الجمعة، 09 فبراير 2018

أسرف الوفد الحكومي السوداني -المتوجه مطلع هذا الشهر لأديس أبابا، لاستئناف محادثات السلام في منطقتي جبال النوبة والنيل الأزرق- في التفاؤل، متوقعاً أن يحدث اختراق كبير في المفاوضات، ينتقل بالأوضاع هناك إلى مشارف السلام الشامل،
ومبعث هذا التفاؤل - الذي اتضح أنه لم يكن مبرراً - هو أن قيادة الحركة الشعبية شمال -الطرف الآخر في المفاوضات - انتقلت إلى عبدالعزيز الحلو المعارض لقيادة عقار وعرمان، واعتقدت الحكومة أنه أكثر استعداداً للتسوية، وأنه سيكون أكثر مرونة في المفاوضات، لأنه أحوج ما يكون لاعتراف الحكومة بشرعيته خلال الصراع الذي يقوده مع الطرف الآخر، ولذلك سيحرص على إبداء المرونة،
وقد أثبتت وقائع جولة المفاوضات التي انطلقت في الأول من فبراير خطأ هذه القراءة القاصرة من الجانب الحكومي، وأنه بات لقضية المنطقتين بعض الثوابت المطلبية التي لا تستطيع أية قيادة سياسية أن تتنازل عنها، ومن هذه الثوابت مطلب توصيل بعض مواد الإغاثة مباشرة من دول الجوار إلى المناطق التي تسيطر عليها الحركة الشعبية، وهو مقترح ترفضه الحكومة بحجة أنه يتنافى مع السيادة الوطنية، وتصر على أن يتم إرسال شحنات الإغاثة من داخل الأراضي السودانية وبإشراف الحكومة،
وقد أدى هذا الخلاف إلى إجهاض جولة المفاوضات التي حدثت قبل خمسة عشر شهراً مع القيادة السابقة للحركة الشعبية، ثم عاد وأجهض الجولة الحالية التي بدأت مطلع هذا الشهر مع القيادة الجديدة،
وقد فشلت هذه الجولة - رغم تفاؤل الوفد الحكومي - لأن قضية السلام في السودان لن تحل إلا عبر مفاوضات شاملة لا يستثنى منها أحد، ووفق جدول أعمال يحتوي على معالجة للأسباب الجذرية كافة، التي قادت للصراع المسلح بداية، وعدم إخضاع القضايا المبدئية للمناورات و"التكتيكات" القاصرة ومحاولات التجزئة أو الالتفاف حول القضايا، واستغلال الانقسامات وسط القوى السياسية، وهو ما ظللنا نردده طوال كل هذه السنوات، وقد أدى عدم الأخذ بهذا الرأي إلى مزيد من التعقيدات في القضية السودانية، حتى وصلت أزمة السودان ذروتها الحالية،
ومخطئ من يظن أن الأزمة الاقتصادية الراهنة بعيدة عن هذا الصراع السياسي، فهي في موضع القلب منه ولن ينصلح الاقتصاد ما دامت معظم موارد السودان توجه نحو الحرب، ونحو الإنفاق العسكري والأمني على مدى الثلاثين عاماً الماضية، ما من اقتصاد يمكن أن يتحمل مثل هذا العبء دون أن يترنح وينهار،
لقد ظن الوفد الحكومي أن التغيير الذي حدث في قيادة الحركة الشعبية، سيقود إلى اتفاق سريع حول وقف لإطلاق النار، وترتيبات أمنية تمهيداً لسلام شامل، وأن القيادة الجديدة لن تتشدد في مسألة توصيل الإغاثة من داخل السودان، لتكتشف الحكومة أن القيادة الجديدة ليست أقل تمسكاً بإيصال الإغاثة لمناطقها من خارج السودان من القيادة السابقة، وذلك لعدم الثقة في الحكومة ووعودها، وهي سمة مشتركة بين كل القيادات، وانعدام الثقة بات عنصراً مهماً في المعادلة السودانية.
وينبغي ألا تظن الحكومة أن قيادة الحلو تتطلع لأن تكتسب شرعيتها من اعتراف الحكومة بها والإقبال على مفاوضتها، فالواضح أنها تعتمد على جماهيرها في اكتساب تلك الشرعية وعلى تحالفاتها مع القوى السياسية الأخرى، بدليل أن وفد الحركة الشعبية برئاسة الحلو - الذي فشل في الوصول لاتفاق مع الحكومة - وقع اتفاق تعاون، وأعلن تكفله بتوحيد القوى المعارضة، وذلك بالتعاون مع وفد الجبهة الثورية برئاسة مني اركوي مناوي، الذي وصل أديس أبابا للحوار مع الحركة الشعبية،
وانتهى ذلك الحوار ببيان مشترك دشنت به جماعة الحلو علاقتها مع الجماعات المعارضة في الساحة السياسية، وبالتالي أصبحت الحركة جزءاً من المعارضة، تؤثر فيها وتتأثر بها، وسيكون لذلك أثره على الموقف في الولايتين، وعلى مسار التفاوض الثنائي حولهما في الجولات المقبلة،
وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه من ضرورة الحل الشامل، الذي يشارك الجميع في صناعته،
ودون تحقيق ذلك، ستظل مفاوضات السلام السودانية تدور في هذه الحلقة المفرغة.