بسم الله الرحمن الرحيم



المتابع والقارئ للشأن السوداني ولتاريخ بلادنا منذ فجر الإستقلال وحتى الأن لاينكر وجود مشكلة بجنوب السودان تسبب بها الإستعمار بتهميشه للجنوب ودخلت الكثير من العوامل بالإضافة إلى التهميش منذ عام 1955م أي قبيل الإستقلال بعام واحد وكذلك لعدم سماح الإستعمار للسودانيين بالجلوس سويا في مؤتمر جامع يجمع السودانيين مع بعضهم البعض ليطرحوا معا مشاكلهم ثم ليخرجو بحلول ناجعه لها ومن بعد الإستقلال توالت الحكومات التي تعاقبت على حكم السودان وحاولت إحتواء الأزمة بصورة هميمه وأكثر عقلانية ولم تتوصل لحلول جيدة مع أهلنا في الجنوب إلى أن جاءت الحكومة الديمقراطية الثالثة والتي كان يرأسها السيد / الصادق المهدي من العام 1986-1989م فكانت هي وحدها القادرة على إنجاز الحلم الذي طالما راود أبناء الوطن الواحد من خلال فتحها لقنوات تواصل مع الإخوة الجنوبيين وباشرت الحوار معهم بإشراك كل القوى الوطنية وحددت موعدا نهائيا للإتفاق الذي لم يكن لتقرير المصير بندا أصلا فيه ولاوجود له ولكن إنقلاب نظام الإنقاذ ( المؤتمر الوطني ) على الحكومة المنتخبة الذي أجهض الإتفاق بدلا من المضي قدما وإنهاء نار الحرب في ذلك الوقت بل أجج الأزمة ونقلها لحرب دينية وعرقية وهو الشيء الدخيل على الشعب السوداني الطيب الذي لم يكن يعرف هذه المعاني قبل هؤلاء لكون نظامهم المسئول الأول والمباشر عن حال البلد الحالي ويتحمل مسئولية تاريخية في إنفصال الجنوب الحبيب وعن تأجيج نار الفتنة والحرب بالبلاد للأتي :
 
 
1.   جاء انقلاب  الانقاذ في يونيو 1989 ليوقف تحقيق السلام من خلال مؤتمر دستوري تحدد له سبتمبر1989.

2. غيّر طبيعة الصراع بين الجنوب والمركز من مطالبة بالمساواة في الحقوق والتنمية والتوزيع العادل للسلطة إلى نزاع وحرب دينية عرقية شن فيها حرب جهادية على أبناء الجنوب باسم الدين والعروبة.

3. أدى هذا المنهج إلى بروز الدعوة للانفصال في عام 1990 بانقسام مجموعة الناصر من الحركة الشعبية لتحرير السودان ورفضها لمشروع السودان الجديد الذي قام عليه منفستو الحركة الشعبية ومطالبتها بانفصال الجنوب وتسمية نفسها بحركة استقلال جنوب السودان.

4. أدى هذا الموقف إلى اضطرار الدكتور جون قرنق لتبني خيار تقرير المصير في عام 1991 بتوريت كخيار ثاني في برنامج الحركة الشعبية للمنافسة مع طارحي شعار الانفصال المدعومين من المؤتمر الوطني.

5. ادخل المؤتمر الوطني حق تقرير المصير في أدب السياسية السودانية في يناير 1992 بتوقيع اتفاقه مع حركة استقلال جنوب السودان في فرانكفورت في عام 1992 بغرض تكريس الانقسام والفتنة في الصف الجنوبي.

6. توسط الأمريكان في عام 1993 بواشنطن وسعوا لتوحيد الحركة الشعبية لتحرير السودان بالتوقيع على وثيقة حق تقرير المصير للجنوب فأصبح تقرير المصير القاسم المشترك بين الوحدويين والانفصاليين في جنوب السودان.

