورة .. ولأسباب موضوعية ومنطقية – كتسهيل الحراسة – غالباً ما يحفر أهل القرية المطامير في مكان واحد .. وباختصار تكون النتيجة أن منطقة المطامير أكثر الأماكن وفرة بالطعام .. والديك القوي يطرد كل الديوك الأخرى ويصير الآمر الناهي وسط المطامير .. وصفتان هما أهم ما يتسم به ديك المطامير : أولاً كونه شديد البأس يخشاه كل القطيع .. ثانياً : هو قابع بين مطاميره لا يتزحزح منها قيد انملة مهما تغلبت الظروف ..
نوع هذا الديك وسط الساسة واضح لا يحتاج أن يشار إليه لا بالبنان ولا اللسان .. فكم نعرف من ساسة يفرضون أنفسهم على مناطقهم كزعماء على أسس قبلية أو طائفية ينعمون بكل الخيرات ولا ينال التبع غير الفتات وحتى أناثهم عليهن الحضور إليهم إن هن أردن لجنسهن عدم الانقراض.
*  ديك خالد الزاملة:
كان خالد يعمل سائقاً بالبصات الأهلية في منطقة امتداد المناقل .. وسمى بالزاملة لأنه بهيم ليس له كبير حظ من الذكاء .. كان زملاء خالد يجعلون من منزله مكان تسامرهم .. وإذا ما انقضى الليل .. ونام وشخر ساقى الخمر وتفرق القوم وجد خالد نفسه وقد انهككه التعب "والسهر والقهر" ناضجاً للسرير .. ينام خالد ملء جفونه وعندما يصحو يجد أن زملاءه قد بكروا وسافروا وبصحبتهم كل من أراد السفر ولم يبق إلا الكسالي نؤومى الضحي أمثال خالد .. ما هو الحل؟ فخالد شيخ عرب لا يستطيع أن يطرد زواره وفي نفس الوقت فان الاستمرار على هذا المنوال لا يؤدي إلا إلى الإفلاس .. فكر خالد وقدر ثم فكر وقدر .. وأخيراً وجدها .. وجدها! عليه أن يشتري ديكاً حسن الصوت ليوقظه في الصباح الباكر عندما يصيح – الديك – ويقول كيكي كيكي .. وقام خالد بشراء الديك. 
إلا أن هذا المشروع غير الحضاري فشل كما فشلت مشاريع غيره من قبل كمشروع الجزيرة أم دبوس .. وسبب الفشل أن خالد الزاملة لم يعد يساهر وحده بل حتى ديكه المربوط على رجل سريره صار يشاركه السهر .. لأن الدجاج لا ينام قبل أن يطفأ النور .. كما أن بقايا المزة والعشاء وليمة جيدة لا يفرط فيها إلا ديك غبي .. والنتيجة أن خالد الزاملة استمر ينوم إلى أن تبلغ الشمس كبد السماء .. وكذلك ديكه .. يصحو خالد ولا يعثر على فردة حذائه لأن الديك قد جعل منها سريراً مريحاً .. ولا أظن أن الخطأ خطأ الديك وقد ساهر مع صاحبه إلى ما بعد منتصف الليل .. إذن فديك خالد الزاملة جاء ليحل مشكلة بعينها غير أن الظروف المحيطة أجبرته أن يكون جزءاً منها .. وانطبق عليها المثل "جابو فزع بقى وجع" ..
والآن فلنحاول مداعبة الذاكرة لعلها تجود علينا ببعض الأمثلة لأنظمة إدعت إنها جاءت من أجل محاربة الفساد فما انقضى إلا جزء يسير من يومها الأول وإذ بها تغطس في الفساد حتى أذنيها .. كم من سياسي تحدث إلينا في أيامه الأولى عن أن مسئولية الحكم تكليف لا تشريف ولم يأت إلا لخدمة الناس وإن تبرعه بزمنه وطاقته .. ما هو إلا أقوى دليل على نكرانه للذات .. وقبل أن يلقي نظرة على الفايل الثاني يكون قد القى  في جيبه – بدون قصد منه – الملايين والملايين وإذ بحسابه بالعملة الصعبة في البنوك الأجنبية يتضخم على شكل هندسي دون أن يدري هو بذلك..
