حين توجنا استعادة اتحادنا، في ميلاده الثاني (2005 ـ 2006م)، بعقد مؤتمره العام، خلال الفترة من 20 إلى 22 سبتمبر 2006م، تحت عنوان (نحو مشروع ديموقراطي للتثاقف السلمي في السودان)، لم يكن ذلك من فراغ. فقد وقع ذلك في مفصل تاريخي أشرفت فيه الصراعات الثقافية التناحرية بين مكونات أمتنا، وبالأخص في جنوب البلاد وفي دارفور، على مفترق طريقين متناقضين، يبشرها الأول بالانفتاح على آفاق تسوية غير مسبوقة عبر اتفاق نيفاشا الذي قضى بإيقاف لغة البنادق (يناير 2005م)، بينما يتهددها الآخر بالارتكاس إلى حمأة احتراب دموي يطيح، مجدداً، بآمالها في السلام والتحول الديموقراطي، مما عجز عن تسويته، للأسف، اتفاق أبوجا (مايو 2006م). ومن ثم جاءت توصيات البيان الختامي لمؤتمرنا ذاك تعبيراً عن رؤيتنا لمنهج التسوية المنشودة، مطابقة بين (العدالة) و(السلام)، بالتشديد على "أهمية إثراء النقاشات الجارية في البلاد حول متطلبات (العدالة الانتقالية)، بالنظر في الأبعاد الثقافية لمظالم الماضي، واستلهام تجارب الشعوب الأخرى في تعزيز التعايش السلمي، ومخاطبة الذاكرة الجماعية بالتركيز على ما هو مشترك، على أساس المكاشفة والاحترام والتسامح كعتبة مهمة نحو بناء المجتمع السوداني التعددي".
كان المأمول أن نتمكن، عبر ذلك المنهج، من توطين الحل لمشكلاتنا، بدءاً ومنتهى في الداخل، وواجبنا هو البحث عنه، والتوافق عليه، وتطبيقه، سداً لذرائع التدخلات الأجنبية غير المرغوب فيها.
غير أن خطانا تقاصرت، طوال السنوات الثلاث الماضية، عن بلوغ شئ من هذا المرام الوطني، وفشلنا حتى في إيقاف تمدد ألسنة الحريق في دارفور تمهيداً لإطفائه، واستغرقنا الجدال حول أيهما أسبق: (العدالة) أم (السلام)، دون أن ننتبه إلى أن محاولة الفصل بينهما ليست بأحكم من محاولة الفصل بين وجهي العملة الواحدة!
والآن، وفي هذا الظرف الذي تركز فيه الهم الوطني في بؤرة (قرار المحكمة الجنائية الدولية)، فإننا نرى من واجبنا التذكير، مجدداً، بأن المدخل الصحيح إلى هذه القضية هو، بالأساس، رؤية علاجها هنا، في الداخل، بين طاقاتنا الوطنية، وفي حكمة شعبنا التاريخية المتجذرة في مواريثه الغنية المتنوعة والمتعددة المصادر، بما نستطيع، إذا خلصت النيات، أن نصوغ منه شكلاً وطنياً من أشكال (العدالة الانتقالية) يعيننا على تجاوز مشكلاتنا، ورد مظالم تاريخية لا خلاف عليها، وإبراء جراح غائرة أقر بها الدستور الانتقالي، وتحقيق مصالحة وطنية تعترف بالحقائق ولا تزاور عنها، ورفد ما أنجزت، بحنكتها الخاصة، شعوب كثيرة في هذا المجال.
ولعل مما ييسر طرح مشروع (العدالة الانتقالية) في هذا الوقت بالذات أن الدستور قد أرسى أساسه ضمن المادة/21 منه، وتكاد كلَّ القوى السياسية تجمع عليه، بل ولقد أجملت ذلك كله، مؤخراً، مجموعة من منظمات المجتمع المدني وناشطيه المستقلين في مبادرة (اقتناص الفرصة الأخيرة)، جاعلة مبدأ (العدالة الانتقالية) في قلبها كطريق ناجع للحل، واقترحت عقد مؤتمر جامع لا يستثني أحداً للتعامل مع الأزمة الراهنة بروح المسئولية الوطنية الكفيلة بإعادة بناء جبهتنا الداخلية التي لطالما ضعضعها تصلب المواقف والانفراد بالرأي، وإقصاء الآخر. وإننا نضم صوتنا إليهم، وندعو الجميع، حكومة ومعارضة، إلى هذا.
الأمانة العامة
إتحاد الكتاب السودانيين
الخرطوم في 5/3/2009م