7.  صعد المؤتمر الوطني حربه الدينية والعرقية على جنوب السودان، ولكن لتغطية حربه العدوانية أخذ يدعو الدول الافريقية للتوسط لحل النزاع ولكنه رفض الاتفاق على اية حلول موضوعية لتحقيق السلام ففشلت مبادرة الرئيس الامريكي كارتر بنيروبي، ومباحثات اديس ابابا الأولى ومباحثات أبوجا جميعها.

8. طلب المشير البشير من دول الايقاد التوسط لحل النزاع فأصدروا في عام 1994 اعلان المبادئ لتحقيق السلام في السودان.

9. وافقت القوى السياسية المعارضة في مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية على حق تقرير المصير للجنوب لوقف الحرب مع مشروع وحدوي لدولة سودانية عادلة تواثقت عليه مع الحركة الشعبية لتحرير السودان.

10. نص اعلان المبادئ على الخيار بين إنهاء الدولة الدينية في السودان بقيام دولة مدنية أو قبول حق تقرير المصير.

11. رفض المؤتمر الوطني اعلان المبادئ ثم قام بالموافقة عليه في عام 1997 واختار حق تقرير المصير بدلا عن التخلي عن الدولة الدينية ومشروعه الحضاري الاسلاموي.

12. إزاء اختيار المؤتمر الوطني لحق تقرير المصير وتمسكه بالدولة الدينية طرح معهد الدراسات الاستراتيجية مشروع دولة واحدة بنظامين، وقادت إدارة الرئيس بوش الابن تنفيذ مبادرة الايقاد في مشاكوس ونيفاشا على الاساس الذي اختاره المؤتمر الوطني.

13. أسست نيفاشا للسلام بنظامين عبر فترة انتقالية ثلاثة سنوات تقود لتحول ديمقراطي عبر انتخابات حرة نزيهة لتقود البلاد حكومة ديمقراطية في الثلاث سنوات المتبقية من الفترة الانتقالية لتهيئ البلاد لوحدة جاذبة في ظل نظام ديمقراطي يؤسس لدولة مدنية موحدة بنظام حكم فيدرالي يؤسس لسودان جديد.
 
                المشهد الحالي

وبعد نكص المؤتمر الوطني عن كل العهود والمواثيق ليأتينا ببدعه التي توقعها الجميع ولم يستغرب العالم عليها لينقلنا إلى المشهد الجديد والذي يمكن تلخيصه في الأتي :

1. تنكر المؤتمر الوطني لاتفاق السلام الشامل فأجهض مشروع التحول الديمقراطي وأخر الانتخابات سنتين وقام بتزويرها ليكرس الوضع الشمولي في ظل مشروعه المسمى حضاري فمنع بذلك قيام نظام مدني ديمقراطي بديل يصلح خيارا لبقاء جنوب البلاد في الوحدة.

2. أخذ المؤتمر الوطني أكثر من 50% من عائدات بترول جنوب السودان رافضا اي شفافية في توزيع دخل البترول وامتنع عن اي مساهمة في اعادة اعمار الجنوب أو تنمية موارده الزراعية والصناعية والتعدينية الضخمة.

3. منع على الحركة الشعبية المشاركة في اتخاذ القرار السياسي على مستوى المركز واستمر في احتكار كل السلطات التنفيذية والعسكرية والأمنية والاقتصادية بصورة حزبية صارخة ومستفزة فأفسد مشروع الوحدة وخلق جوا سالبا مع الجنوب.

4. تنكر لما جاء بالاتفاقية والدستور في المادة 21 بتحقيق المصالحة الوطنية وتوسيع قاعدة الحكم بل أجهض اتفاق أبوجا، وجدة، والقاهرة، وأبوجا 2 مع كافة القوى السياسية التي وضعت السلاح وعادت للعمل السياسي في البلاد.