للأسف .. إن أمثال ديك خالد الزاملة وسط الساسة اليوم هم القاعدة وغيرهم هو الاستثناء .. ويا حليل أيام حسن الطاهر زروق .. ومبارك زروق .. ومحمد نور الدين والتحية لمنزله بالشعبية.
*  ديك المسلمية:
لم أتعرف على هذا الديك إلا قبل أيام .. حدثني به الأستاذ كمال الجزولي نقلاً عن السيد الصادق المهدي .. فديك المسلمية "بحمروا في بصلته وهو بعوعي" .. ويعكس وضع هذا الديك واقع الذين يؤملون في المستقبل وما علموا أن ساعات بقائهم صارت معدودة .. فهو لا يزال يستقبل العالم بانشراح وصدر منفوخ وجناحين مصفقتين وما درى صاحبنا إن اخراج حلة مسبكة من لحمه قد بدأت فصولها الأولى بالفعل (تحمير البصل ).
ولا نحتاج إلى فانوس لنرى  الساسة الذين يتطابق مصيرهم مع مصير ديك المسلمية وهم عنه لاهون .. ألا يذكرك موقف جماعة وحتى قبيل ساعات من منتصف ليل الرابع من رمضان؟.. يتصايحون ويهتفون وما دروا أن مصيرهم قد دنا وصار أسوء من مصير أمريكا .. وديك المسلمية لا يمثل واقع أفراد بل حتى وجماعات وأحزاب وأفكار .. غربت شمسها أو كادت ويختلط على أهلها شفق المغيب ويتوهمونه فلق الصباح .. هذا هو ديكنا الأخير والذي يقول كيكي كيكي للمرة الأخيرة.
زيادة المعارف عن ديوك القضارف
1/ شكر وعرفان
لم أتوقع أن تلقي ديوكي كل هذا الاهتمام ففي نفس اليوم الذي نشر فيه المقال حدثني الصديق كمال  الطيب مبدياً إعجابه بأسلوبي "المتميز" – كما وصفه – في كتابة الرأي السياسي .. وطلب منى البحث عن أنواع أخرى من الديوك .. قلت في نفسي : من أين أجد لصديقي هذا ديوكاً يقمن صلبه فقد نضب المعين وهلك القطيع .. على كل شكرته ووضعت سماعة التلفون. فإذ  الجرس يرن في الحال .. وكان المتحدث صديق العمر الأخ عبد الرحيم الأمين صبير .. أثني هو الآخر على المقال ولكنه لامني في نفس الوقت لتجاهلي لديك ابن أصل وفصل وهو "ديك الأطرش" وحكى لي قصته .. انتهت المحادثة ولكن بدون فاصل تقريبا "رن جرس التلفون للمرة الثالثة وكان المتحدث صديق حسين لا أعرفه ولا يعرفني إلا من كتاباتي – كما يقول - ..  بدأ محادثته بسؤال استغربته : قبيلتك شنو؟ .. أنا يا سيد محسي سكوتابي .. قال صديق : طبعاً إذا ظهر السبب بطل العجب .. الآن فهمت لماذا لم تتحدث عن "ديك الجعلي " تحيزاً منك "لديك سرك الدنقلاوي" .. وقص لي حكاية "ديك الجعلي". التي لم تكن في صالحه المهم توالت المحادثات وكانت النتيجة التعرف على مجموعة لا بأس بها من الديوك .. لذلك فالمقال بقلم القراء وكل ما قمت به هو الصياغة .. والشكر والعرفان لكل الذين ثقفوني "ديكياً"
*  ديك الأطرش:
هنالك قرية بالنيل الأبيض – لن أذكر اسمها خوفاً من غضب أهلها فهم أهلي – يعمل أغلب سكانها في التهريب وقد كسبوا من وراء هذا النشاط غير الشرعي أموالاً طائلة وأصبحوا متخصصين في التهريب .. كان صديقنا الأطرش سائق لوري ومجاله تهريب السكر .. "وتفادياً" لنقطة القطينة كان صاحبنا يسك طريقاً ترابياً أسموه (شارع الهواء) متحاشياً طريق الإسفلت المعبد .. وإذا سألته السر في ذلك كان رده : ياخي الظلط بياكل اللساتك .. وسوف تضحك وتوافقه الرأي رغم معرفتك بالسبب الحقيقي.
