عبارة أُفرغت من مضمونها ومعناها بعد أن كان سماعها يقشعر لها البدن !! .. من قال هذا ؟ ومن أفرغها من مضمونها ؟؟ يحاول صاحب المكتبة أن يقنع طالب صغير في حجمه قوى في حجته يقول له أن هذه الكراسة فيها علم السودان ، فيرد وماذا فعل لنا العلم ،، فها أنذا اشتري كراساتي وحتي كتبي بمالي الذي "أجازفه" من عملي في الاجازة .. يرد صاحب المكتبة محتجاً ومعاتباً ،، انت ما سوداني ؟ يرد الطالب المنتقل حديثاً للمرحلة الثانوية بابتسامة حزينه في الجنسية بس .. ما زي مسلم بالجنسية - سوداني ما عندو وطنية ومسلم بالانتساب ...


كيف زُرعت في ابناءنا وجيل الغد مثل هذه السلبية ؟؟ الاجابات تترى ؛ هو نموذج ولا أظن –وليس كل الظن إثم- أنه حالة نادرة بل العكس.. غفلنا عن هذه الفئة، فئة الشباب التي إن احتاجها الوطن ستهب غير مبالية بكل التحديات التي يراها الشيوخ مستحيلة ، وسيقودو التغيير بعزيمة لا تعرف الخنوع والاتكال ،، لم يتهئ الجو العام لطرح القضايا التي تهمهم والسعي لمعالجتها ليس بالصورة التي تأتي لهم بالمن والسلوى ولكن بتذليل الفرص الممكنة وإيجاد البدائل المناسبة، الآن الشاب يرى أزمات قاسية كلها تضرب أم رأسه باستمرار ، وهكذا بدأت تخبو سمات الشباب في عقولهم وقلوبهم ، وإن قسمناهم لقسمين فالقسم العاطل عن العمل قد أدمن نغمة التهميش وعدم الاهتمام وووو فأفقده الحس الوطني معتبراً أن الدولة معنية بشكل كامل بتوفير فرص العمل له ، وما ساعد على ذلك الوعود المتواصلة دون قدرة على تنفيذها ، طرف آخر لا يرضي بوضعه الوظيفي فهو إما أنه يعمل في غير مجال تخصصة الأكاديمي لضيق فرص الاختيار أو أنه يعمل في تخصصه لكنه لايجد التطوير المناسب ولايشعر بأنه يقدم ما ظل يأمله في ظل الامكانيات المحدودة والتحجيم الإداري وكبت المبادرات.


وفي نقاش مع أحد المهمومات بالوطن ذكرت أن مايحدث لشباب السودان بالخارج أكثر خطورة مما يبدو وأن الإعلام الإلكتروني شكل وجدانهم وفكرهم ضد السودان لدرجة بعيدة –مع عدم وضوح الفرق لديهم حالياً بين السودان الوطن والحكومة-، وعند ذكر فقرة الأغنية الشهيرة على سبيل المزاح "كيف يكون الحال لو ماكنت سوداني؟" تتسارع الإجابة ، كان يكون أفضل ..


هذا الحديث المؤلم والتطورات المؤسفة لصورة الوطن والتي للأسف أصبح يعززها أبناء الوطن أنفسهم ناسين أو متناسين أن الوطن لايتمثل في أفراد أو أحزاب أو حتى أجيال ، فهو شرف ورثناه ، كل منا أسهم بهذا الحال مع اختلاف حجم الاسهام ، وسنورثه لخلفنا فإن قلنا أن الوطن لم يقدم لنا شيئاً فهل قدمنا نحن له شيئاً ؟


