بسم الله الرحمن الرحيم

التحية لشباب مصر رأس الرمح في ثورة الشعب المصري على القهر و الإذلال و التجويع و ارتهان القضايا المصيرية لمصالح القلة المتخمة المتجبرة و التحية من قبل و التهنئة، لشعب تونس المقدام، على ابتدار حراك الشعوب العربية اليوم نحو الحرية و بدء الحصاد.
التحية للشعوب العربية كافة و هي تمور و تغلي تحيل أوضاعها من فضيلة إلى فضيلة أوقع، من كظم الغيظ إلى انبلاج الحق الجهير، تصنع التغيير لمستقبل حياتها بعد عقود من القهر تحت ضيم الجبابرة  الذين حسبوا أن الشعوب العربية قد ركنت إلى الظلم وسلمت بان حياة الضيم هي قدرها المحتوم، بعد أن خذلتها نخبها الوطنية الحاكمة عقدا من بعد عقد، منذ رحيل المستعمر الأجنبي، بغير رصيد وافٍ من كفاح أو تحرير للإرادة الوطنية، لترث الشعوب من بعد الاستقلال استعمارا جديدا من بني جلدتها، أكثر بطشا و أشد مضاضة.
لقد كشفت الأزمة المتفجرة اليوم في العالم العربي عن فشل الأنظمة السياسية العربية في الاحتكام إلى عقد اجتماعي أساسه التراضي الشعبي العام، المؤسس على سلطان الشعوب الحرة، و عمدت بدلا من ذلك إلى تغييب الإرادة الشعبية بقوة الجبروت و سطوة الطغيان، تستعين بالسند الخارحي تستأسد به على شعوبها.
وكان الحصاد من جنس البذور: إذ غابت الجدية و التوازن و العدل في مجال التنمية، و تفاقمت الأزمات الاقتصادية و انتشر الفقر، و صار المال والثروة دولة يبن حفنة من الموسرين المتحالفين مع حَمَلة الصولجانات وانقطعت الأطراف البعيدة من البلاد عن وصل النماء و التطوير عقودا متطاولة وأدت الهجرات الهاربة من قحط الريف، إلى اكتظاظ المدن بالباحثين عن أبسط الحقوق في الصحة والتعليم والأمن، وبهجرة الريف إلى الحضر تعطلت عجلة الاقتصاد التقليدي من زراعة ورعي و مهن صغيرة، و شاهت التراكيب الاجتماعية و ظهرت الطبقية التمييزية الغريبة على هذه المجتمعات  وأصبحت بلادنا التي كانت مصدرا لقوت الآخرين تتسول لقمة العيش ليومها الحاضر على وجل من ما يحمله مستقبلها.
إن مصر بما لها من ميراث الأديان السماوية الداعية إلى تكريم بني الإنسان، قادرة على أن تقوم مثالا لتجمع المؤمنين الذين توحدهم الكلمة السواء وتحضهم على التزام ما ينفع الناس من العمل الصالح، غير أن الأزمة الحالية كشفت عن انتهازية النخب الغربية الحاكمة التي استخلفت أنظمة فاسدة على بلداننا ظلت تساندها في مواجهة إرادة شعوبها حفاظا على تدفق مصالحها غير المشروعة، لذلك لم تتوانى عن نصرة هذه الأنظمة حين اهتزت عروشها تحت ضربات الثوار، بدعوى أن الإرادة الشعبية الحرة ستنتج بالقطع (أنظمة حكم إسلامية)، والصحيح أن الإرادة الشعبية الحرة لن تكتفي بنقض غزل الأنظمة الفاسدة داخليا وتقبل أن تكبلها قيود الإلتزامات الخارجية المشينة.
إن الشباب الذي فجر هذه الثورة المباركة متسلح باسباب وأدوات المعرفة الحديثة، التي وفرت له الإطلاع على مصادر المعلومات وموصول بجيل جديد كامل تشرب منظومة قيم ومبادئ العدالة والحرية التي رسختها التجارب البشرية الفادحة نتيجة الصراع على مصالح مادية، لذلك تخشاه القوى التي خلفت تجارب الظلم وإزدواج المعايير في السياسة الدولية، إن الثورات تلهم الشعوب اليقظة والإنتباه لحراسة مبادئها وترسيخها لتغدو ثقافة تنهل منها الأجيال القادمة فلا تنتكس ولا تنحرف، كما تعلمنا بذلك تجارب الثورات الموؤدة (ثورة عرابي مصر 1881 وثورة مصدق ايران 1951-1953).
إن دماء الشهداء من الشباب و الثوار التي روت بذور هذه الثورات المجيدة ثمنها غالٍ بغير شك، لا يقل بأية حال عن تأسيس عهد جديد تماما، قائما على مبادئ الحرية والعدالة والتمثيل المتوازن للقوى الوطنية كافة، القريب منها و البعيد، الحضري منها و الريفي، الغني فيها و الفقير.
إن التغيير لا يولد من رحم الأنظمة العقيمة وإن تجارب الإنتقال من حالة الثورة إلى تقنين مبادئها معلومة في تجارب الثورات الشعبية، فالتراضي على فترة انتقالية يعهد فيها إلى بعض الشخصيات المستقلة المقبولة بمهام تهيئة مناخ التنافس الحر الشريف.
فلنقف جميعا، و بكل الإجلال والتقدير، للشهداء الذين سقطوا اليوم بالمئات، و قبلهم بمئات الآلاف، سواءا كانوا من السابقين الذين سحلتهم هذه الأنظمة المستبدة إبان سكرة الحكم الأولى، أو اللاحقين الذين حصدهم رصاصها وهي تحت وطأة سكرات موتها المحتوم إن شاء الله، أو الذين طحنهم فسادها جوعا وتشريدا.
والتحية مجددا لإرادة الشعوب العربية وشعوب العالم الحرة التي تسنمت سنة التغيير فبادرت وحصدت ثمار مبادرتها والتحية لكل حر يسهم بيده و قلمه ولسانه و بكل مرتخص و غال، من أجل التوقيع، بأحرف من نور، على صفحات تاريخ ثورة الشعوب العربية الماثلة بين يدي العالم اليوم .
د. علي الحاج محمد
10فبراير2011