مرافعة


(الما قادر على المعيشة في الخرطوم ما يقعد فيها) جملة قالها والي الخرطوم ضمن مؤتمر صحفي الأسبوع الماضي ،معتقدا انه قد وجد الحل لازمات حكومته الغارقة في الخطايا والأخطاء الاقتصادية ،وعلى الرغم من «عبقرية» العبارة التي استفزت أقلام وأحبار كثير من الصحفيين لتسيل انهارا من الذم في سياسات الوالي ، إلا إنني  انصرفت عن تأملها وشغلت نفسي بالحمد والثناء على الواحد الجبار، أن الوالي لم يقل انه سيحكم على «الما قادرين» بالجلد أو الشنق أو المؤبد ، أو الرجم من طرف الحكومة بعدما اقلقوا المسئولين أمثاله وأزعجوه بالشكوى من الغلاء، وعدم القدرة على الوفاء بما يحفظ الحياة.  فكيف لهولاء «الما قادرين» ? خارجهم الله من العاصمة ?  أن يتذمروا ولا يجدوا للدولة عذراً في انشغالها بإطفاء «حرائق اتفاقياتها»، وعدم الاهتمام بقوتهم وحاجاتهم الأساسية؟ .
التجربة علمتنا أن أقوال مسؤولينا في مثل هذه الأمور المضرة بالعباد سرعان ما تتحول إلى قرارات ،و«الظروف ما معروفة» ومن باب «لا عذر لمن أنذر ،والناس يجوا يقولوا ما عارفين ..وما كلمونا»، أنصح جميع سكان ولاية الخرطوم بالتفكير من الآن في اكتشاف كوكب جديد في الفضاء يصلح للعيش، وعني فقد حجزت منذ الآن كوكب المريخ لي وأسرتي ، وكل من قرأ سطوري بإمكانه حذو حذوي فهناك «قطع ارض بالمجان» . لا اعتقد أن المريخيين سيدفعوننا ضرائب أو جبايات ، هم يعرفون جيدا لماذا «طُردنا» إليهم ، ولن يضيقوا علينا العيش برسوم الشهيد والجريح  والنفايات  ، ولن يهدروا ثرواتنا بشراء بصات مستعملة  تم الاستغناء عنها في كوكب زحل ، لا أتخيل كذلك أن والي مريخي حكيم  سيقول للناس إذا ضاقت بهم المعيشة  ذات يوم» شتتوا» وابحثوا لكم عن مكان آخر يناسب تطلعاتكم في الويكة والدكوة والطماطم، والمريخيون بالتأكيد لن يستوردوا  لنا دجاجا «يكاكي» على الورق، أو يستدينوا لينشئوا «ترام ومترو» يعمل بالحطب  ويمشي على زقاقات المريخ. 
والى حين تنفيذ القرار سأظل مواطنة خرطومية ، افخر بسلخاناتها التي ستتحول - بفعل «الما قادرين «- إلى متاحف ،واذهب إلى أسواق الخضار والفواكه لالتقط صوراً تذكارية مع الموز والطماطم  ،وأطالب بشرح معنى كلمة حليب كسائل منقرض، ضمن المناهج التعليمية حتى لا يزعجني صغاري بالمطالبة به ، واشرب من مياه حنفياتها الذي يأتي مرة كل شهر  ملوثا بالعكورة  ومخلفات الصرف الصحي .
سأبقى هنا مواطنة تعشق الخرطوم ، أخوض في أوحال خريفها (الطين والخمج)  والمياه الراكدة ،وأغبر قدمي في شوارعها الترابية المظلمة ، وظلوطاتها «مكلفتة السفلتة» ، وأتعثر  في الحفر وردميات إصلاح المياه ، وإنشاءات المباني التي تترك على جوانب الطريق، وأدمن روائح جبال نفاياتها والأوساخ في إحيائها ، وأتأمل في   مجاريها المغلقة  ، واستمتع بلسعات بعوضها .
سأظل  وفية للخرطوم  احمل فوق ظهري ، منصرفات وزرائها ومستشاريها ، وسياراتهم وسائقيهم ، وبدلات مديريها ،  ومحسوبيات  سلطاتها  ،ورشاوي  موظفيها ، وفساد مسئوليها  ، ومنح نواب شعبها و«نوم»  محافظيها. 
لن أبارح دار جدي في امدرمان  ، حتى لو ربطت جبال كرري على بطني بسبب الجوع ،إلى أن يأتي الوقت الذي سيصدر فيه قرار الطرد الحكومي من مدينتي التي «ولد»  فيها والدي  و»ولدت»  أنا فيها و«ولد» أبنائي فيها  ، حينها فقط  سأحمل  «بقجتي» وأطير ....إلى كوكب المريخ .
eshraga mohamed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]