** هي حرب اقتصادية وإن كانت ذات طابع عسكري..إذ فيها لسان حال حكومة دولة الجنوب يريد أن يقول لأهل السودان : (لن تنعموا ببترولكم، ما لم ننعم ببترولنا)..هجليج ليست بأرض جنوبية، وكذلك ليست من المناطق الحدودية المتنازع حولها، بل هي أرض سودانية، و دولة جنوب السودان تعرف ذلك، بدليل أنها لم تحتج حين حكمت لجنة التحكيم الدولية بسودانيتها..ومع ذلك، تتمادى في الاعتداء عليها، للمرة الثانية خلال شهر، لا طمعاً فيها، ولكن لتعطيل تصدير نفطها..وعليه، بعد اعتراف حكومة الجنوب باعتدائها على هجليج للمرة الثانية خلال شهر، وبعد استنكار الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي على هذا الاعتداء، أعد ما كتبته في الاعتداء الفائت..!!
** مدائن جنوب السودان الحدودية ليست بعيدة عن مرمى راجمات وطائرات القوات المسلحة، ومع ذلك لم تشهد أية مدينة بجنوب السودان ما تشهدها هجليج ، وما شهدتها تلودي وأم دوال ..نعم، لم يعد خافياً للشارع السوداني - ولا للرأي العام العالمي - بأن القوات المسلحة كانت - ولاتزال - في كل معارك هجليج وتلودي وأم دوال في وضع الدفاع، وليس الهجوم..هجليج وتلودي وأم دوال مناطق معروفة بجنوب كردفان، أي هي أرض سودانية، وكل معارك الأسبوع الفائت دارت على هذه الأرض، وهذا يعني بأن القوات المسلحة لاتزال في حالة دفاع عن تلك الأرض بحيث لا تستولى عليها قوات دولة جنوب السودان، وقالها رئيس حكومة الجنوب - في لحظة غفلة - منتشياً : (شلناها بالقوة)..ثم القوات التي لاتزال تهاجم تلودي وأم دوال بجنوب كردفان لم تهبط من السماء، بل جاءتها من وراء الحدود وهاجمتها ثم عادت إلى ما وراء حدود دولة جنوب السودان..هكذا الموقف بالحدود، إذ تدور رحى المعارك على الأرض السودانية، والمجتمع الدولي يشهد على ذلك، وكذلك الشارع السوداني، ثم سلفا أيضاً..!!
** وعليه، قد تصبر القوات المسلحة على وضع الدفاع عن الأرض السودانية بجنوب كردفان أسبوعاً أو شهراً، ولكنها لن تصبر طويلاً على هذا الوضع الدفاعي..فالروح العسكرية تختلف عن الروح السياسية، بحيث روح الجندي لاتؤمن بالمسمى - سياسياً – بـ(ضبط النفس) و (طولة البال)، ولكنها تؤمن لحد القداسة بأن (الهجوم خير وسيلة للدفاع)، أوهكذا تنص العقيدة العسكرية.. والحقيقة التي يجهلها أو يتجاهلها سادة حكومة دولة الجنوب هي أن النظام الذي يحكم السودان هو نظام عسكري مغلف بحزب سياسي، وليس العكس..أي هو نظام عقيدته العسكرية تنص وتحث بأن الهجوم على جوبا وملكال خير وسيلة للدفاع عن تلودي وهجليج..وإذ حدث هذا - لا قدر الله - فأنها الحرب الشاملة والمفتوحة والتي لاتجدي فيها استغاثات من شاكلة (يا يوغندا الحقينا، يا نيفاشا أنقذينا)..ثم البلدين - وشعبهما - لن تحتملا نتائج انفراط عقد المسمى السياسي (ضبط النفس)..فالحكومة السودانية – طوعاً أو إكراها - سلمت الحركة الشعبية دولة على طبق من ذهب الاتفاق والتراضي، والمسؤولية تقتضي بأن تهتم حكومة الحركة الشعبية بتنمية تلك الدولة، بحيث ينعم إنسانها بالسلام والاستقرار والرخاء، عوضاً عن أزمنة الحرب والفقر والنزوح والهجرة، وذلك بتسخير كل موارد ما تحت الأرض وفوقها لصالح التعليم والصحة و كل وسائل النماء، بدلاً عن تسخيرها لدعم حركة زيد المناهضة وجماعة عبيد المسلحة، بمظان تغيير نظام الخرطوم، أو كما يقول لسان حال حكومة جوبا وإعلامها وعملاؤها..!!
** نهج معاداة الخرطوم - بالاعتداء أوبدعم المعتدين - جهل بالتاريخ وتجاهل لطموح مواطن الجنوب واستفزاز لأهل السودان.. فالحركة الشعبية عاشت تجارب (إيواء الأنظمة)..لقد آوتها أثيوبيا حيناً من الدهر ضد الخرطوم ولم تنجح في تغيير نظام الخرطوم بها .. وآوتها ارتريا عقد ونيف من الزمان، ولم تنجح في تغيير نظام الخرطوم بها.. وآوتها يوغندا ولم تنجح في تغيير نظام الخرطوم بها.. فما بال حكومة حركتها الحاكمة لا تتعظ من تجارب أنظمة أوتها عندما كانت معارضة بغرض تغيير نظام الخرطوم،و فشلت؟..حكومة الجنوب - بجهل مدقع - تساهم في تماسك الجبهة الداخلية، أي كما كانت تفعل تلك الأنظمة في زمان قرنق و (سلفاكير أيضاً) ..نعم، يطمح المواطن السوداني في تغيير الحال العام بحيث يكون أفضل حالاً، ولكن هذا لايعني - مهما كان بؤس الحال - بأن المواطن السوداني يراهن على قوة سلفاكير (الشال بيها هجليج)، أو كما يتوهم ..وتخطئ حكومة الحركة الشعبية بدولة جنوب السودان لو ظنت - أو صدقت - بأن دباباتها في هجليج وسياساتها في تلودي هي مفتاح التغيير في السودان..وكان هذا الظن (مبلوعاً) إلى حد ما قبل الانفصال، أي قبل أن تصبح الحركة الشعبية (حكومة دولة أجنبية)..وعليه، فلتمسك حكومة دولة جنوب السودان يدها، بحيث لاتعتدي على مدائن وأرياف السودان ولاتدعم المعتدين، وتسحب قواتها من هجليج..هذا قبل أن تركل القوات المسلحة نظرية (ضبط النفس)، وتقبل على تطبيق نظرية (الهجوم خير وسيلة للدفاع)..فالرسائل المستفزة لم تعد تطاق..!!


السوداني