تحاول منظمة (الإيقاد) الإفريقية جاهدة، أن تصل بالفرقاء في دولة جنوب السودان المجتمعين حالياً في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا لاتفاق على وقف إطلاق النار، والالتزام به فوراً، بينما يتواصل الحوار حول تحقيق السلام الشامل، والاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة، تشرف على تنفيذ مشروع السلام الذي وضعته «الإيقاد» ووقعت عليه الأطراف المتحاربة منذ العام 2015، دون أن يحدث أي تقدم في تنفيذ ذلك المشروع.

الاجتماع، الذي بدأ الأحد الماضي كمنبر لتنشيط عملية السلام في جنوب السودان، بعد أن وصلت الأوضاع مرحلة تقترب من انهيار الدولة الجنوبية الوليدة، جاء بمبادرة من منظمة الإيقاد كوسيلة لتنشيط عملية السلام المتعثرة، والتي وصلت لطريق مسدود، وسط إحساس بخيبة الأمل سادت المجتمع الدولي والإقليمي إزاء الأوضاع المتردية في دولة الجنوب، والفشل الذريع من جانب النخب الحاكمة والمعارضة في الوصول إلى تسويات سياسية، تمهد السبيل لاستعادة السلام والاستقرار لدولة جنوب السودان، ويجنبها مخاطر الانهيار الكامل و(الصوملة).

ورغم كل المحاولات التي قام الاتحاد الإفريقي ومجلس الأمن الدولي ومفوضيات الأمم المتحدة المختلفة والولايات المتحدة –الداعم الأكبر لدولة الجنوب- فإن الأزمة الجنوبية استعصت على الحل، وما زالت حكومة الفريق سلفاكير تحاول أن تحسم الصراع عسكرياً في ميدان القتال دون أن تعي الدرس من استحالة تحقيق نصر كامل في حرب العصابات، وأن استمرار القتال يشكل خطراً كبيراً على حياة المدنيين، وهم الذين يدفعون الثمن اليوم، وقد دفعوا الكثير تشريداً ونزوحاً ولجوءاً، وهم اليوم يتهددهم شبح المجاعة، ويعتمدون كلياً على العون الغذائي الإنساني الذي يقدمه المانحون، والذي يحول الاحتراب دون وصوله إليهم.

المشروع الذي وضعته «الإيقاد» كان يعاني من خلل كبير لأنه اعتمد في حل الأزمة فقط على فصيلي سلفاكير وريك مشار، ولم يشرك باقي الساسة الآخرين، ولا باقي الجماعات المسلحة، وقد جاءت فكرة إقامة المنبر الحالي كمحاولة لإصلاح ذلك الخطأ، إذ إن الدعوة له وجهت لكل القوى السياسية، وكل الجماعات المسلحة، وكل منظمات المجتمع المدني الفاعلة، ولذلك يجتمع الآن في أديس أبابا زهاء المائة ناشط جنوبي، بما في ذلك ممثلو الحكومة والمعارضة الرسمية.

ورغم ذلك فإن الرأي السائد وسط المراقبين أن هذا الاجتماع سيفشل في الوصول إلى اتفاق ملزم يعيد السلام والاستقرار لدولة جنوب السودان، لعدم توفر الإرادة السياسية لدى الحكومة، مع تشظي المعارضة وانقسامها إلى مجموعات صغيرة، واتخاذ الصراع صورة قبلية مرشحة لأن تقود للمزيد من الحروب القبلية المتعددة، كما تنذر بانهيار الدولة تماماً،

ولذلك ما عاد المجتمع الدولي يخفي حقيقة أنهم يفكرون في تدخل مباشر في الأزمة وفرض (وصاية) دولية على دولة الجنوب، وتشكيل سلطة مؤقتة لإدارة الدولة تحقق السلام، وتفرض قدراً من الاستقرار يتيح الفرصة لإجراء انتخابات حرة، وإقامة حكومة منتخبة تفرض سلطتها على كافة أرض الجنوب،

ولكننا لا نعتقد أن مثل هذا الاقتراح قابل للتنفيذ، لأن الجنوب الآن تحكمه مليشيات عديدة، والسلاح متنشر فيه بكثافة، ولن تستطيع أي قوة عسكرية أجنبية أن تسيطر عليه خاصة مع ضعف البنيات التحتية،

والخوف الأكبر هو أن يغري فصل الجفاف، الذى بدأ الآن، بانتشار المعارك القبلية، ويبدو أنه إذا تعذر الوصول لاتفاق سلام من خلال هذه المبادرة التي تشكل الفرصة الأخيرة لحكومة الجنوب،

فإن الخيار الأرجح هو أن يتحول الجنوب إلى صومال جديد،

فينفض المجتمع الدولي يده عنه !!