علم المسئولون بذلك فأقاموا نقطة مراقبة على شارع الهواء .. ولكن خلق الإنسان على نفسه بصيرا .. تعرف الأطرش على شاويش النقطة وصار كلما مر به دفع هدية نقدية لجميع أفراد القوة وخص الشاويش بديك "مبقبق" كهدية إضافية خاصة لرجل في رتبة خاصة .. وفي يوم من الأيام جاء صديقنا الأطرش كعادته – ولم يكن يعلم أن "سعاتو الضابط في زيارة للنقطة ولم يرد في ذهنه أن الشاب الجالس في ملابس مدنية هو "سعاتو" لذلك لم يعره انتباهاً .. وأخذ يصيح كعادة أغلبية "الطرش" : يا محمد خير الليلة جبت ليك ديك حاجة تمام" .. أراد محمد خير لفت نظر الأطرش وتنبيهه بوجود "سعاتو" فصار يهز رأسه ويؤمي بأصابعه إن كف عن الحديث .. ولكن الاطرش اعتقد أن محمد خير يحتج على حجم الديك .. فقال : عليك الله يا أخينا – مخاطباً سعاتو –  الديك دا صغير ؟ على الطلاق يا محمد خير دا أخو الجبت ليك الأسبوع الفات.
وصحيح أن المثل يقول "الرسول قبل الهدية" وينصحنا رسولنا الكريم : نهادوا تحابوا .. ولكن لا شك أن ديك الأطرش لم يكن لوجه الله .. إنه في لغتنا نحن "بلصة عديل " .. والآن كم يا ترى من ساستنا يستخدم في قضاء حوائجه لا  الكتمان وحده بل وديوك لا تقل حجماً عن ديك الأطرش.
*  ديك الجعلي:
يقال أنه – وبحي من أحياء مدينة كوستي -  كان يسكن رجل جعلي "وكمان مشلخ سلم" .. وكان جاره من أهلنا الدناقلة .. وكان لكل منهما ديك .. وكان بين الديكين عداوة راسخة.. بين كل لحظة وأخرى – ولسبب وبدون سبب – تنشب بينهما معركة .. والغريب في الأمر أن ديك الدنقلاوي كان يخرج دائماً من المعركة منتصراً.. الشيء الذي يغضب صديقنا الجعلي .. وكلما جاء ديكه هارباً رماه بفردة مركوبه فيصيبه مرة ويخطئ هدفه مرات .. مع مرور الأيام واستمرار هزيمة الديك صار الأمر مخجل لدرجة صار معها الجعلي يتحاشي المرور أمام منزل الدنقلاوي .. إذن ما هو الحل ؟ وقرر صديقنا الجعلي ذبح ذلك الديك الجبان وذهب إلى السوق وأشترى ديكاً ضخم الحجم "كفرخ النعام" .. حمل الجعلي ديكه إلى البيت وهو يقول في نفسه : أمانة يا ديك الدنقلاوي ما جاك بلاء .. عاد الليلة بتطير وين ؟ وبمجرد وصوله البيت أطلق سراح ديكه وجلس يداعب شنبه وكما توقع ما هي إلا لحظات حتى وثب ديك الدنقلاوي من على الحائط  الفاصل بين المنزلين وكما توقع أيضاً نشبت في الحال معركة حامية الوطيس بين الديكين .. غير أن النتيجة لم تأت كما توقع الجعلي .. فقد انتصر ديك الدنقلاوي على ديكه ونتف ريشه .. فما كان من ديك الجعلي إلا أن ولي الأدبار عل الله يخلصه من هذا الديك الشرير ..
