يبدو أن الحصار المفروض على السودان سيتلاشى تدريجياً، وبما أن الحصار اعتمد بالمقام الأول على ضرب الاقتصاد في البلاد فسعى لقطع الطريق على بترول الجنوب ثم سعى أيضاً لضرب حصار على الذهب والمعادن المختلفة. فالموارد السياحية الشاخصة ما تزال تنتظر الاهتمام.
المورد الاقتصادي الذي يستطيع أن يضرب عصافير عدة بحجر واحد هو السياحة، وقد نجح الوزير الحالي الدكتور أبوزيد في فتح آفاقا لم تكن معروفة من قبل في مجال السياحة، أو على الأقل لم يتم الطرق عليها وقد ظهر ذلك من خلال متابعتي لزيارة الدكتور طالب الرفاعي الأمين العام لمنظمة السياحة العالمية والذي ركز على نقاط مهمة أولها أن السياحة مورد اقتصادي هام، كما أنها قطاع مساند لبقية القطاعات، وقد أوضح أن دراسة قامت بها المنظمة أكدت على أن أي وظيفة في السياحة توفر ما نسبته 1,4 في القطاعات الأخرى، فإن قلنا أن إنشاء فندق قد يوفر عملاً لسائقي السيارات الأجرة كما يوفر أعمالات أخرى كثيرة، فلعل السودان بما يتوفر لديه من إمكانات زراعية وفرص لقيام صناعة تحويلية ربما يمكنه أن يحقق نسبة أكبر وقد تصل لـ 2,4 مساندة لوظائف أخرى بقطاعات مختلفة ليكون الاجمالي 3,4 فرصة عمل توفرها السياحة .
فإن وفرت السياحة 500 ألف فرصة بعد انتعاشها الذي يكاد يصبح منظوراً فاجمالي فرص العمل التي ستتوفر بإذن الله تعالى تصل إلى ما يقارب إثنين مليون فرصة عمل في مختلف القطاعات، وهذا فضلاً عن كونه مصلحة اقتصادية مباشرة فهي إجتماعية أيضاً من نواحي عديدة، يزيد على ذلك ما يمكن أن تعكسه السياحة من صورة مغايرة لما ظل يعكسه الإعلام المغرض .
وفرضاً أن معظم السياح هم نخب في مجتمعاتهم فتأثيرهم سيكون أكبر في تحسين الصورة الذهنية الايجابية للسودان، وهنا لابد من الإشارة إلى ضرورة إدارة سمعة الدولة عبر هذه الأفواج السياحة، ولعل هذا ما رأيته البارحة في أول فوج من ألمانيا يزور السودان ويتعرف على الحضارة السودانية القديمة وأهرامات مروي والبجراوية والدفوفة في كرمة وغيرها من المعلومات القيمة الثرة والغنية على ضفاف النيل ليمزج ما بين التراث الأثري والطبيعي بالإضافة للصحراء الممتدة والصالحة لمخيمات بديعة ويحضرني هنا الفيلم الرائع للباحث عباس أحمد الحاج البروفيسور القامة بدرالدين أحمد ابراهيم وهو فيلم الطريق إلى النابع
لقد خاطب الوزير البارحة السياح باعتباره ابن السودان الحريص على تغيير صورتها الخارجية بأخرى مغايرة تعكس حقيقة البلد وكرم وطيبة أهلة وانفتاحهم على الآخرين ما يشجع الكثير من السياح لزيارته ودعاهم ليكونوا سفراء يعكسون ما رأوه عبرهم وعبر صورهم في ألمانيا وكل أوربا. كما خاطب قبلها فوج السياح الـ49 الذين يطوفون أفريقيا بطائرات عتيقة من بلدان عديدة منها اليونان وأمريكا وألمانيا الذين حضروا في 19 طائرة، بعد أن زاروا كرمة ومروي والبجراوية .
إذن فالسياحة يمكن أن تلعب دوراً بارزاً في السياسة وخاصة الخارجية وتسهم مع الخارجية في إدارة سمعة البلاد وتستفيد من تجربة كوبا التي عجزت أمريكا عن الضغط عليها بعد أن فتحت جزيرتها للسياحة ليستمر الحصار الأمريكي عليها 60 عاما دون أن يترك أثراً فتضطر الأخيرة لرفع الحصار مرغمة الأنف .
فإن كانت السياحة مورداً يُدخل مليارات الدولارات للسودان بل ومباشرة للأفراد فالسائح يدخل في جيب البائع البسيط والأسواق أمواله أكثر مما يدخله في جيب الدولة، لتنتعش الأوضاع وتتحرك الأسواق،، فقط نحتاج لمعرفة التعامل مع السياح بصورة أفضل، هذه ناحية أما الناحية الأخرى فإن السياحة ما عادت الوسيلة التي تفرض على المجتمعات المحلية ثقافات جديدة، بل العكس تماماً هو الذي يحدث، فالسائح أصلاً يسعى للتعرف على ثقافات المقاصد التي يقصدها، وهنا تأتي حنكة المجتمعات المحلية في إدماج السياح في بيئتنا وتعريفهم بثقافتنا وبيع الأعمال اليدوية التي يستصحبونها معهم ، فنؤثر ولا نتأثر إلا بما نريد من إيجابيات
وهنا لابد من أشياء مهمة الأولى تسهيل الاجراءات الخاصة بتفويج السياح ولتكون التأشيرة في المطار، ثانيها إلزام الشركات بالضوابط التي تحفظ البيئة المحلية ثقافيا وبيئياً ومتابعة ذلك لنستمتع نحن بيئتنا قبل أن يسمتع بها السائح، ثالثها ترقية النزل والبيوت التي تعكس ثقافتنا وتليق بالضيف ، رابعاً تشجيع السياحة البينية مع الدول الجارة للإستفادة من الفرص المتاحة ولتستفيد كل الأطراف، رابعا تدريب وتأهيل الكوادر العاملة في مجال السياحة والضيافة وعمل المؤتمرات التي تناقش الأبعاد الايجابية والسلبية لترقية الأولى ومعالجة الثانية مع مواصلة المجهود المبذول من قبل الشركات السياحية والوزارة في الظهور بالمعارض العالمية مجتمعة فضلاً عن إقامة معارض هنا تحضر لها كل الشركات السياحية في العالم
السياحة نفط لا ينضب فالآثار باقية بإذن الله والأنعم التي خصنا الله بها باقية كذلك والثروة البشرية موجودة من عاملين وباحثين وطلبة وغيرهم فلنهتم بهم لنعمل جميعا في ترقية السياحة وترقية البلاد وتجاوز التوترات الاقتصادية والحصار العقيم، وأن تضئ شمعة خير من أن تلعن الظلام.

أحمد عبدالعزيز أحمد الكاروري
Ahmed Abdalaziz Alkaruri