* الحكاية قديمة ، ويحكونها في مجالس الناس بنصوص مختلفة ، بيد أن اختلاف النصوص لا يؤثر في ( أصل الحكاية ) .. المهم ، يحكى أن رجلا تعرض لعملية سطو ليلي مسلح ، كان نائما قبل أن يوقظه اللص ليرشده إلى أماكن ماخف وزنه وغلا ثمنه ، ثم جرده من كل ممتلكاته ، ولم يترك له غير الرداء الذي يستر عورته ثم ساعة يد قديمة لم ينتبه إليها ، وغادر المنزل .. بعد مغادرته بساعة ، خرج صاحبكم هذا إلى الناس متباهياً بأنه تعرض لعملية سطو مسلح ولكنه نجح - بشجاعته - في مقاومة اللص وطرده ، سألوه : أين ملابسك ؟.. فأجابهم : أخذها في غفلة مني .. أين : أموالك ..؟.. فرد : أخذها أثناء نومي ..؟.. فأين مجوهرات زوجتك ..؟.. فأجابهم : خطفها جاريا .. فابتسموا بخبث ثم سألوه بدهشة : إن كان الأمر كذلك ، فيم استخدمت شجاعتك يا صاح ..؟.. فصاح فيهم قائلا : ألا ترون ساعتي القيمة ثم ردائي الثمين ، أيها الجبناء .؟ .. فضحكوا وانصرفوا ، بعد أن اكتشفوا أن سقف شجاعة صاحبكم لا يتجاوز حماية رداء تخلى عنه اللص ليستر به عورته ، ثم ساعة يد قديمة لم ينتبه إليها .. هكذا سقف شجاعته ..!!

 

* تذكرتها-الحكاية وما بها من شجاعة - ضحى البارحة .. حيث خرجت فيه صحف الخرطوم بتصريح شجاع صدر عن ياسر عرمان ، مرشح الحركة الشعبية لرئاسة الجمهورية ، قبل الانسحاب طبعاً .. قال سيادته نصا : (تزوير العملية الانتخابية في النيل الأزرق خط أحمر..)، ثم أضاف بذات الشجاعة : (إدمان المؤتمر الوطني للتزوير لن يطبق في النيل الأزرق ، كما طبق في ولايات أخرى ..). هكذا قال .. أي ، التلاعب أوالتزوير في انتخابات كل ولايات السودان ليس مهما ولا خطا أحمر عند الحركة الشعبية ومرشحها الرئاسي ، بيد أن الخط الأحمر الذي يجب أن تحميه الحركة الشعبية بشجاعة قادتها ومرشحها الرئاسي - المنسحب - هو التلاعب في نتائج انتخابات النيل الأزرق ، فقط لاغير.. فتأمل - صديقي القارئ - تلك الشجاعة النادرة التي تحمي بها الحركة الشعبية رداءها ثم ساعة يدها القديمة ، بعد أن جردها المؤتمر الوطني من كل دوائرها الانتخابية في شمال البلاد وشرقها وغربها ووسطها ..!!

 

*ثمة أسئلة ليست ذات جدوى لمن كان مرشحاً لمنصب الرئاسة بشعار الأمل والتغيير ، وملأ بهذا الشعار آذان الناس ضجيجا ثم لوث بيئة الخرطوم وشوراعها وجدران مدارسها وجسورها بملصقاته وصوره ، وفجأة تنازل عن الأمل والتغيير ولجأ إلى ( ظل الصفقة ) تاركا قاعدته تحت لظى الشمس وغبار الأتربة ، ثمة أسئلة لعرمان .. ما الذي يجعل التلاعب أو التزوير في النيل الأزرق خطا أحمر ، ويجعله خطا أبيض في البحر الأحمر ، الجزيرة ، القضارف ، شمال دارفور وغيرها من ولايات السودان الأخرى ..؟.. أو بم تختلف النيل الأزرق عن الشمالية ، نهر النيل ، كسلا ، شمال كردفان ، سنار وغيرها من ولايات السودان الأخرى ، في قاموس (السودان الجديد) ..؟.. بمعنى ، هل التلاعب ( خشم بيوت ) ، أم شعار السودان الجديد هو ( الكيل بألف مكيال ) ، بحيث في النيل الأزرق أمل وتغيير وفي النيل الأبيض تلاعب وتزوير ..؟.. أم أن التصريح كله - مجرد طق حنك - مراد به إبداء نوع من الشجاعة ، كما ذاك الرجل ( بطل الحكاية ) ...؟ ... للأسف ، كل الإجابات تؤدي إلى حقيقة واضحة كما الشمس ، مفادها : قطاع الشمال بالحركة الشعبية لم يعد مؤهلاً للعب أي دور سياسي مؤثر في خارطة السياسة بالخرطوم، لأن خارطة السياسة بجوبا حرقته تحت سمع وبصر الدنيا والعالمين..!!