أقاصي الدنيا



صبيحة يوم 26 أغسطس الماضي كان اليوم مفصلياً، ليس أمامي سوى أن يخبرني الطبيب بأنني أحتاج لجلسات (الكيماوي) أو أن يعلن خلو جسدي من السرطان فأرتد لرحم الحياة الدفاق وأصرخ وأرزم دويًا وأهتف أنني أعود إلى السودان، بكل ذلك الذباب لأظفر بنصيبي المحتوم من لحم الضفادع ذات البروتين العالي، وبحصتي الوافرة من حب الناس والتبتل في التراب.
قبل مقابلة الطبيب تفوهت فتاة باسمي، كنت أجلس على كرسي من كراسي قسم استقبال قسم (الأنكولجي) ذلك والعياذة بالله قسم الأورام الخبيثة، كنا نحو عشرين مريضاً، تجلس بجانبي امرأة لا يزيد وزنها عن عشرين كيلو جراماً، وليس في رأسها سوى آثار لشعر كان ناعماً بحكم طبيعتها الانجلو ساكسونية تلاشى ذلك الأشقر بالكيمائي. وعلى شمالي خواجة (يطلع في الروح) وشاب يرجحن، لاترى من جسده الناحل سوى شعر يده الكثيف، امتثلت لنداء المرأة التي نادتني باسمي كان الغرض إجراء فحص دقيق للتأكد من أن غددي الانفاوية سليمة وخالية من الورم وغير قابلة للانقسام والانتشار وأن قلبي صالح للشرب.
قبل هذا الفحص النهائي كانت نتائج الفحوصات التي ظللت أجريها منذ شهر مارس أكدت أن ورماً خبيثاً يتخذ ركناً طرفياً من الخد الأيسر لأعلى رئتي الشمالية، طوله أربعة سنتمترات ونصف.. ثلاثة سنتمرات منها في أعلى الرئة وتجوس السنتمترات الأخرى داخل الرئة فلا ترى بالكاميرا المجردة، حينها قررت إدارة مستشفى (سانت جوزيف) بوسط تورنتو إزالة نصف رئتي على يد جراح ماهر اسمه البروفسير كرث كامبو وقد أتم نعمته بنجاح باستئصاله نصف الرئة وترك لي النصف الآخر لتتوكأ عليه الرئة اليسرى وأهش بها على
أنفاسي!.
مددت يدي اليمنى للممرضة لأخذ آخر عينة من دمي بغرض التأكد من سلامة الغدد الانفاوية إذ إن نتيجة المعمل أثبتت أن الورم الخبيث الذي تم استئصاله تمدد لغدتين تم أخذهما مع الورم، لكن الشك يظل لامعاً بأن غددًا أخريات ألم بها ذلك المكروه فلا سبيل سوى (الكيماوي)! أخبرتني الممرضة بأنه بإمكاني العودة بعد ساعة ونصف لمقابلة الطبيب فاصطحبت زوجتي والصديق الدكتور منير شكر الله الذي ظل يلازمني منذ شهر مارس ونزلنا قبالة بحيرة أونتاريو المقابلة للمستشفى كانت هذه البحيرة على أيام تتلمذنا بالمدارس الوسطى مادة في امتحان الجغرافيا أصبحت الآن مشهدًا مرئياً لعيني، ما أضيق الدنيا. ما أوسع الفكرة.!
عدنا من جديد لذلك الاستقبال المائج بعلامات الموت الكبرى الشحوب والقتامة والنحول والأعين السقام. جاءتني الطبيبة بنفسها، امرأة حارقة وناكهة وضاجة و (قصيرونة) أخذتنا من الاستقبال أنا وزوجتي ومنير لمكتبها وابتسمت وقالت لي بفرح طبي معقم (مهمد يو دونت نيد إيني ثينق)!!! فقلت لزوجتي (حي على الخطوط)! في أقل من ساعة حددت موعد عودتي للسودان بنصف رئة، وأهلية كاملة، وأشواق تزن سعة الكرة الأرضية. لم أتبين من حديث الطبيبة سوى أننى ساظل خاضعاً للمتابعة للصيقة لخمس سنوات قادمة بمعدل مرتين في العام.
