عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

* قبل عام تقريباً، كنت بالقاهرة، حيث أطلق أحدهم هناك فتوى إرضاع الكبير، وضجت صحف مصر بالفتوى..صديقي ناجح الصعيدي، بواب العمارة التي استأجرت فيها مسكني، كان أنيسي في أوقات الفراغ ، وكنت  أجد عنده - بجانب القهوة والشاي - بعض اللطائف والسخرية والنكات غير الصالحة للنشر.. قصدته ذات مساء حاملا نسخة من صحيفة المصري اليوم، وهي النسخة التي انفردت بخبر الفتوى.. ولأن صديقي ناجح رجل نصف أمي، قرأت له خبر الفتوى بلا مقدمات، وانتظرت رد الفعل..فبدلاً من التعليق على الخبر، سألني بدهشة: طب لو الست مراتي شغالة في  شركة كبيرة ، أزاي ح تكفيهم  رضاعة ؟ ، دي تبقا جاموسة بقا.. فضحكت، ليواصل مستدركاً بغضب:  روح يا شيخ ، بلا إرضاع بلا أرف، دي عالم فاضية وعايزة تخرب بيوتنا..!!

 

** تذكرت استدراك عم ناجح ضحى البارحة، حين إنفردت الحقيقة بخبر فتوى مجمع الفقه الإسلامي .. حيث سلم هيئة الأوقاف السودانية وثيقة - بتوقيع أمينه العام - يجوز  دفع الرشوة للجهات الإدارية والقضائية التي بيدها تثبيت ملكية السودان للأصول الوقفية بالخارج .. أقتبس من الوثيقة - التي بطرف الصحيفة  نصها - ما يلي : ( إن صاحب الحق المضيع إن سلك سبيل الرشوة فالإثم على المرتشي دون الراشي في هذه الحالة ).. هكذا يحرم مجمع الفقه الإسلامي الرشوة على المرتشي ، ثم يؤكد بالنص الآتي : ( إن دفع بعض المال للحصول على الصكوك والمستندات الدالة على أصل الوقف ومعرفة شروط الواقف لإعمالها لمصلحة الموقوف عليهم ضرورة تقتضيها اعتبارات كل حالة بحسبها ) .. وهكذا يحلل ذات الرشوة .. !!

 

** ما سبق ليس لغزاً، فالمجمع يحرم الرشوة على المرتشي، صاحب الحق المضيع ، ويصفه بالراشي في حال دفعه للرشوة - لاسترداد حقه الضائع - بصاحب الحق المضيع .. هذا في حال أن يكون الطرف  منتهكاً للحق ، مرتشي وحرام .. ولكن ماذا في حال أن يكون الطرف صاحب حق ضائع ..؟..هنا يستدرك المجمع الأمر، ويأتي بالشطر الثاني من الفتوى ، حيث صارت الرشوة -  أي دفع بعض المال للحصول على الصكوك والمستندات الدالة على أصل الوقف - ضرورة لابد منها ، بمعنى ( ما فيها حاجة ) .. أي ، بالبلدي الفصيح ، كما تتجلى في الوثيقة ، مختصر الفتوى يقول : الرشوة ، حرام على المرتشي وحلال على الراشي ، عند الضرورة طبعاً.. هكذا يريد أن يقول مجمع الفقه الإسلامي ، ولم ينس أن ينسب قوله هذا لجمهور العلماء ..!!

 

** لست مفتياً ولا شيخاً لأفتي عن هذه الفتوى الغريبة التي تحلل للراشي ما يحرمه على المرتشي ، ولكن فطرتي السوية لا تميز بين الراشي والمرتشي  في الحلال والحرام .. أي : ليس من سلامة الإيمان أن يفتي المرء في أمر دينه ودنياه وفق نظرية ( الخيار والفقوس ) .. إذا دفع مواطن أو حكومة  رشوة  أجازوها وإذا استلم  مواطن أو حكومة رشوة  حرموها، ماهكذا يفتي قلبي ، علما بأن المؤمن مطالب بأن يستفتي قلبه أيضاً، وليس أحمد علي الإمام فقط .. ولذلك ، هذه الوثيقة الصادرة عن مجمع الفقه الإسلامي يجب أن تجد حظها من النقاش حتى يتبين أمرها ، فما هم إلا بعض بشر ، يخطئون ويصيبون مثل كل البشر.. ثم للناس عقول ، ولهم حق استخدامها عند الضرورة ، أي عند فتوى كهذه ..ولم تسقط من ذاكرة الناس فتوى الربا الشهيرة ، عندما ناقش البرلمان قرضًا ربوياً .. وكذلك فتوى سفر الرئيس  إلى الدوحة  و...و...الفتاوى لا تحصى ، ولذلك يجب أن تستخدم الناس عقولها عند استقبال هذا النوع من الفتاوى ..  ربما استخدام العقول يكون خيراً من رد فعل عم ناجح الصعيدي : عالم فاضية وعاوزة تخرب بيوتنا ..!!!!