لم يعد صديقنا الجعلي يتحمل هذه المهازل فالموضوع قد فات حده .. كيف يقبل أن يهزم ديك هذا الدنقلاوي الرطاني " مقطوع الطاري" ديكه هو الجعلي سليل الملك نمر ومن قبله العباس عم النبي (ص) .. فما كان منه أن لبس سكينه وحمل عكازه وذهب لمنزل جاره الدنقلاوي .. دق الباب وعندما فتح له الدنقلاوي .. صاح صديقنا الجعلي : أسمع يا  زول إنت شكل الديكة دا خليك منه .. أنت كان راجل صحي صحي شيل عكازك وطالعني الخلا ".. أشباه ديك الجعلي وسط الساسة أعداد لا يستهان بها .. تجده فتظنه عنتر زمانه متكبر على زملانه محتقر لمرءوسيه فظ غليظ القلب على خصومه السياسيين .. ولكنه يرتجف من أم رأسه لأخمص أصبعه السبابه أمام رؤسائه ويتصبب عرقاً إذا حدجه أحد الكبار بنظرة وكأنه تلميذ مذنب أمام ناظر المدرسة.
*  ديك أم مرواد :
المرواد كلنا نعرفه ونعرف الكحل وأهميته عند المرأة السودانية وبعض أعضاء الطرق الصوفية .. وأم مرواد يبدو إنها إمرأة كان لها مرواد رغم عدم تأكدي من أصل الاسم .. ولكن الشيء المؤكد أنه كان لأم مرواد هذه ديك .. وكان هذا الديك "يطرد الجداد ويحضن بيضه" .. أنا شخصياً شاهدت في التلفزيون ذكر النورس وهو يحضن على البيض .. وقال أخي حسن إبراهيم إن ذكر النعام يقوم أيضاً بهذه الوظيفة .. ويمكن الرجوع للدكتور ود الريح والاستفادة من علمه الغزير في دنيا الحيوانات إن أردنا الاستزادة و الاستناره في هذا المجال .. ولكن لا أعتقد أن الكثيرين من ديوك الدجاج تشارك ديك أم مرواد هذه الهواية .. فالديك "الضرس" لا يمكن أن يسمح له وقاره أن يقوم بأعمال "العوين" .. وقد تعتقد الديوك المتخلفة أن تصرفات ديك أم مرواد مشينة وتعتبرها بمثابة وصمة عار على تيجان جميع أفراد قبيلة الديوك و"عرف" كل ديك منهم على حدة .. ولكني  أخالفهم الرأي وأعتقد – حقيقة – أن ديك أم مرواد ديكاً تقدمياً وسابقاً لزمانه وذلك لسببين : -
* أولاً لأنه لا يرى بأساً أن يقوم بمساعدة زوجته وشريكة حياته .. فمن منا لم يقم "بتحمير" البصل .. أو توريق الخدرة .. وفي بعض الأحيان تجهيز حلة مسبكة كاملة .. فقد إنتهى عهد الوالد إبراهيم حسن – عليه رحمة الله – الذي لم يدخل "التكل" منذ ميلاده وإلى يوم إنتقاله إلى الرفيق الأعلى..
* ثانياً هذا الديك حاز على إحترامي لأنه يرفض القانون البدائي في تقسيم العمل على أساس الجنس وما شابه .. بل يرفع شعار القانون العصري لتقسيم العمل على أساس نوع التدريب والتخصص .. لا فرق بين ذكر وأنثى إلا بالتقوى ..
وعلى أقل تقدير فإن هذا الديك أكثر تحضراً من بعض المسئولين بمنطقة الجاموسي .. وهاكم ما حدث : أخبرني ابن أخي – والذي يعمل معلماً – أن السلطات المسئولة في منطقة الجاموسي – إمتداد المناقل – قررت صرف نصف المرتب للمعلمين قبيل عيد الفطر الفائت .. ويبدو أن ما تمكن القوم من جمعه من مال لم يكن يكفي حتى تغطية نصف المرتب لكل المعلمين والمعلمات ..
