توقيع الفرقاء في الحرب الأهلية في جنوب السودان بالأحرف الأولى على وثيقة أعدتها الوساطة السودانية، لا يعني توقيعهم على وثيقة سلام نهائية، لأن أغلب المعارضين تحفظوا على بعض ما ورد في هذه الوثيقة، وكانوا يفضلون ألا يوقعوا بالأحرف الأولى لأن الوثيقة الحالية ستعرض على منظمة الإيقاد، وهي ستقوم بجهد آخر لمعالجة أمر القضايا العالقة، إذا تمكنت من ذلك، ولذلك نعتقد أنه من المبكر أن يتحدث الناس بكل هذا القدر من التفاؤل عن تحقيق السلام في دولة جنوب السودان، فما زالت هناك عقبات كثيرة تعترض طريق السلام.

أهم هذه العقبات هو انعدام الثقة بين الرئيس سلفاكير ونائبه الأول د. رياك مشار، والمواجهة بينهما لها تاريخ منذ أيام الحركة الشعبية الأولى، والانقسام الذي قاده د. مشار، وقد أخذ صراعهما شكلاً قبلياً منذ تلك المرحلة، عبر عن نفسه في حرب قبلية كارثية بين قبيلتي الدينكا والنوير، وما زال سلفاكير يعبر علناً عن رفضه التعاون مع مشار، بل قد عبر عن أسفه أنه لم يقتل غريمه عندما سنحت له الفرصة!

وهذا يفسر المشهد الذي التقطته الكاميرا له وهو يدير ظهره لمشار، بدلاً من أن يتقدم لمصافحته عند توقيعه على الاتفاق، بالإضافة لهذا الصراع الشخصي، هناك قضايا موضوعية وأساسية لم يتمكن الوسطاء من التوصل إلى حلول وسط حولها، وفي نهاية المطاف سجلوا في وثيقة السلام ما يتفق مع رؤية سلفاكير، ومن ثم رفض الآخرون ما ورد في الوثيقة، وطالبوا بتعديلها، ولم ينجح الوسطاء في الوصول إلى صيغة ترضي كل الأطراف، ولذلك ظل الخلاف قائماً، وتحفظ المعارضون مثبتاً ومؤجلاً لحوار لاحق.

أهم النقاط الخلافية أمر يتعلق بالترتيبات الأمنية، وهو كيفية تشكيل «الجيش القومي» للجنوب، فالمعارضون يعتقدون أن سلفاكير أحال جيش دولة الجنوب إلى جيش قبلي، يمثل قبيلة واحدة، وهم يريدون «محاصصة» في تشكيل الجيش، بحيث تقسّم القوة العسكرية، وأعداد منسوبيها، حسب نسبة وقوة كل قبيلة، ليعكس الجيش نسب التركيبة السكانية، وليس هناك من «ميليشيا» أو قوة أهلية حاملة للسلاح، مستعدة لأن تحل نفسها، وتسرح جنودها، إلا بعد أن تعرف نصيبها من الجيش القومي، والرتب التي سيتولاها منسوبوها، وقواعد التسريح، وإعادة الدمج،
ولا نظن أن «الإيقاد» تمتلك حلاً جاهزاً لهذه القضية الخلافية، ولا نعتقد أن تكليف جيش السودان بإعادة تشكيل جيش دولة جنوب السودان سيحل المشكلة، فجيش الشمال لا يملك عصا سحرية لمعالجة هذه الأزمة، ورغم أهمية تمثيل كل «الإثنيات» في الجيش القومي إلا أن الجيوش مؤسسات مهنية، لا يمكن أن ترهن تأسيسها للمحاصصة القبلية، ولكن بالمقابل فإن هيمنة قبيلة واحدة على الجيش تنذر بخطر كبير.

وثمة مشاكل تحيط باقتسام السلطة، في مقدمتها رفض كل المعارضين الطريقة التي قسم بها الرئيس سلفاكير دولة الجنوب إلى اثنين وثلاثين ولاية، بدلاً من العشر ولايات التي ورثها الجنوب من دولة السودان الموحدة عند انفصاله، ويرى المعارضون أن الطريقة التي تم بها إنشاء الولايات مصممة بحيث تضمن هيمنة «الدينكا» على كل مفاصل السلطة في معظم الولايات، وهم مصرون على العودة إلى الولايات العشر السابقة، وهو أمر يرفضه رئيس دولة الجنوب بشدة، ويرى كثير من الساسة أن فكرة زيادة عدد نواب الرئيس إلى خمسة، مسألة قصد منها إضعاف دور النائب الأول الذي منحه الاتفاق لدكتور مشار، ومجموعة مشار تؤكد أنها لن تقبل أي انتقاص لسلطات نائب الرئيس التي وردت في دستور دولة الجنوب عند الانفصال، وثمة تفاصيل أخرى في ملف اقتسام السلطة تتحفظ عليها المعارضة.

لكل هذه الأسباب نرى أنه من السابق لأوانه أن يتعامل المراقبون مع هذه الأزمة بهذا القدر من التفاؤل، صحيح أن الرأي العام في الجنوب بدأ يستهجن استمرار الحرب ويعرب عن اشتياقه للسلام والاستقرار، لكن أشواق الجماهير لم تجد تجاوباً من الصفوة الحاكمة، وما زال الفرقاء غير قادرين على اتخاذ القرارات الصعبة، ولا القبول بمبدأ التنازلات المتبادلة، وهذا يفسر البرود الذي استقبل به المجتمع الدولي، توقيع فرقاء الجنوب بالأحرف الأولى على مسودة الاتفاق !!
///////////////////