ونحن نحاول الإجابة عن سؤال بشأن أبعاد ونتائج التغييرات التي حدثت على المشهد الإثيوبي، يجدر بنا أن نذكر أن هذه التغييرات ليست سياسات خاصة يتبناها رئيس الوزراء الجديد، وإنما هي سياسة تبنتها أجهزة الجبهة الثورية الحاكمة، في محاولة لاحتواء الاحتقان السياسي والحركات الاجتماعية المتصاعدة والموقف الاقتصادي المتدهور، فالجبهة الثورية اعترفت بهذا الواقع ورأت أن تتبنى سياسات لمعالجة الموقف حتى تصبح جزءاً من الحل، بدلاً من أن تكون أساس الأزمة، لكن الواضح أن رئيس الوزراء أعطى هذه التغييرات بعداً أوسع وتعامل معها بجدية أكبر، ونفذها بسرعة أدهشت المراقبين، ولذلك ارتفعت أصوات من داخل الجبهة الثورية الحاكمة تعارض ما يحدث من انفتاح وسرعة تنفيذ، خاصة من (الصقور) ومن (الدولة العميقة)، ومن قيادات جبهة التقراي المتشددين، بل وصلت الاعتراضات إلى حد تفجير عبوة ناسفة في اجتماع جماهيري كان يخاطبه رئيس الوزراء، ولكن الشعبية والتأييد الجماعي الذي حصل عليه رئيس الوزراء ربما كان هو السبب الوحيد في ألا يكون صوت هذه المعارضة الداخلية عالياً. ومهما يكن من أمر فإن رئيس الوزراء اعتبر نفسه مطالباً بالتصدي لمشاكل إثيوبيا على ثلاثة مستويات:

*مستوى الاحتقان السياسي الداخلي.
*مستوى المشاكل الاقتصادية المتزايدة.
*مستوى العلاقات الخارجية وخاصة مع دول الجوار.
وتحرك بسرعة على المستويات الثلاثة مبتدئاً بالوضع الداخلي، الذي ظل محتقناً بدرجة عالية على مدى السنوات الثلاث الماضية، فأفرز حركة اجتماعية استقطبت الملايين من سائر أنحاء إثيوبيا، قابلتها الحكومة بالقمع والاعتقالات والمحاكمات، في ظل حالة طوارئ معلنة ومطبقة منذ أكتوبر 2016م، فجاء قرار رئيس الوزراء بإلغاء حالة الطوارئ، وأصدر قرارات بإطلاق سراح الآلاف من المعتقلين والسجناء، واجتمع مع بعضهم ليستمع لوجهة نظرهم، ثم فتح الأفق السياسي للنشاط العلني، وألغى قرارات سابقة حظرت مواقع إلكترونية، أو جرمت نشاطاً إعلامياً، وفي نفس الوقت أحدث تغييرات واسعة في قيادات القوات النظامية والأمنية، العمل الذي تم في هذا المجال وفّر لرئيس الوزراء الجديد الشعبية الكاسحة التي يعيش في حماها الآن.

ثم التفت للجانب الاقتصادي الذي كان يعاني من أزمة حادة، فالطفرة التنموية الكبرى التي ابتدرها زعيم الجبهة الثورية الراحل ملس زيناوي قد نفذت برنامجاً طموحاً للبنى التحتية (شبكة طرق - سكك حديدية – سدود - مشاريع طاقة) اعتمدت في تمويل معظمها على قروض داخلية وخارجية قصيرة الأجل مرتفعة الفائدة، حتى أصبحت خدمة تلك الديون تشكل عبئاً كبيراً على الحكومة، في نفس الوقت الذي فشلت فيه الخطة الموضوعة لزيادة عائدات الصادرات بمضاعفة حجمها وقيمتها، وزادت تكاليف المعيشة، كما زادت معدلات البطالة، خاصة وسط المتعلمين، واتسعت رقعة الفقر في ظل غياب العدالة في اقتسام الثروة.

وكان الأمر يحتاج علاجاً عاجلاً، فقرر رئيس الوزراء إجازة ميزانية جديدة خالية تماماً من أي مشروعات تنموية جديدة، حتى يتم التركيز على إكمال المشروعات السابقة، ثم أصدر قراراً بعدم اللجوء إلى القروض التجارية ذات سعر الفائدة المرتفع، وأخيراً لجأ للاستعانة بالدول الصديقة، فكان الخليج أول المستجيبين الداعمين.
وأخيراً تعامل رئيس الوزراء مع الملف الخارجي، بحيث كانت العلاقات مع إريتريا هي حجر الزاوية، فالمواجهة هنا بلغ عمرها عقدين من الزمان في نسختها الأخيرة، وكانت نتائجها كارثية بالنسبة للشعبين، والعقدة هنا أن التدخل الجزائري أوقف الحرب، والتدخل الأممي ساعد في إحالة الخلاف الحدودي إلى لجنة دولية لترسيم الحدود، أفتت بتبعية المنطقة المتنازع عليها لإريتريا، ولكن الحكومة الإثيوبية رفضت القرار، وبالتالي ظلت (حالة الحرب) قائمة والتوتر سائداً والجيوش متواجهة عبر الخط الفاصل.

وبضربة واحدة حسم رئيس الوزراء النزاع، وكل ما حصل بعد ذلك كان استمراراً لهذا الاختراق الكبير، ما أثار (صقور) التقراي فانتقدوه، واعتبروه قراراً متسرعاً وغير مدروس، وانضم اعتراضهم إلى قائمة التحديات التي ستواجه رئيس الوزراء مستقبلاً، لكن بانتهاء النزاع الإثيوبي/ الإرتري وبدء المصالحة، مد رئيس الوزراء يده نحو مصر بشأن سد النهضة، وكثف اتصالاته مع الدول العربية، التي تقف دليلاً على «عمل قادم» يستهدف منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، ويأخذ شكل تحالفات جديدة، وربما ردود أفعال من أطراف معارضة لهذه التحولات !!
//////////////////////