5. تلاعب بإجراءات تقرير المصير فأخر اصدار قانون الاستفتاء ثلاثة سنوات خارقا بذلك الاتفاق والدستور، وأخر تشكيل المفوضية الخاصة بالاستفتاء سنتان فأفسد المناخ السياسي وأجج التوتر مع الجنوب وسلط أبواقه وامكاناته الاعلامية لبث الفتنة بين المواطنين الشماليين والجنوبيين وعمل على ترويع الجنوبيين لترك الشمال بالتهديدات والتصريحات على أعلى مستوى.

6. رفض بصورة متعسفة الاتفاق على ترتيبات مابعد الاستفتاء مزدريا العرض الذي قدمه الحكماء الأفارقة في اجتماعات 7 نوفمبر 2010 الماضي والذي عالج مسألة الجنسية والبترول والعملة بما يؤمن العلاقات الشعبية والمصالح الاقتصادية بين الجنوب والشمال في حالة الانفصال.

7. رفض اي تسوية حول نزاع ابياي، وصعّد النزاع على المنطقة لمحكمة العدل الدولية وهلل للقرار ثم تنكر لتنفيذه، وعمل على دفع عناصر من المسيرية ليستتر بها في المواجهة معرضا التعايش السلمي بين المواطنين في مناطق التمازج لخطر مهددا لمصالح قبيلة المسيرية في الرعي جنوبا حفاظا على ثرواتها ونمط حياتها.

8.  نشأت مفوضية الاستفتاء في ظل هذه الأجواء المتضجرة والمليئة بالريبة وعدم الثقة والتراشق فعمل رئيسها البروفيسور محمد ابراهيم خليل بحكمة واقتدار على تنظيم أعمالها بروح من المسئولية الوطنية والتعاون بين اعضاءها الجنوبيين والشماليين في ظل قانون معيب مدركا خطورة الموقف منبها الرئاسة بضرورة وقف التراشق وتهيئة المناخ لاستفتاء حر ونزيه ومنح مزيد من الوقت لتجويد العملية مطالبا بتوفيق الأوضاع القانونية والدستورية للمفوضية لحمايتها من اي طعون في عملية الاستفتاء أو نتائجه.

9. واصل المؤتمر الوطني التصعيد ودفع منسوبيه للطعن لدى المحكمة الدستورية لوقف اجراءات الاستفتاء معرضا البلاد لخطر العودة للحرب مرة أخرى.

 
وفي ختام هذه الرسالة الموجهه صوب القيادات الوطنية الحادبة وإلى الشعب السوداني أجمع :

 يجب على المواطنين أجمع فهم ومعرفة هذه الحقائق وأن يعمل الشعب السوداني على تحميل المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية مسئولية تقسيم السودان وعودة الحرب ورفضها لدعوات القوى الوطنية لتحكيم صوت العقل والجلوس مع القوى السياسية لايجاد مخرج شامل لأزمة الحكم في البلاد لوقف الحرب في دارفور والاتفاق على عرض دستوري عادل يرجح خيار الوحدة ويمنع العودة إلى الحرب.
إزاء هذا الموقف لابد من حشد الصف الوطني لمنع الفتنة والعودة إلى الحرب مرة أخرى، والحفاظ على السلام الاجتماعي، ويجب التفاكر والتدارس فيما بين القوى السياسية الوطنية الحادبة على مصلحة الوطن والمواطن لأخذ التدابير اللازمة لحماية وثيقة الحريات والحقوق الدستورية لأهل السودان وتحقيق التحول الديمقراطي ومعالجة أزمة المعاش والغلاء، والتواصل مع الحركة الشعبية والقوى السياسية في الجنوب على مستقبل العلاقات الاستراتيجية بين الشمال والجنوب في حالة الانفصال والأسس المطلوبة لبناء دولة سودانية موحدة في مستقبل الأيام بعد إطاحة هذا النظام بإذن الله الذي لاأمل في التوصل لإتفاق معه وإلا سترتكب القوى الوطنية لو شاركت النظام دون الإطاحه به في أي حال من الأحوال بخطأ لايمكن أن يغفره التاريخ .
                   
والله المستعان