الأحزاب السياسية السودانية كغيرها من الأحزاب، تتبنى برامج عمل وأهداف تؤسس لمجمل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتتطلع إلى الحكم والوصول للسلطة من أجل تحقيق المصلحة العامة للمجتمع.
وبالرغم، من أنني قد كفرت، من قبل، بالأحزاب السياسية، - وذلك، لأن تجربتي، كانت بائسة وتعسة، وعدّدت من المبررات ما أوردتها في مقال سابق-، ولكن، لا يمكن التعميم، أو إنكار دور الأحزاب السياسية الفاعل في بناء مجتمع حر وديمقراطي. كما أن الأحزاب السياسية تلعب دوراً هاماً في تقويم السلطة الحاكمة وكشف عيوبها وتقويمها بالاتجاه الصحيح، وهكذا ينبغي أن يكون دورها.
ما زال يشغلني التفكير، بمن هو البديل؟؟ وفي كل الأحوال، فإن حكومة المؤتمر الوطني مستبعدة من ذلك، لأنها لن تصلح سوى للذهاب إلى لاهاي، ولا أتفق مع الأطروحات الحزبية التي تذهب إلى التحاور، معها.
بالرجوع لتجارب الأحزاب السياسية السودانية في إنفاذ برامج عملها وتنزيلها إلى أرض الواقع. يبرز سؤال ويطرح نفسه بقوة: هل أحزابنا السياسية قادرة على تحقيق الديمقراطية وحقوق الإنسان؟؟ أم أنها تشكل تهديد للديمقراطية وحقوق الإنسان؟؟.
في محاولة مستميتة للحصول على إجابات مقنعة، رأيت أن أنقب وأسبر في أغوار الأحزاب السياسية، أو بعضها. والمعيار الذي استندت عليه في التدليل على الإجابة، هو معيار الخبرة والتجربة والبرهان، وكذلك عقد مقارنه مع الممارسات التجريبية لحكومة المؤتمر الوطني والتي تصلح بجدارة لعقد مقارنات ومقاربات في تجربة استمرت لربع قرن من الزمان، مع ممارسات الأحزاب السياسية داخل أحزابها والتي استمر بعضها لأكثر من نصف قرن أو أكثر.
بالنظر للممارسات السياسية والفكرية، هنالك من الأحزاب، من ارتبط بحكومة المؤتمر الوطني، ارتباط الحذاء بالقدم، مساهمين في التشويه لكل قيم التمثيل الحزبي، الأمر الذي أدى إلى الشك في تمام أهليتهم السياسية ونقصانها.
كما أن هنالك أحزاب أخرى، حققت صفراً كبيراً في رصيدها، وتساوت مع حكومة المؤتمر الوطني، في الممارسات الشائنة، إن لم يكونوا تجاوزوها في عهرها السياسي، وذلك للأسباب التالية:
-    لم تعرف هذه الأحزاب معنى الممارسة والانتقال الديمقراطي للسلطة داخل الحزب، ولم تؤسس لها، بل أمعنت في الكنكشة، حتى استحقت أن تدخل موسوعة غينيس، وهذا بالضبط، ما تفعله حكومة المؤتمر الوطني.
-    لم تعرف الأحزاب معنى نشر الوعي السياسي ورفع المستوى الثقافي بين أعضاءها وأفراد المجتمع، وهذا بالضبط ما تفعله حكومة المؤتمر الوطني بترسيخ مزيد من الأمية والجهل الثقافي والسياسي.
-    لم تعرف الأحزاب معنى الوطنية، حتى تستلهم نبض الشارع السوداني وتغوص في عمقه، بل تعاملت بسطحية وكبرياء، بالضبط كما فعلت حكومة المؤتمر الوطني من قتل وسحل وسجن وتعذيب المواطنين.
-    لم تعرف هذه الأحزاب معنى الشراكة في اتخاذ القرار، بل تأتي كل القرارت من قائد الحزب، ثم تتنزل للقواعد، (والعاجبه عاجبه) وهذا بالضبط ما تفعله حكومة الإنقاذ، فثلة هي التي تتحكم في مصير البلاد.
-    لم تعرف الأحزاب السياسية معنى توافق الفكر والممارسة، بل عرفت تناقضاً على مستوى الأقوال والأفعال، مثلما فعلت حكومة المؤتمر الوطني بإدعاء تمثيل إرادة الله على الأرض.
-    لم تعرف هذه الأحزاب معنى حسن المعاملة، بل أمعن بعضهم في ذل وتحقير عضويته، وشن الحرب عليهم، وهذا بالضبط ما تفعله حكومة المؤتمر الوطني في قهر وذل المواطن السوداني.
-    لم تعرف هذه الأحزاب معنى الكرامة الإنسانية حتى تترجمها إلى واقع داخل أحزابها، بل أفلحت في الانحطاط والإهانة من الشأن الخاص والعام، وهذا بالضبط ما تفعله حكومة المؤتمر الوطني.
-    لم تعرف معنى المشاركة الفاعلة بين التجمعات السياسية الأخرى، فيما يختص بالحوار والتعاون والتنسيق الشامل لإسقاط النظام، وهذا بالضبط ما تفعله حكومة المؤتمر الوطني بتدنيس إرادة الشعب السوداني.
-    لم تعرف معنى النجاح ولم تحقق لقواعدها سوى إدمان الفشل والبؤس والإحباط، بالضبط، كما فعلته حكومة المؤتمر الوطني حيث تفننت في تحقيق أرقام قياسية لزيادة فشل وبؤس وقنوط المواطن السوداني.
-    لم تعرف هذه الأحزاب حرية التعبير، حرية الفكر، حرية الكلمة والضمير، ولم تمارسه داخل أحزابها، بل على العكس، تفنن بعضها في ممارسة التسلط والاستبداد، بالضبط، كما تفعل حكومة المؤتمر الوطني.
-    لم تعرف هذه الأحزاب معنى الصدق والأمانة والشفافية لتتمثلها وتعمل بها ضمن برامجها، بل هي أبعد ما يكون عن ذلك، وهذا بالضبط ما تفعله حكومة المؤتمر الوطني من إحقاق الفساد وإعلاء رأيته.
-    لم تعرف هذه الأحزاب معنى النصرة والتناصر والتلاحم لقضايا المظلومين وضحايا الحروب، بل وضعوا حاجزاً منيعاً بينهم وقضايا الجماهير، وهذا بالضبط ما تفعله حكومة المؤتمر الوطني بعزل نفسها ومحاربة الشعب.
-    لم تعرف معنى العمل التنظيمي المبني على الأسس والمباديء والأركان والقيم التنظيمية الواضحة والمحددة، دون إخلال باللوائح، بل أتقنت الفوضى والعبث، أسوة بحكومة المؤتمر الوطني التي عبثت بمقدرات الشعب.
-    لم تعرف الأحزاب معنى عزة النفس ولا كيف توطن لنفسها، بل جلبت لقواعدها الخزي والعار، حيث أصبح معظمها يتبارى لكسب ود حكومة المؤتمر الوطني والتحاور معها، دون خجل أو حياء.
في الختام، لا يسعنى، سوى القول، أن الممارسة الحزبية والفكرية قد أثبتت فشل معظم الأحزاب السياسية في توخى مباديء وأسس الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتطبيقها في عقر دارها، فهل يمكن أن ننتظر منها النجاح في إصلاح البيت الكبير؟؟ أو يمكن التعويل عليها كبديل حقيقي لقيادة البلاد؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.