أتدري ما حدث ؟ .. أتاهم أحدهم بفتوى أن الرجال قوامون على النساء.. وان أساس القوامة هو الإنفاق وعليه يصرف المرتب للمعلمين دون المعلمات .. فالمرأة لا قوامة لها وعليه لا يجب عليها الإنفاق وبالتالي – في حقيقة الأمر – لا تحتاج إلى شروي نفير دع عنك نصف المرتب ويمكن أن تكون معلمة (الله ) .. وبهذا وبكل بساطة غرقت حقوق الإنسان وذاب حبرها في ترعة من ترع امتداد المناقل .. فبالله عليك قارن بين موقف ديك أم مرواد وذلك المفتي النحرير ألا تجد علاقة وطيدة رغم أنها عكسية .. وأيهما – بأمانة – يكسب احترامك ؟
*  ديوك القضارف:
الزمان أواخر العام 1984 أو أقل أوائل عام 1985 .. والمجاعة قد عمت جميع أطراف القطر تقريباً .. وكان صديقنا من أهالي القضارف أراد المجئ إلى الخرطوم لشيء يهمه .. وكان في حاجة ماسة للمال .. ذهب لصديق له وطلب منه سلفة يردها عند رجوعه من الخرطوم .. أعتذر الصديق ولكنه أضاف : نسيت أقول ليك عندي خمسين ديك كان ما قلت ما شاء الله ما بتقدر تعاين ليهن .. فإذا أردت يمكنك أخذها وبيعها بالخرطوم على أن ترد لي قيمتها عند رجوعك بالسلامة .. وافق الرجل وتحرك عند الصباح الباكر تصحبه ديوكه .. لم يبتعد البص كثيراً من القضارف وتوقف .. نقطة تفتيش (يبدو أن الغرض من إنشائها  القبض على المتسللين من أثيوبيين وأرتريين الذين يدخلون ولايات السودان المتحدة بدون أوراق رسمية ) .. المهم بدأ التفتيش ولمح السيد الضابط الديوك : ما شاء الله لمن هذه الديوك السمينة ومستحيلة؟ بكل فخر واعتزاز صاح صاحبنا : بتاعتي أنا .. وسمان كده بتأكلها شنو؟ .. سمسم .. سمسم ياجنابو .. سمسم يا راجل يا مفتري .. أهل السودان لا يجدون ما يكفيهم من طعام .. وأنت تطعم الديوك بالسمسم .. أنزل .. نزل الرجل وأدخله الضابط على محكمة العدالة الناجزة .. وبعد أن لخص السيد الضابط القضية جاء النطق بالحكم : حكمت المحكمة حضورياً على سيئ الحظ بعشرين جلدة وراعت المحكمة عدم وجود سوابق للمتهم..
تحرك البص ولكنه توقف عند كوبري حنتوب .. نقطة تفتيش .. ودار نفس الحوار ولكن صاحبنا قال في نفسه : حذاري حذاري من السمسم وعند السؤال : ماذا تأكل الديوك أجاب صاحبنا: قمح .. قمح بس يا جنابو .. "قمح في عينك" أتعرف كم قطعة من الرغيف تصرف للعائلة كلها طول اليوم .. ثلاثة قطع فقط .. أنت تطعم الديوك بالقمح .. وقدم لمحكمة العدالة الناجزة تحت تهمة تخريب الاقتصاد السوداني .. وحكمت المحكمة حضورياً بثلاثين جلدة.
تحرك البص ومرة أخرى توقف في سوبا .. نقطة تفتيش .. وبالطبع دار نفس الحوار وربما استعملت نفس الكلمات مع اختلاف واحد .. لقد ظن صديقنا أن الفتيريتة لا قيمة لها .. لذلك عندما سئل بما يطعم الديوك رد بدون تردد : فيتريتة وهو يعتقد أنه في أمان .. فلابد وأن تأكل ديوك "الجن" هذه نوعاً من الحبوب وليس هنالك ما هو أرخص من الفيتريتة .. ولكن تعليق "سعادتو" وقع عليه الصاعقة : فيتريتة يا عديم الخلق .. بينما أهلنا في دارفور يأكلون المخيت ويشاركون النمل في مخزونه .. وبالطبع حكمت عليه المحمة بأربعين جلدة..
