اعتمدت الإدارة الإسرائيلية في حربها على غزة في العام 2008م على استراتيجية إعلامية واضحة وهي التعتيم الإعلامي على مجريات الأحداث، وعليه قامت بمنع جميع الصحفيين والمراسلين الدوليين من دخول قطاع غزة بذريعة الحفاظ على حياتهم.
وفي اعتقادي أنه لو لم تقم جهات مختلفة بمحاولات فك الحصار وما صاحبها من تغطيات إعلامية لما زاد ضغط الرأي العام الدولي لرفع الحصار ووقف الحرب وقتل مواطني غزة آنذاك ، وحتى الوسائل الإعلامية العربية التي غطت تلك الأحداث لفضح مايجري من عنف وعمليات محرمة في القوانين الدولية من قبل اسرائيل ذات أثر محدود وتأخذ الصبغة العاطفية بالنسبة للرأي العام الدولي.
هذه المره في حرب نوفمبر 2012م التي سمتها اسرائيل عمود السحاب لم تستطع أن تمنع الإعلام من أن يكون حاضراً وأن يعكس ما يجري في الجانبين برغم الاجتهاد عبر بعض الوسائل الإعلامية الموجهة سواء للوطن العربي أو العالمي أو التي تظهر بمظهر المحايد لكن سياستها تفضحها مقارنة بوسائل أخرى، وهنا لجأت الآله الإعلامية الاسرائيلية لاستراتيجية إعلامية جديدة وهي الظهور بمظهر المدافع عن نفسه والمحافظ على أمن مواطنيه محاولين استدرار العواطف للتأثير على الرأي العام الدولي لما لحق بهم من دمار وخوف بسبب صواريخ القسام. إلا أن الإعلام عموماً عكس التصعيد الذي يشنه الجانب الاسرائيلي كما أظهر جانباً  آخر لم يشأ الجانب الاسرائيلي له أن يظهر للعيان وهو الرعب الذي يعيشه المواطن الاسرائيلي من جراء الصواريخ التي زاد مداها كثيراً لتهدد تل أبيب،  والانشقاق بينهم حول جدوى الحرب والتي أظهر الشارع الاسرائيلي رفضها بسبب عدم الأمان والخوف الذي عطل الحياة إضافة لمعرفتهم أنها بسبب قرب الانتخابات وأن انعكاساتها أتت سالبه .
وهنا نجد أن الإعلام الفلسطيني نجح كثيراً وذلك على ثلاثة أصعده وهي الإعلام الدولي حيث اتجه بقوة نحو الإعلام الدولي ليفضح الممارسات التي تقوم بها القوات الاسرائيلية وتحذر من إمكانية استخدام الأسلحة المحرمة دولياً كما حدث سابقاً ، والصعيد الإعلامي الثاني هو الإعلام العربي ، إلا أن الأحداث السورية كانت حاضرة وقاسمت حرب غزة المساحة لذا اتجه الإعلام الفلسطيني إلى التركيز على إعلامهم الخاص وأعتقد أنهم نجحوا نجاحاً كبيراً في اتجاههم نحو الإعلام الإلكتروني أو ما يسمى بالإعلام الجديد حيث أعطاهم فرصة كبيرة أمام الآلة الإعلامية الضخمة والواسعة للإعلام الغربي الذي يتعاطف كثيراً مع اسرائيل على حساب القضية الفلسطينية ، واستفاد الفلسطينيون كثيراً من خصائص الإعلام الاجتماعي أو شبكات التواصل الاجتماعي الإلكتروني ونشروا كل ما يدور في حرب غزة للعالم أجمع ، وبما أن تلك الشبكات هي الأوسع انتشاراً من أي وسيلة إعلامية أخري حتى الآن فإن الضغط الذي شكلوه كان كفيلاً بالتأثير إيجاباً لصالح قضيتهم، وفي حديث لأحد القادة الاسرائيلين أكّد على أن للإعلام الإلكتروني وخاصة استخدام الشبكات الإجتماعية قوة لها تأثيرها الكبير وأنهم – أي الفلسطينيين – استطاعوا أن يستخدموه بشكل فعّال . إذن الحرب الإعلامية الإلكترونية كانت سجالاً بين الجهتين ويمكن القول أن الحرب على الفضاء الإلكتروني كانت بين الفلسطينيين وأصدقائهم من جهة والاسرائيليين وأصدقائهم من جهة أخرى .
