مرافعة

من خلال متابعتي للأخبار،قرأت الأسبوع الماضي خبرا أصابني بالحزن ولون يومي بالكآبة، أوردته جريدة الصحافة عن  60 طفلاً  من مرضى القلب يتشبثون بأمل الحياة منذ ستة أشهر، وهم ينتظرون حصول ذويهم المعسرين على الأموال اللازمة لإجراء عمليات قلب بمستشفى أحمد قاسم بالخرطوم بحري، وأبدت الدكتورة سهام أحمد حسب الرسول، استشاري أمراض قلب الأطفال بالمستشفى– حسب ما جاء في الخبر- بالغ قلقها على مصير الأطفال المنتظرين لعمليات القلب منذ شهور لإنقاذ حياتهم ، ويقف المال حجرة عثر أمام إعادة الحياة لقلوبهم الصغيرة ، إذ أن متوسط  تكلفة عملية القلب للأطفال يصل إلى 10 آلاف جنيه  وقالت بيأس "لا نملك سوى أن نتفرج على هؤلاء الأطفال وهم يموتون".
وفي نفس الوقت الذي تقف فيه حياه هؤلاء الصغار على شفير الموت ،بسبب  الحاجة ونقص الأموال اللازمة لإنقاذهم ، أعلن إمام وخطيب مسجد الخرطوم الكبير – حسب جريدة التيار - إنّ صيانة وتوسعة المسجد تكلف 60 مليار جنيه " أي حوالي (25) مليون دولار بالسعر الرسمي".. ونقل الإمام من خلال خطبة الجمعة على لسان رئيس لجنة الصيانة بدر الدين طه أنّ تأهيل المسجد سيشمل كل جوانبه مع الحفاظ على صبغته الأثرية !!!
سادتي معروف أن العبادة يمكن أن تتم في أي مكان سواء كان البيت أو على قارعة الطريق أو في أي بقعة يمكن أن يتواصل فيها العبد مع ربه ، ولكن من يحفظ أرواح الناس حين ينعدم الدواء وتتعرض للخطر بسبب قلة الإمكانيات ؟
إي شخص قليل الذكاء مثلي قد يتسآل مادام خزينة الدولة "عمرانة" بمثل  هذه المليارات لصيانة المساجد ، أليس من الأولى أن تذهب هذه الأموال إلى إنقاذ هؤلاء الأطفال؟ وما الحكمة من صيانة مسجد - وهو مشروع قابل للتأجيل-  بهذا المبلغ الخرافي  وفي هذه الظروف الاقتصادية العصيبة التي تمر بها البلاد؟.
صغار مرضى القلب هم مثال واحد فقط ، من آلاف الأمثلة في بلادي هم في اشد الحاجة لأموال "صيانة المسجد " هذه ،من مرضى السرطان والفشل الكلوي والهومفيليا،  قد ضل بهم العوز والحاجة في صحراء المرض ،ولا يتراءى لإخوان المعاناة هؤلاء سوى سراب "سفه"  تبديد المال العام تارة في مجسمات للكعبة، وتارة أخرى في صيانة المساجد الأثرية وغيرها من البدع "المتمسحة في الدين" .
هل يعلم أمام المسجد الكبير ،ورئيس لجنة الصيانة ،والمسئول الذي  وافق على التصديق بخروج هذه المليارات من خزينة الدولة إن حفظ الأرواح في المبادئ الإسلامية مقدم على كل شئ ؟ وأن الحياة إذا تعرضت للخطر تباح لها المحظورات؟  أم لعلهم لم يسمعوا صرخات الحاجة في المستشفيات ،وانين الصغار المنهكة قلوبهم  من الذين اعتصرت ذويهم ظروف الحياة والحاجة البغيضة والإملاق!!!.
السنا في بلد المعجزات؟؟ إحياء هؤلاء الأطفال أم إحياء الحجارة؟؟!! ،صيانة مسجد أم صيانة جسد وروح وحياة  ؟ ولكن ماذا نفعل إذا ابتلينا ببعض المسئولين من الذين  تربعوا على كراسيهم لمدة 20 عاما ( وأكثر) ولم يتعملوا حتى اليوم أصول ترتيب الأولويات وكيفية إدارة بوصلة الأموال، وفق حاجات البشر، وهذا الامر ليس بغريب علينا  فقد عودتنا -حكومتنا الرشيدة-  دوما على الاهتمام بالمباني وليس المعاني وبالحجر لا بالبشر. ولا حولا ولا قوة إلا بالله.



eshraga mohamed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]