وقف البص أخيراً في سوق الدجاج والطيور ببحري .. وعلى جوار السوق تقبع المحكمة "الكريهة" .. جاء الضابط كالعادة وسأل عن صاحب الديوك وعندما وجه لصاحبنا السؤال التقليدي: ما شاء الله ديوكك دي بتأكل شنو؟ .. والله الحقيقة يعني في النقطة دي بالذات .. وبصراحة كدا .. أنا ما قاعد أأكلها .. كل ما في الأمر إني بديها مصاريف وكل ديك يتصرف بطريقته .. كم من ساستنا نعتقد أنهم جاءوا نعمة لنا وإذ بهم يتقلبون نقمة علينا .. ولا يصيبنا منهم إلا البلاوئ" .. أقصد الإبتلاءات .. خاصة تحت القوانين الجائرة التي تسبب النكد للديوك وأصحابها.
* ديك "أب تكو":
يقول المثل "حكم أب تكو لي مرته" .. فمن هو السيد أبو تكو وكيف كان حكمه على السيدة حرمه المصون ؟ .. أب تكو طائر لا يملك جما ل العصفور ولا تاج الهدهد ولكنه يملك السيادة على أمور بيته .. فبمجرد أن تضع السيدة زوجته البيض يقوم عزيزنا أب تكو بنتف ريشها كله "يعني يخليها بلبوط" – البلبوط نوع من السمك ناعم الملمس – ثم يغلق عليها جميع منافذ العش إلا من فتحة صغيرة بمقدار منقارها .. ولا يقوم بإطلاق سراحها إلا بعد أن يفقس البيض وينبت ريش الفراخ – والأم طبعاً – وتستطيع أن تطير وتكسب رزقها بنفسها أو قل بمنقارها .. ولكن الشيء المهم أن السيد أب تكو وطوال فترة اعتقاله لأفراد عائلته تلك يتولى أمر توفير الغذاء لزوجته وأطفاله الزغب .. فيكون وضعه بعكس أطفال الحطئية الذين يقطنون "بذي مرخ" عندما سجن الفاروق عمر والدهم جزاءاً وفاقاً على "لطاعته" وطول لسانه..
وهذا هو الديك الوحيد الذي لم أجد له شبيهاً وسط ساستنا فالسيد أب تكو دكتاتور عادل وقد يكون السبب لأنه ليس بديك بشر .. أما الدكتاتور البشري فيسجننا ويغلق في وجوهنا كل المنافذ .. وقد يفصلك تعسفياً من أجل الصالح العام أو من أجل إخلاء وظيفتك لأحد أقاربه دون أن يهتم بإطعامك لا أنت ولا أطفالك بالطبع .. وبالمناسبة لو كان "الصالح العام" رجالاً لقتلته .. وأتساءل مع الأستاذ محمد الأمين التوم" ما هي مصلحة "الصالح العام" في إبعاد أمثال بروفسير محمد الأمين التوم من مدرسة العلوم الرياضية – جامعة الخرطوم – علماً بأن محمد الأمين التوم ولا أحد غيره هو الذي أسس وبنى صرح تلك المدرسة الأنموذج.
وقبل أن أضع القلم أحكي لكم الواقعة التالية : دخلت أحد البقالات وسألت أن كان لديهم فراخ .. وكانت الإجابة بنعم .. فقلت للبائع " من فضلك أريد دجاجتين .. وعندما حملق في زدته إيضاحاً : يعني أناتي مش ديوك .. وهنا أعتقد البائع أن بي مس من الجنون .. ياسيدي دي فراخ مذبوحة ومنظفة .. أعرف ليك الديك من الجدادة كيف ؟ .. ببساطة يا شاب الدجاجة "أوراكها" قصيرة مدملجة وصدرها عريض مكتنز .. عكس الديك الذي يمكن أن تتعرف عليه "بسكاكاته" الطويلة وكبر عظمة صدره .. عندها فقط ابتسم البائع وعرف أنه يتحدث إلى خبير في شئون "الديكة" .. وصار لسان حاله يلهج بالشكر داعياً الله أن ينفعه يعلمنا الغزير الدفاق في مجال الدجاج ديوكاً "وجدادات" الأحياء منها والأموات.