نحو علاقات مثاقفة متوازنة في المنطقة
يأتي هذا البيان من واقع المسؤولية المعرفية في صياغة خطاب عالمي جديد يعتمد على علاقات المثاقفة ويعمل على جعل الثقافة مدخلاً حيوياً ورئيسياً، بديلاً للمدخل الاقتصادي وللرهان على المهارة السياسية وتأثير نفوذها.
إنّ يوم الأمس يوم جليل في تاريخ الإنسانية، نشهد فيه انقسام أكبر بلد في قارة أفريقيا بسبب عقود من عدم الاعتراف بواقع التمايز الثقافي، واستمرار الاستعلاء العرقي الذي قابله نوع من الانغلاق الإثني، فدفع السودانيون وما زالوا يدفعون ثمنه، وإن كان بنسب متفاوتة، نتيجة لخطابات استغلت – بوعي أو دون وعي – مكونات أساسية في الثقافة السودانية، أبرزها العروبة والإسلام والإفريقانية، في إدارة صراعاتها وتصفية حساباتها، وهو ما كان له الأثر الجسيم في بلد حديث التجربة، فما زال يحتدم فيه الجدل حول الهوية.
إننا نوجه هذا البيان إلى جميع الفئات الواعية والمستنيرة التي يعوّل عليها بناء مستقبل السودان في دولتَيه، فننوه إلى ضرورة التفريق بين الخطابات المستغِلة لمكون ثقافي ما وبين المكونات الثقافية ذاتها والتي لا تقوم على استلاب مكون لصالح آخر، بل تتفاعل مع بعضها فتكسب الثقافة سمات وملامح تتقاطع هنا وتتباين هناك، فلا تطمس الخصوصية الثقافية بل تؤكّدها من غير تزمت في سبيل أن تتحاور الثقافات مع بعضها وتتطور نحو الأسمى مع المتغيرات المجتمعية والمعرفية المجردة. فالثقافة فعل متحرّك والجمود يقودها إلى التخلّف والزوال.
إن انقسام السودان يكشف عن فشل النخب المسيطرة على الحكم في السودان في إدارة التنوع الثقافي، الفشل الذي تجلّى بشكل واضح في عدم تلافي أسباب إندلاع حرب الجنوب عام 1955م، وعدم تلافي استمرارها فيما بعد، كما يكشف الأمر عن ضعف الحركة الثقافية السودانية وعجزها شبه التام عن التأثير في الحياة اليومية، رغم قيام العديد من الفعاليات الثقافية والاجتهادات الفكرية – بشكل مباشر أو غير مباشر - لمعالجة مشكلة جنوب السودان منذ نشوءها، إلّا أن أغلب هذه الفعاليات والاجتهادات، إن لم تكن جميعها، عانت من ضعف العمل المشترك، وافتقاد التنسيق فيما بينها، وعدم وضوح الأهداف المرحلية، فلم تصل في أي وقت إلى التوافق



على حد أدنى من الثوابت الوطنية، أو من نقاط الالتقاء الفكري، وبغض النظر عن الأسباب فإنّ هنالك حالة أقرب إلى الشلل في التفاعل مع حادثة 9 يوليو، رغم بعض الفعاليات هنا وهناك، إلّا أنّها لم تبلور موقفاً مُعْبَراً عنه في وثيقة رسمية بل ظلّت في إطار التعبير العفوي. وبما أننا لا نعفي أنفسنا فقد أصدرنا هذا البيان -كخطوة أُولى- علّه يلقي حجراً في مشهد ثقافي يحتاج مزيداً من الأحجار لتتحفز مكامنه، وبذلك ندعو كافة المؤسّسات والجهات والفعاليات الثقافية في دولتَي السودان إلى العمل الجاد والدؤوب من أجل استثمار بؤر الحوار الثقافي وتفعيلها، بل أن يكون ذلك ضمن حركة نشطة لتعزيز التواصل الثقافي مع جميع الثقافات التي تجاور الحدود الإدارية لدولتَي السودان والتي تقع في تخومها، شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، من أجل صياغة علاقات مثاقفة متوازنة وبناءّة في المنطقة.
كما لا نتجاهل أن الأمر يستلزم تغييراً جذرياً في الرؤى والممارسات السياسية لحكومتَي الدولتَين بما يكفل الحرية والعدالة والسلام إلى جانب رفاهية العيش للمواطن السوداني في الدولتين، كما يستزم من القوى السياسية المعارضة إدراك حقيقة ترابط مصير الدولتين، والإقرار بها قولاً وعملاً، لما يفرضه الأفق السياسي –الراهن على الأقل- كما يستلزم حسم كل النزعات والدعوات العنصرية، ومراجعة كافة الإجراءات والتدابير الإدارية والقانونية بحيث تضمن كرامة المواطن السوداني في الدولتين دون الالتفات إلى أصله العرقي أو الإثني أو الديني، وهو ما يشكّل صمّام أمان في مسألة التواصل الثقافي.
إن انقسام السودان إلى دولتين في الوقت الذي يتوجّه فيه العالم نحو الكتل الإتحادية والاندماجية في السياسة والاقتصاد والثقافة، ودون أن يحرز هذا الانقسام تقدماً في هذه النواحي، لا بدّ أنّ يشكّل صدمة كبيرة للمثقفين السودانيين بما يدفع المسؤولية إلى الصدارة ويحرّك الهمّة إلى الذروة بما يتجاوز العلّات المذكورة منها وغير المذكورة، خاصة أنّنا في بلد تطحنه الحروب الأهلية وتتنازعه القبلية والطائفية والجهوية. ويجب أن يكون العمل بعيداً عن ردّ الفعل إذ لا يمكن تجاوز عقود من الأزمة بضربة عصا سحرية بل بالفعل الواعي المبني على تشريح الواقع وتشخيص عيوبه وممكناته.
مجلس العمادة
10 يوليو 2011