محمد أحمد عوض الكريم: بابكر كان مناضلا منذ صغره
اليمامة: يا سخي كالغمامة .. يا وفي كالحمامة
الفنان محمد حسن : نلتزم بطباعة ديوان للشاعر بابكر عوض الكريم
الإعلامي محمد الفاتح : علمنا بابكر أن نلتقي في الوطن
خالد محمد طه: نتعهد بجمع كتابات الفقيد ونشرها
رمزي: بابكر يمثل نموذجا لتماذج ثقافات القرن الأفريقي
حسن علي سر الختم: لبابكر مقدرة على احتواء اللغة العربية بصورة مدهشة
تقرير: جعفر خضر
هذا القطیع تشابهت ألوانه فمن تراها فی القطیع اللاشیة؟
لا صدق یبدو فی المدائن سیدی فالحق ببئر حیث یستسقی الرعاة براشیة
وابصر لطورک إن اردت تیقنا ..
أو فاقتبس نارا تؤانس من ترکت وتتقی شرالعیون الواشیة.
هذا مطلع آخر نص كتبه على صفحته في الفيسبوك ـ كتبه بابكر عوض الكريم الذي رحل عن دنيانا في العشرين من ديسمبر العام الماضي ، والذي نظّم له منتدى شروق الثقافي تأبينا مساء الأربعاء الأول من أمس بقاعة عدن بالقضارف ، بعد أن منع جهاز الأمن إقامة التأبين بالشواك مسقط رأس الشاعر التي ولد فيها في ﺍﻟﻌﺎﻡ 1951 من ﺃﺏ ﺳﻮﺩﺍﻧﻲ ﻭﺃﻡ ﺇﺭﺗﺮﻳﺔ .
لملم جراحک سیدی ما أنت الا بعض من رحلوا خفافا والحشاشة مرجل..
والعین من طول البکاء تبیضت ظلما وحیف.
لا یوسف فی القوم کی یلقی الرداء لتستعید بریقها
ویعود ذاک الحلم فی مهد الصبا.. وتعود تخضر الربی
.. وتدب ترکض کالأیائل فی ابتداءات الخریف.
یا أیها الوجع المعشش فی الضلوع بلا نزیف.
ارحل.. فما عادت لدیک زوامل للحمل إن جار الزمان وصوحت فی التل أشجار الأرز..
وقال شقيق صاحب هذه الكلمات الأستاذ محمد أحمد عوض الكريم ـ في حفل التأبين ـ أن هذا الجمع الذي جاء لتأبين بابكر يدل على أصالة الشعب السوداني ، ووصف المنتدى بأنه فخر للقضارف ، وقال أن بابكر كان مناضلا منذ صغره فقد كان أحد الذين امتطوا قطار كسلا بقيادة محمد جبارة العوض إبان ثورة أكتوبر لنصرة ثوار الخرطوم في العام 1964 ، وكان أثناء دراسته بالمرحلة الثانوية ببورسودان قد انتمى للجبهة الديمقراطية وكان يقود المظاهرات ، وحدث أن تم اعتقاله لمدة ثمانية شهور بجريرة العثور على صحيفة الميدان في غرفته هو وزملائه . وأضاف كم ذهبتُ إلى المعتقلات زائرا له أو محاولا الإفراج عنه ، ونبّه إلى أنه كان يقيم الليالي السياسية ببورسودان دعما للثورة الأرترية ، وأضاف لم يكن شعر بابكر مقتصرا على السودان وأرتريا وإنما كان عالميا فقد كتب عن جمال عبدالناصر وجيفارا وغيرهم ، وأكد أن شعره السياسي لم يُنشر بعد وضاع الكثير منه بسبب الأحداث السياسية التي مرت بالبلاد ، وزاد أن نثر بابكر لا يقل عن شعره . وشكر عوض الكريم الإعلامي عبد الله محمد الحسن الذي أشرف على علاج الراحل برفقة الإعلامي الطيب قسم السيد ، وشكر حكومة القضارف ممثلة في واليها ومعتمديها ومجلسها التشريعي الذين وصلوا أسرة الراحل في العزاء ، وشكر كل مواطني القضارف الذين شيعوا الفقيد وترحموا عليه ، وأضاف وفي أريتريا صلوا عليه صلاة الغائب في عدد من المساجد .
