مرافعة



" وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً "  لا أدري  لما قفز إلى ذاكرتي هذا الجزء من الآية الكريمة ، وأنا اقرأ الخبر المنشور الأسبوع الماضي ، عن قيام  وزارة التوجيه والأوقاف والهيئة العامة للحج والعمرة بولاية الخرطوم ،بإنشاء مجسَّماً لبيت الله الحرام،بتكلفة مائة مليون جنية "بالقديم " عدا ونقدا على الجزء الشرقي من الساحة الخضراء؛ وذلك بغرض تدريب الحجاج على كيفية أداء مناسك الحج. حيث أصابني الخبر شخصيا بالتلبك المعوي، "وهيّج على المصران العصبي". 
مئة مليون ليس مبلغا كبيرا حين تنفقه مثلا ماليزيا  أو إيران لتثقيف حجاجها فينعكس ذلك على راحتهم وتنظيمهم ..وأداءهم لهذه الفريضة بمنتهى السلاسة ،إذ يحصل حجاج هذه الدول  دائما على خدمات راقية  مقابل ما يدفعون  ، وفكرة تدريب الحجاج في ذاتها فكرة جيدة  ويمكن أن تقام لها المجسمات ، ولكن أن ينفق عليها  هذا المبلغ، في بلد يعاني ما نعانيه هذه الأيام من فاقة وضيق!!!  فهذا هو "السفه" بعينه وفيه تبديد مفضوح للمال العام ،خاصة وأن اغلب هؤلاء الحجاج من البسطاء قضوا أياما وسنينا  ليوفروا تلك الأموال من دم قلبهم لأحياء هذه الشعيرة، كما أن مثل هذا السلوك في التغاضي عن الاولويات  القصوى والانصراف عنها إلى التفاصيل ، ذاته هو الذي أدى إلى تبديد أرقام مضاعفة لتلك المائة مليون ، بل إلى مليارات لا حصر لها تتدفق في ميزانيات الوزارة وأجهزتها سنويا في موسم الحج ،والكلام ليس من عندي إذ هذا ما تشير إليه دفاتر هاتين الجهتين، والتي تمتلئ صفحاته بالتجاوزات والفساد المالي والإداري الذي كشف عنه اختلاف الوزير والمدير قبل فترة ، ولازالت نتائج التحقيق في علم الغيب ،  ثم آخره الشبهات التي تحيط بعطاءات واختيارات شركات النقل البحري لضيوف الرحمن.

إذ كيف يمكن أن تقنعنا الهيئة المتلبسة بالإخفاقات من رأسها حتى أخمص قدميها ، بان الحاج الذي "تمرمطه"،  وتأخذ أمواله بالباطل ،وتدخله في سلسلة من المعاناة في  المأوى والمأكل والانتقال منذ مغادرته بيته لأداء الفريضة  إلى حين وصوله إليه مرة أخري، قد انتهت جميع مشاكله ، ولم يتبقى سوى تعليمه الطواف بكعبة مجسمة دفع فيها الملايين.
من الأولى للهيئة وللوزارة أن يعلموا الحجاج كيف يتصلون بالمندوب النائم عندما "يطشون" في شوارع مكة  أو المدينة ولا يجدون لهم من سبيل  سوى سؤال المارة والشرطة عن أماكن بعثتهم .
وإذا كان لابد من التمارين فلتعطي الهيئة حجاجها دورسا عن  كيف يدبرون مصاريفهم ،بعد أن ينقطعوا في الطريق بسبب تضارب مواعيد ترحليهم من والى الأراضي المقدسة.
ولتضع لهم الهيئة كتيبا يشرح لهم كيف يتعاملون مع تذمر أصحاب الفنادق والنزل عندما تطول إقامتهم "ملح" بسبب انتظار الترحيل.
وأهم من دروس الطواف في مجسم ملاييني فلتعطي الهيئة الحجاج  تدريبا حول كيفية النوم  في العراء بلا فراش  أو ستر، عندما يزوغ منادييهم أو يغلقون هواتفهم النقالة.
100 مليون جنيه  مبلغ قد لا يكون كبيرا في نظر كثير من الادرات الحكومية، التي تنفق على أثاثاتها وسياراتها بالمليارات،ولكنها  تعني  كثير من الحلول لأزمات الناس في بلادي .
فلتسأل الوزارة والهيئة نفسها ..كيف يمكن أن تصلح هذه الأموال حال عشرات الأسر النازحة من الحرب في النيل الأزرق؟
وكيف يمكن أن تحي هذه الأموال أرواح مئات الأطفال في المايقوما من فاقدي السند والذين يموتون  يوميا من قلة الحليب ونقص الرعاية الطبية بسبب الفاقة؟
وكم ستطعم هذه الملايين من تلاميذ ولايات السودان الذين يقضون طوال نهارهم الدراسي جوعي وعطشى.
أو كم نقالة أو كرسي متحرك  يمكن أن يشتريه هذا المبلغ لمستشفيات في قلب العاصمة تخلو منها، ويُحمل مرضاها العجزة على أيادي ذويهم من باب البيت وحتى باب العملية. وكم ..وكم. من الأوضاع الكالحة كانت ستغيرها تلك الملايين.
ولكن بعد أن وقع الفأس في الرأس ، وانقطع أملنا في وجود جهة تحاسب "مبددي المال العام " فأنا اقترح على الحجاج أن يكون التدريب على رمي الجمرات في مكاتب الهيئة نفسها ، ويا حبذا لو كان على مكتب مديرها العام.


eshraga mohamed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]