ضو البيت: أخطأ ماركس لأن تاريخ الإنسان يبدأ بالوعي

ضو البيت: نحتاج إلى قطيعة معرفية مع النظام السلفي والدخول إلى نظام إسلامي تقدمي
وجدي : الكاتب تحامل كثيرا على اليسار
فؤاد: ينبغي معالجة قضايانا من منظور إسلامي
د.عمرو: جوهر الأزمة ليس في التراتبية السلفية

تقرير:جعفر خضر
نظم منتدى شروق الثقافي بالتعاون مع مشروع الفكر الديمقراطي وبرنامج القراءة من أجل التغيير فعالية مناقشة كتاب (حول التناقض المركزي في السياق السوداني .. طبقية أم تراتبية سلفية ؟) بمشاركة مؤلف الكتاب الأستاذ شمس الدين ضو البيت ، وذلك يوم السبت الماضي (20/1/2018) بقاعة عدن بالقضارف .
اجتمع قرابة الأربعين شخصا وعلى مدى أكثر من ثلاث ساعات لمناقشة الكتاب ـ الذي صدر ضمن سلسلة القراءة من أجل التغيير ـ والذي احتوى على مقدمة و9 فصول في 114 صفحة من الحجم المتوسط .
تضمنت مقدمة الكتاب تعريف الفكر الهيجلي للتناقض بأنه "الحدود أو العناصر المتعارضة، التي تنتشر بشرطية متبادلة في الأشياء، ويرتبط كل منها بالآخر بحلقات توسطية، مؤلفة وحدة الظاهرة أو الموضوع، وهذه العناصر تجد نفسها في وضع تجابه وصراع ينفي بعضها بعضا. هذا الصراع بين المتناقضات يمهد الطريق إلى الأمام وينكشف كمبدأ للتطور والحركة" .
وجاء في الفصل الأول الذي حمل عنوان "في البدء كانت الثقافة" أن التناقض المركزي الذي تبناه الحزب الشيوعي وهو التناقض الطبقي، والطبقة هي وجود مادي مشترك، ووعي ذاتي .
وقد بنت الماركسية فرضية تنطلق من أن المادة سابقة للوعي، وعلى أن المادة هي ما يحدد مدارك الوعي، وبالتالي يتطور الوعي بتطور المادة المحيطة بالإنسان . ودحضت علوم الإناسة (anthropology) الحديثة ـ وفقا للكتاب ـ هذا الأساس الفكري الذي قامت عليه الفلسفة المادية التاريخية، في مدرستها الماركسية، ذلك أن دراسات الإناسة وتاريخ الأنواع البشرية لبدايات تكون الوعي البشري، كشفت عن أن "التنافس المباشر على الغذاء لم يكن مشكلة حقيقية للكائنات البشرية الأولى"، أولاً، بسبب توفر الغذاء النباتي بكميات كافية، ولأن تلك الكائنات أضافت، في وقت باكر جداً، اللحم إلى وجباتها الغذائية لتزيد من ثراء غذائها وتعدده .
في فصل الفكر الطبقي والمجتمع السوداني أكدت الدراسة أن التكوين الطبقي في السودان هش هامشي وغير ناضج . قُدر في عام 1953 عدد العاملين بأجر والمرتبطين بنقابات عمالية بأقل من 2% من مجموع سكان البلاد بينما يعمل أكثر من 98% من القوى العاملة في القطاع المطري . كما أن الولاء الطائفي للقوى العاملة المنضوية في النقابات ظل قائما .
وأورد الكاتب تعريف الجابري للماركسية بأنها "نظرية في تفسير الفقر والظلم الاجتماعي في مجتمع رأسمالي أو شبه رأسمالي ، وأيديولوجيا لتعبئة ضحايا ذلك الفقر والظلم من أجل النضال ضدهما وذلك من أجل وضعية عادلة يستعيدون فيها حقوقهم" . وأوضح الكاتب أن الجزء الأول والأهم من التعريف يكشف أن الماركسية تتطلب الدراسة والبحث في الواقع ولم تصحب دراسات دخول الفكر الطبقي الماركسي السودان دراسات للواقع الاجتماعي الاقتصادي السوداني من منظور طبقي ، وانصب التركيز على الجزء الثاني السياسي من التعريف وهو استخدام الماركسية كأيديولوجيا لتعبئة ضحايا الفقر والظلم .