كان من المفترض أن يكتمل تأبين بابكر في الهواء الطلق بمدينة الشواك لكن تعسف جهاز الأمن حال دون ذلك ؛ لذا ظل بعض الحاضرين وقوفا على أرجلهم خارج القاعة الضيقة وهم يستمعون إلى "اليمامة" الصغيرة وهي تنشد ..
لا بتعرف تهادن ولا بتعرف تصالح كل منبوذ وطالح
يا مليان محنة للناس التعابة .. الفقرا العذابا
عالي جبينو هامه .. ما سكة ندامه
يا سخي كالغمامه .. يا وفي كالحمامه
عشت عفيف وطاهر .. في سرك وظاهر
رضيت بالقليل .. ودا الزايدك وسامه
يا أشرف مناضل يا أشرس مقاتل
وأصفى مع ابتسامه يابا مع السلامه
وحين قالت "يابا مع السلامة" لوحت اليمامة بابكر عوض الكريم بيديها مودعة أباها الذي لم يودعها وسافر ! وشكرت صغيرة السن اليمامة منتدى شروق الذي اشترط جهاز الأمن محو اسمه تماما من اللافتة ليسمح بإقامة التأبين بالشواك مع شروط أخرى .
التزم الفنان محمد حسن الذي جاء من الخرطوم خصيصا للمشاركة في التأبين ـ ممثلا لجمعية الصداقة السودانية الاريترية ـ التزم بطباعة ديوان للشاعر بابكر عوض الكريم ، وقال أن بابكر كان من دعامات أواصر العلاقات بين البلدين وأحد مؤسسي جمعية الصداقة السودانية الأرترية في شكلها الحالي ، ووعد بأن تكون الذكرى القادمة في دار الجمعية ، ثم تغنى الفنان محمد حسن صاحب أغنية ريتا الشهيرة ..
رَوّح معاك عمر الهنا
يا الفرقتك تمت سنة
شوية من عمر الزمان
لكن كتيرة علي أنا
سفرك نشوفو حلم حلم
سكتنا بيك يا ريت تلم
وقد شد الرِحال إلى القضارف الأستاذ خالد محمد طه أحد أصدقاء الراحل وتلامذته ومعاشريه بأريتريا وقال كان يجب أن نلتقيكم قبل عام ، لكن وكما يقال ( البكا ليي حولو بيجيب زولو) ، وأضاف مخاطبا بابكر ـ كأنه يقف أمامه ـ تظل كلماتك أستاذنا ، هي كل الاكتمالات ، نحو التقدم ، صوب التسامي، نحو إللامحدود والحرية ، تصمد أغنيتك كمذهبٍ إلهي ، يا من فهمت الحزن ، وعلمت الحب . وأضاف خالد: عاش حياته سعيدا ، لأنه كان يري ما لديه من نعم ، ولم ينحني بفعل ما عليه من هموم ، كان بارا بالكبار ورحيما بالصغار ، محسنا للجميع ، واعدا وأخضر ، كان ثوريا وأنضر، كان سمحا ومتسامح، صلبا وراسخ. وأفاد خالد أن تعليم اللاجئين في السودان كان لا يتجاوز الابتدائي لكن بابكر باجتهاده نجح في أن ينفتح الباب لتعليمهم إلى ما بعد الجامعة . وجدد خالد العهد بجمع كتابات الفقيد ونشرها .
وشارك في التأبين الذي التأم تحت شعار ”لا تودعني وسافر..“ د.خضر الخواض ـ أحد أصدقاء المرحوم وتلامذته ـ الذي ألقى كلمة في حق الراحل . وأرسل الشاعر مصعب الرمادي قصيدة "موعِدٌ مع القدر" إلى روح بابكر عوض الكريم ..