قد يبادر البعض بقوله أن الحب من طرف واحد لاينجح ، وكيف لوطن لايُمكّن طالب العلم من فرصة في مدارسه وفصوله المحشوة فيطردهم بالرسوم المتوالية للمدارس الخاصة القصية عن الفقراء والمساكين بأغلبيتهم مقارنة بالرواتب الهزيلة التي تكاد تفي الأكل والشرب ولاتكاد ، كيف لوطن يمتنع عن علاج أبنائه وأطفاله برسوم الفحص ومقابلة تجار الطب والدواء المستعصي ومن يفكر في المستشفيات العامة فكأنه يذهب للإهمال والإهانة والموت قبل أن ينال العلاج المجاني الغير موجود حقيقة ، فإن "جازف"حتى أكمل تعليمه ولم توافه المنية فأين له بوظيفة تلبي أبسط أحلامه دون انتظار السنين والوساطة ، فإن بحث عن العمل الحر فالطريق إليه إما للسجن عبر التمويل مع انعدام فرص التسويق أمام عمالقة المؤسسات الحكومية التي نافست المواطن وسيطرت على مفاصل السوق ، أو ارهاق الاجراءات واستحالة الاستمرار مع الجبايات والرسوم السنوية والشهرية والاسبوعية ؟؟؟!!!. فهل يمكن أن تطالب جيلاً بدوره الوطني وقف الوطن حاجزاً دون تحقيق طموحهم وحقوقهم الأساسية في ضوء التغيرات المجتمعية والتطور العلمي  من تعليم وضمان اجتماعي  وحق التعبير والمعلومة والعمل المناسب ... إلخ


فهل هذا التقصير الذي ترك أجيالاً من الأطفال والشباب للبطالة وتحجيم الطموح وغياب القدوة يمكن أن نطالبه بالوطنية ؟؟ فيبادر آخر ليقول إن الحجة قائمة  فليس الوطن من يفعل ذلك بل هي الحكومة ، إضافة لمعرفة الجميع بالضغط الخارجي والموارد الغير مستغلة .. وآخر يقول أن ظروفاً كانت أسوأ من هذه في أيام سابقة لكن لم يفقد فيها أحد حس الوطنية ولم يصل مرحلة التبرأ من وطنه ..


الواقع أن الشباب كثيره هاجر تاركاً البلاد ومن فيها لتحدي غير معلوم ضبابيته قاتمة ، وبعض آخر يسعى بشكل واضح للخروج ،، و عُرفت صالة المغادرة بمطار الخرطوم ببوابة جهنم ، عبارة تشكل وجدان الخارجين والمودعين .. أين حكماء الوطن ، على رف الهامش لايدرون ما يفعلون ، أو يدرون لكنهم لا يستطيعون ، مالحل إذاً ؟ لا شك أن هناك حلاً ما يستطيع أن ينقذ الناس ، أصحاب البصيرة هنا وفي كثير من البلاد المحيطة راجعوا قراراتهم ورفضوا  السير في طريق مصر وليبيا وسوريا ، فالصقور والعقبان ستخطف الثمرة وتحلق بها بعيداً لتترك البقية يقتتلون حتى يصيروا جيف ثم ينقضوا عليهم من جديد .. فما الحل ؟؟


والحوار شكل مختلف لذات النسور والافتراس تعدد أشكاله وأنواعه والاعلام يجعله صور من صور الوطنية ، لكن المواطن ما عادت تخدعه الصور الزائفة لذلك ينظر وينتظر بصبر ..


هل يكمن الحل في الشباب –من بقي منهم- ؟ هل يمتلكون قدرات وكفاءات جديرة بصناعة تغيير إيجابي تنهض بالوطن؟ لاشك في ذلك -إن- أوقفنا وصفهم بأنهم (ليست لديهم خبرة ، شباب ضايع ، عاجز ، منحرف ،،،) وماشابه ذلك فينبغي أن نفعل العكس بأن نمنحهم ثقتنا وهم أهل لها، ونفعل أكثر من ذلك بأن نستثمر فيهم فهم مورد بشري متدفق بالأفكار الغير متحجرة والمواكبة وأن نحترم حقهم في المشاركة في صنع القرار ليس بالأشكال العقيمة والخادعة ،، ولعل الحل يكمن في الأخذ بآمالهم وتطلعاتهم بعين الاعتبار وإشراكهم في الأنشطة لأقصى حد ممكن ، ينبغي أن يأخذوا دورهم الحقيقي ، وأقصد الشباب ، كل الشباب .


نحن جند الله جند الوطن


إن دعا داعي الفداء لن نخن


نتحدى الموت عند المحن


نشتري المجد بأغلى ثمن


هذه الأرض لنا


فليعش سوداننا علماً بين الأمم


يا بني السودان هذا رمزكم


يحمل العبء ويحمي أرضكم .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

////////