وفي فصل "المارد الخفي" نص الكتاب على أن الوجه الآخر لما عُرف في الأدبيات السياسية بالدائرة الشريرة المتصاعدة : نظام دكتاتوري ـ انتفاضة ـ فترة ديمقراطية قصيرة ـ نظام دكتاتوري أطول ـ انتفاضة .. الخ ، نص على أن الوجه الآخر في سجالات الحقوق والكرامة أن الدائرة تتكرر بصورة كل عشر سنوات على النحو التالي: حركة مطالبة بحقوق في المواطنة والكرامة الإنسانية ـ رد فعل مطالب بدستور إسلامي تقوده فصائل سلفية دينية ـ حرب أهلية ـ حركة المطالبة بحقوق المواطنة الشاملة ـ مطالبة بإقامة دولة إسلامية ـ حرب أهلية أشرس .. وهكذا .
وأضاف الكتاب أن هنالك توجهين فكريين في تناول قضايا التخلف الاجتماعي ينحو أحدهما إلى سؤال : من فعل بنا هذا ؟ أما التوجه الآخر فيطرح على نفسه سؤال: ما هو الخطأ الذي ارتكبناه ليحدث لنا ما حدث ؟ وأكّد الكاتب أن السؤال الثاني يفتح نوافذ منتجة للعمل ، ويشحذ طاقات وهمم مثمرة للفكر والفعل لا يتيحها السؤال بالصيغة الأولى .
وفي فصل "الاستراتيجية المزدوجة للسلفية العالمة" نص الكتاب أن الحركة اختارت أن تتبنى صيغة غامضة ومعممة للدستور الإسلامي لما يزجيه الغموض من مزايا تخدم الاستراتيجية المزدوجة . أتاح الغموض للحركة ميزة هجومية تستطيع بها أن تدمغ بالإلحاد أو الشيوعية ومحاربة الإسلام والعلمانية ، كل من يعارض فكريا أو سياسيا أو قانونيا أي جزء من حزمة كبيرة من المقولات التي لا تنسب للدين ، أو ممارسات حركة الإخوان التي تدخل في صميم حياة السودانيين الاجتماعية والثقافية والاقتصادية .
يقول هيجل أن التاريخ الحقيقي للإنسان لا يبدأ إلا مع ظهور الوعي ، ويضيف الكاتب مقولة ماركس الشهيرة "ليس وعي الناس هو ما يحدد كيفية وجودهم ، بل كيفية وجودهم الاجتماعي هي التي تحدد وعيهم" ، وتبني الماركسية على ذلك نظاما معرفيا كاملا يعطي البنية التحتية المرتبطة بعلاقات الإنتاج أولوية في التأثير على تطور المجتمعات . ويقول الكاتب أن الدراسات العلمية الحديثة أثبتت مقولة هيجل .
نص الكتاب على أن النظام المعرفي الإرشادي Paradigm يعني "مجموعة القواعد المعتمدة لدى جماعة أو ثقافة معينة في عصر بذاته كوسائل لفهم الواقع وحل المشكلات وتوليد المعرفة المجتمعية وإعطاء قوة الدفع المحفزة للتقدم والنهضة" وإن الفكر والثقافة السياسية للمنظومة الدينية السلفية في السودان قائمة على نظام معرفي تتعارض مكوناته المفاهيمية المغلفة بالقداسة مع أسس العدالة الاجتماعية الحديثة .
وانتقل ترتيب الخليفة عمر بن الخطاب للناس حسب منازلهم ـ حسب نص الكتاب ـ بالمزاوجة بين "القرابة" للنبي (ص) و"السبق في الإسلام" عن طريق النقل والتقليد والاستعادة ، عبر القرون كما سبق القول ، وتحور هذا الترتيب في الأثناء ليستقر بصورة عامة على هيكل تراتبي يضع (الأشراف) على رأس القائمة ، يليهم العرب ، ثم نساؤهم ، ثم المسلمين من غير العرب ، ثم أهل الكتاب ، ثم غير المسلمين ، تتبع كل منهم نساؤهم .