أنت أدرى بيِّ ،
رائق كالمزاج تدعوك اليها ،
كالمسافرة ِلا تودعني ولكن تدسني كالدَّمعةِ تحت الوسادة
عندما عن " طريقها الثالث " مقاعد السمع التي قد اعددتها
من نسيانك لمأمورية قاطرات القضارفية المُهاجرة .
وكان الموت ولادة فقد شهد تأبين بابكر ميلاد ملحّن جديد ، فقد لحّن الفنان الصاعد الصادق عز الدين قصيدة "لا تودعني وسافر" وشدا بها في حفل التأبين وقصيدة أخرى ..
ﻻ ﺗﻮﺩﻋﻨﻲ ﻭﺳﺎﻓﺮ .
ﻓﻐﺪﺍ ﻳﺸﺮﻕ ﺻﺒﺢ .
ﻭﻏﺪﺍ ﻳﺒﺮﺃ ﺟﺮﺡ
ﻭﻏﺪﺍ ﺗﺄﺗﻲ ﺍﻟﻔﺮﺍﺷﺎﺕ ﺍﻷﻧﻴﻘﺔ
ﻭﺍﻟﻐﻨﺎﺀ ﺍﻟﺜﺮ ﻏﺎﻣﺮ .
ﻭﻏﺪﺍ تنسى ﺑﺄﻧﻲ ﻛﻨﺖ ﺍﺳﻤﺎ
ﻣﺮ ﻓﻲ ﻣﺎﺿﻴﻚ ﻋﺎﺑﺮ .
ﺭﺑﻤﺎ ﺗﺬﻛﺮ ﻳﻮﻣﺎ ﺇﻧﻨﻲ ﻛﻨﺖ ﺣﺒﻴﺒﺎ
ﻳﺎﻧﻊ ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ ﺁﺳﺮ .
ﺭﻏﻢ ﻫﺬﺍ ﻳﺎ ﺣﺒﻴﺒﻲ .. ﺭﻏﻢ ﻫﺬﺍ ﻻ ﺗﻮﺩﻋﻨﻲ ﻭﺳﺎﻓﺮ
وتواترت الكلمات إذ قال صديق الراحل الأستاذ عثمان جيلاني كان بابكر معلما ناجحا يدرّس التاريخ والجغرافيا وكان موسوعيا ومرجعا لزملائه المعلمين وكان متواضعا واجتماعيا ومحبوبا من الجميع . وأضاف الإعلامي محمد الفاتح علمنا بابكر أن نلتقي في الوطن هذا ما تعلمناه منه ورفضه حتى من ننتمي إليهم . وقال الأستاذ حسن علي سر الختم ـ الذي عاصر الفقيد أثناء دراسته بالمرحلة الوسطى بخشم القربة ـ كان بابكر يشكل حضورا دائما في الجمعية الأدبية ، وقال لبابكر علاقات بكبار الشعراء وزاد: إنّ مقدمة ديوان "لا تودعني وسافر" عبارة عن نص شعري كامل الدسم ، وأكد أن لبابكر مقدرة على احتواء اللغة العربية بصورة مدهشة ، وحكى بعض تفاصيل تجنيده للحزب الشيوعي وتميزه المبكر . وألقى آخرون كلمات من الحروف والدموع .
سبق أن شد الراحل الرحال من الشواك إلى القضارف ليشارك في فعالية شروق "تبقى الوشائج ما بقى شجر الحراز" التي أخذت عنوان إحدى قصائده ، وشارك بابكر عوض الكريم حضورا في تأبين بابكر النور الذي نظمه المنتدى وألقى كلمة تحت عنوان "وتر المثلث القائم الزاوية" وشارك عبر الهاتف في زيارة الروائي العالمي طارق الطيب للقضارف بإلقاء قصيدة لوركا عبر الهاتف ، وعدد رئيس منتدى شروق الأستاذ رمزي يحي مشاركات الفقيد للمنتدى ووتحدث عن إنسانيته ومآثره التي لا تخفى على أحد ، وقال أن بابكر يمثل نموذجا لتماذج ثقافات القرن الأفريقي ، وشكر أسرة الفقيد والمشاركين الذين تكبدوا المشاق لحضور التأبين .