واتجه الفلسطينيون في حربهم الاعلامية الإلكترونية لإبراز ثلاثة جوانب محددة هي أولاً الإعتداء الغير مقبول والتدمير والقتل الذي يطال الأبرياء والأطفال في غزة لعكس الوضع الإنساني السئ وفضح السلوك الاسرائيلي ، ثانياً اتجه الإعلام الإلكتروني الفلسطيني لإظهار مقدرتهم في الدفاع والرد عبر صواريخ القسام المتطورة وقدرتهم على اسقاط طائرة مقاتلة اسرائلية وأن ما يقوموا به هو دفاع ورد للعدوان على أراضيهم وأسرهم ، ثالثاً عكسوا الرعب والخوف من مجرد صوت الصواريخ في الجانب الاسرائيلي وأن الحرب على غزة ليست سوى عملية عسكرية سياسية الغرض منها الكيب السياسي في الانتخابات القادمة .
وكانت ساحة المعارك الإلكترونية مختلفة كالمواقع الإلكترونية عموماً ومواقع الأخبار والصحف والمجلات الإلكترونية ومواقع الشبكات الإجتماعية ، ولعل من أشهر مواقع الشبكات الاجتماعية التي استخدمت في هذه الحرب هي (يوتيوبyoutube) حيث عكس الطرفان مقاطع فيديو مختلفة توضح وتعكس الآثار للحرب الدائرة أما موقع (فيس بوك facebook ) فقد نشر كل جانب مايدور إضافة للنشاط الكبير والملحوظ لأصدقاء الطرفين عبر التعليقات المتضامنة ومحاولة مشاركة تلك الأخبار والصور والمقالات والأخبار لنشرها بشكل أوسع في محاولة واضحة لزيادة الإنتشار لكل طرف على حساب الطرف الآخر ، أما موقع (تويتر twitter) فقد زاد الاهتمام به هذه المرة وبشكل واضح حيث تتابعت الأحداث بشكل متسارع واستخدم كل إمكانيات الموقع خاصة بعد تطويرها لتشمل إمكانية إدراج الصور وإعادة التغريدة لنشرها بكل الدوائر ، وقد تلاحظ أن استخدام موقع (قوقل بلس google+) أقل من غيره برغم أنه أيضاً كان من ساحات المعارك الإلكترونية الشرسة والتي تفوق فيها الجانب الفلسطيني وما يؤكد ذلك هو قبول اسرائيل للتهدئة بعد اسبوع واحد من بداية الحرب والتصريحات التهديدية التي تؤكد أنهم ملتزمون طالما التزمت الفصائل الفلسطينية بها
بعد التغيير الكبير في الاعلام وتبدل النظريات الاعلامية  وخصائص الرسالة والإنتقال إلى مرحلة التفاعلية ثم لمرحلة المواطن الصحفي يمكن القول أن الهيمنة الصهيونية على الإعلام قد انتهت وانتهت معها خططهم في السيطرة على العالم لقبول الموت البطئ للفلسطينيين بكل الصور التي لن يعلمها العالم بسيطرتهم على الإعلام لتسقط فلسطين ويموت شعبها الذي يناضل منذ أكثر من خمسين عاماً متواصلة ، بعد أن سيطروا على المؤسسات الاعلامية الصخمة التي تدير الصحف والإذاعات والفضائيات كوسائل إعلامية تقليدية تعتمد على أن الرسالة الموجهة من الوسيلة وأن المواطن هو المستقبل ليعطوه ما يريدون ويمنعوا عنه ما يشاؤون جاء الإعلام الجديد ليغير من تلك المفاهيم وصارت المساحات مفتوحة ورحبة تسع الكل ، وتحول المواطن إعلامي وإلى مرسل واختلت السيطرة الإعلامية في تشكيل وتوجيه الرأي العام وعادت وسيلة كما كانت ، إذن يمكن القول أن الإعلام الإلكتروني أنهى السيطرة اليهودية على الإعلام الدولي وتمكن الفلسطينيون ومن قاتل معهم صفاً واحداً في المعركة الإلكترونية من الإنتصار بعد أن كاد العالم ينسى أن عليه مسئولية ملقاة على كاهله تجاه هذا الشعب وأن المراقبة الطويلة التي كان يمارسها لاحتضار هذا الشعب قد انتهت لينتقل إلى مرحلة الفعل .


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.