وفي السودان تنعكس هذه التراتبية السلفية في مؤشرات التنمية المعينة ، للجهة الجغرافية الإدارية التي تغلب على قاطنيها المرتبة الموازية في الهيكل التراتبي السلفي المذكور .
ولا مجال للاستزراع والاستنبات والتعهد بالرعاية والنماء وتأسيس دولة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ، إلا بتفكيك منظومة السلفية الدينية ، التي تقف عائقا ، أمام هذه العمليات ، والقطيعة المعرفية مع مكوناتها الفكرية والسياسية والمادية .
وفي الفصل الأخير "مهام الفكر السياسي الجديد" لخص الكتاب الأولويات الخمس التي تتمثل في : تنمية القطاع المطري التقليدي ، وأسس الإدارة السليمة للتنوع في السياق السوداني ، وثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان ، وحماية وإعادة تأهيل البيئة الطبيعية ، والإصلاح الديني .
هذا وقد قام الأستاذ محمد محمود ـ عضو مجموعة شروق جنوب للقراءة ـ بتقديم تلخيص في بداية الفعالية ، ومن ثم أضاء مؤلف الكتاب الأستاذ شمس الدين ضو البيت بعض الجوانب قائلا أن المثقف السائد في السودان المثقف التنفيذي الذي تصدى لحكم السودان دون معرفة والمثقف الايديولوجي ، والذي نحتاج إليه هو المثقف الديموتنامي المعرفي .
وقال الأستاذ شمس الدين ضو البيت لم نتفق على طبيعة مشكلة السودان بعد ، الشيوعيون ، الذين هم في قلب اليسار ، يرون أن الصراع الطبقي هو جوهر الصراع ؛ بينما يرى الإسلاميون أن المشكلة في ابتعاد السودانيين عن الدين . وأضاف هنالك صراع المركز والهامش كتصور سياسي .
وفصّل ضو البيت قائلا أن الفكر الطبقي يقوم على مسلمتين : المادة سابقة للوعي ، والتنافس على الغذاء . وقال أن ماركس يرى أنه استعدل الفكر الهيجلي وأوقفه على رجليه ، ولقد ثبت خطأ هذا المنحى إذ أنه رغم أن المادة سابقة للإنسان من حيث التسلسل الزمني إلا أن تاريخ الإنسان يبدأ بالوعي ، ومن ناحية أخرى أثبت علم الإناسة أنه لم يكن هنالك تنافس على الغذاء بل كان هنالك تعاون وقد أضاف الإنسان اللحم إلى غذائه منذ وقت مبكر .
وأوضح ضو البيت أن الثقافة هي استراتيجية البقاء وأن محركات التاريخ خمسة : أولها العدل وهو المحرك الأساسي ، والكرامة والعلم وهما محركان خلفيان ، والسلام والقوة وهما محركان أماميان . وأضاف أن اليسار أهمل القطاع التقليدي الذي تُرك نهبا للأخوان المسلمين حيث توجد حاضنة اجتماعية لهم .
من ناحيته قال الأستاذ وجدي خليفة ـ عضو مجموعة شروق جنوب للقراءة ـ أن الكاتب تحامل كثيرا على اليسار ، وأشار إلى ملتقى العلمانيين والإسلاميين مؤكدا أنهما لا يلتقيان . وزاد أن مفهوم الحاكمية الذي يتبناه الإسلاميون مفهوم مقدس ينبع من الإله ، بينما يستند اليسار على مفهوم المواطنة والحاكمية للشعب . ووصف وجدي الصراع بأنه اقتصادي سياسي وأن اليسار المحاصر ينهض على مفهوم العدالة الاجتماعية والاقتصاد الاشتراكي ، وقال أن طرح الكاتب كمعظم كتب سلسلة قراءة من أجل التغيير تلتزم منهج التحليل الثقافي .
ونفى الأستاذ شمس الدين ضو البيت أي تقليل من دور اليسار ، وأورد من الكتاب ما يدل على إعطاء اليسار حقه ، وقال أن ما قدمه هو عبارة عن نقد فكري ، وأضف أن الحزب الشيوعي لم يجبر الحركة الإسلامية على تفصيل برنامجها ، ونفى اتباعه لمنهج التحليل الثقافي وأكد أنه يتبع منهج تحليل معرفي .