إبداع بابكر عوض الكريم يستمر فمثلما حصل على المركز الأول في ﺍﻷﺩﺏ ﺍﻟﻤﻜﺘﻮﺏ ﺑﺎﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻓﻲ ﻣﻨﺎﻓﺴﺔ "ﺭﺍﻳﻤﻮﻙ ﺍﻷﺩﺑﻴﺔ" بأريتريا ﻟﻸﻋﻮﺍﻡ (2000 ـ 2001 ـ 2002) . ﻭمثلما ﻓﺎﺯ ﺃﻳﻀﺎ ﺑﺪﺭﻉ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺨﺮﻃﻮﻡ ﻋﺎﺻﻤﺔ ﻟﻠﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ 2005 ﻛﺄﻓﻀﻞ ﻧﺺ ﺷﻌﺮﻱ ، فقد فاز في يوم تأبينه بميلاد الملحن الشاب الصادق عز الدين الذي منح قصيدتين من قصائد الفقيد جناحين من النغم والصوت الشجي .
وكتابات بابكر باقية فها قد خرجنا من التأبين بالتزام من الفنان محمد حسن بطباعة ديوان لبابكر لينضاف إلى دواوينه المطبوعة "ﺃﺭﻭﻯ ﺭﻧﺔ ﺍﻟﻔﺮﺡ ﺍﻟﻤﻬﺎﺟﺮ" الذي ﺻﺪﺭ عن ﺩﺍﺭ ﻋﺰﺓ ﻟﻠﻨﺸﺮ 2005 ، وديوان "ﻻ ﺗﻮﺩﻋﻨﻲ ﻭﺳﺎﻓﺮ" الذي صدر 2014 ، ﻭﻟﻪ ﺗﺤﺖ ﺍﻟﻄﺒﻊ ﺩﻳﻮﺍﻥ "ﺍﻟﻔﺠﺮ ﻓﻲ ﻋﻴﻨﻴﻚ ﻓﺠﺮﺛﺎﻧﻲ" ، وﻛﺘﺎﺏ ﺗﻮﺛﻴﻘﻲ ﺗﺄﺭﻳﺨﻲ ﺁﺛﺎﺭﻱ ﺑﻌﻨﻮﺍﻥ "ﺍﻷﺗﺒﺮﺍﻭﻱ ﺣﻀﺎﺭﺓ ﻣﺘﺠﺬﺭﺓ ﺃﻡ ﺗﻨﺎﻗﻞ ﺛﻘﺎﻓﺎﺕ..؟" .
وتم اختتام التأبين بالدعاء للراحل من أبنائه من صلبه ومن أبنائه تلامذته وإخوانه وأصدقائه ومحبيه ، ومتى كان الصلاح في أحد تكون استمرارية أعمال بابكر عوض الكريم الصالحة .
لم يكن التأبين نقطة نهاية ، بل كان نقطة لبداية جديدة واستمعنا لوصية بابكر عوض الكريم الواردة في نص "أکتب الآن الوصیة" ..
بهدوء اکتب الآن الوصیة
ربما أنسی یراعی والقراطیس الأنیقة
نصف ذاکرة تعاود نبضها عند الصباحات البواکی
کی تغیب بلا وداع فی إبتداءات العشیة
اکتب الآن الوصیة
...
فامنحونی إرث جدی. .سیفه الضاری .. وقلبا تتمناه الضواری..
واسرجوا الفرس المطهم.. درعونی بالصلابة ..
والصلاة المستجابة.. واسندوا ظهری بإیمان الغلابة..
ودعونی املأ الساحة هزجا بالملاحم ملء تجویف العقیرة.
***