من ناحية أخرى وصف الأستاذ فؤاد إدريس ـ عضو مجموعة شروق جنوب للقراءة ـ الكتاب بأنه ابستمولوجي معرفي وأن الكاتب قدم معالجة مثالية ارتكزت على أن الإشكال يكمن في التراتبية السلفية ، ويرى فؤاد أن المطلوب هو تجاوز التراث الثقافي الديني وإحياء أصول الدين بالرجوع للقرآن وأن إسلامية المعرفة قطعت شوطا في هذا الصدد . وقال بعد أن فشلت المناهج الغربية في حل مشاكل مجتمعنا طوال العقود الماضية فينبغي معالجة القضايا من منظور إسلامي .
وقال الأستاذ شمس الدين ضو البيت مفاهيم التراتبية السلفية مثل الحاكمية والقوامة وأهل الذمة وطاعة ولي الأمر تناقض حقوق الإنسان ، وأن النظام المعرفي السلفي يشتغل الآن لوحده ولا يحتاج حتى لنظام حكم إسلامي كما يظهر في الميراث .
وزاد ضو البيت أن القانون يعالج علاقات قائمة ، والآن بعد 1400 سنة تغيرت العلاقات ولم يتغير القانون ، وأن هنالك 23 آية عن الرق فمن يتكلم عنها فهو خارج التأريخ . وأكّد ما نحتاج إليه هو قطيعة معرفية مع النظام السلفي والدخول إلى نظام إسلامي تقدمي .
من جهته اتفق د.عمرو عباس مع الكاتب في أن الصراع الطبقي لا يصلح لتفسير الصراع في السودان ، واختلف مع الكاتب في أن جوهر الأزمة تراتبية سلفية وقال أن جوهر الأزمة في تمحور الحياة في السودان حول الأرض والعرض مما أفضى إلى عقل محافظ غير منفتح وأضاف أن الأديان مرتبطة بالسلطة وضرب مثلا عندما أسلم عبد الله برشمبو أسلم سكان مملكة المسيحية .
ورأى الباشمهندس مصطفى السيد أننا نعاني من وقوعية استسلامية ووعي إذعاني وسلطوية أيديولوجية ، ونعاني من بلادة صناع القرار ، ونحتاج إلى تمرد على الواقع وإصلاح ديني يحرر الدين ونحتاج إلى خيال سياسي وإتباع سياسة تمكين الشباب .
وتساءل الأستاذ مصعب عبد الله عن الفرق بين المثقف العضوي والمثقف الديموتنامي المعرفي ، وقال أن الاقتصادي عامل محدد والديني عامل سيطرة ، وأن الاختلاف بين المنهج الهيجلي والماركسي أن الأول يستند على التماثل والثاني على التناقض ، وأن في الثقافة يكمن الصراع الطبقي . ورأى الأستاذ عبد الناصر سعيد أن التغيير الثقافي الذي يبدأ من أسفل يستغرق زمنا أطول لكن جدواه مؤكدة . وتساءل الأستاذ محمد فتح الرحمن هل القطيعة المعرفية المنشودة تعني أن يكف المواطنون عن العمل على تغيير النظام ؟.
وقال الأستاذ شمس الدين ضو البيت أن المثقف الديموتنامي المعرفي هو تفصيل للمثقف العضوي المنخرط في قضايا الجماهير ، وأكد أن المعنى الصحيح للسياسة أنها علم بناء الدول والمجتمعات ، وأكّد على أن تغيير النظام ضروري ولكنه غير كاف .
هذا وقد اعترض الأستاذ شرف حسن ـ عضو مجموعة شروق جنوب للقراءة ـ على عدم المساواة بإعطاء رئيس الجلسة (كاتب هذا التقرير) زمن نقاش إضافي لبعض أعضاء المجموعة . هذا وقد أكّد رئيس منتدى شروق الثقافي الأستاذ رمزي يحي على أنّ الآراء التي قيلت في الفعالية تمثل قائليها وليس منتدى شروق الثقافي وشكر الأستاذ شمس الدين ضو البيت والدكتور عمرو عباس على أريحيتهما وتكبدهما مشاق السفر بالحضور إلى القضارف من أجل هذه العالية .