أستاذن القارئ بأنني سأروي تحت هذا العنوان (ورم خبيث) قصة كاملة منذ أول قطرة دم نزفتها عام2009م حتى ساعة تبين أن هذا الدم سببه (سرطان الكارسنويد) وهو نوع من السرطانات النادرة التي سأستفيض في شرحها فإلى الحلقة القادمة بإذن الله.


أقاصى الدنيا
محمد محمد خير
ورم خبيث
الدكتور غانم إدريس عبدالسلام (2)
لهذا الاسم معنى يجري على مياه الأخوة ويتخذ مجراه عبر السهول الواسعة للفكرة المشتركة والصفاء والمودة التي تجمع بيننا وبين أسرتينا.
جاء دكتور غانم من القاهرة لكندا بكبرياء العمل في كندا كطبيب وتلك أمنية لا تتحقق إلا للعزيمة المتوهجة والذكاء المتوقد والهمة التي لا تصطدم بالخيبة، لانها تتطلب قراءة الطب من جديد وإجراء إمتحانات دورية لعدد من السنوات، ثم التدرب على الأجهزة وقبل ذلك طلاقة التلاسن بالرطين الكندي، أنجز غانم كل هذه المطلوبات بسلاسة ودقة وكانت كل نتائج إمتحاناته تتجاوز ال90بالمائة وانعطف لسانه يسارا فلا تكاد تفرق بين لهجة البقارة والاكسنت الكندي وفض أسرار الأجهزة الطبية فنال ثقة البورد الطبي الكندي فمنحه الترخيص وصار طبيبا باسم كل السودان، له عيادة في غرب تورنقو معظم مرضاها من الصوماليين الذين فتكت بهم حماقات الحرب الأهلية وأوصلتهم الخلافات السياسية مفازات التيه فلمع سراب الغربة في أعينهم، يحبون غانم مثلما يكرهون بعضهم، ويثقون في وصفاته الطبية مثلما يشككون في كل النوايا الأمريكية.
غانم صديقي قبل أن يلبس السماعة الكندية، حين نلتقي للأنس يتوقف الزمن ويكون التوقيت للخواطر فيتداعى الكلام دون أن يفيء لفاصلة!.
حين أصبح طبيبا كنديا رسميا نقلت ملفي الطبي من الدكتور ارنولد بلير وأصبح غانم طبيبي منذ العام2002م ووقتها كتبت عمودا دعوت فيه كل السودانيين لنقل ملفاتهم له فاستجاب معظمهم فأصبح غانم طبيب بدر الدين حسن علي وعمر الخير وأخيرا الواثق كمير.
ذلك ملمح من ملامح غانم الواسعة الأطياف طبا واجتماعا ومؤانسة وإمتاعا ووجدانا إنسانيا.
خلال السنوات الثلاث الماضية كان دكتور غانم يلح علي في الحضور إلى كندا لإجراء فحوصات دقيقة تتعلق بدم غامض ظل يباغتني خلال كل هذا السنوات، دم يخرج من غور ما من تجاويفي مصحوبا بكحة ناشفة، لما يجد استجابة مني لطلبه الجاد صارحني ذات مرة عبر محادثة هاتفية بأن هذا الدم يمكن أن يؤشر لسرطان فلملمت حقائبى وقصدت البراري في أيام ثلج منفلت لم تشهده كندا منذ ثمانين عاما.
بدأ غانم إجراء الفحوصات في 8مارس من هذا العام وكانت كل نتائجها تشير إلى سلامة جسدي من كل سقم، لكنه ظل يشكك في الدم ويتتبع سلساله بصبر وبصيرة.
عبرت الفحوصات كل مناطق جسدي الرأس والبطن والبصاق والدم وامتدت من فروة الرأس حتى أقواس الأظافر ولا شيء يشير لأي شيء إلى أن اهتدى غانم بالشكوك لرئتي فطلب صورا (بالسي تي سكان) وقال لي إن هذا الفحص هو آخر فحص سيجريه، كان ذلك يوم 1 أبريل يوم أجريت الفحص بمستشفى (هامبر ريثر) توجهت بعد إجرائه لشراء حقيبة تناسب فرحتي بالعودة للسودان.
في يوم7أبريل اتصلت بى امرأة من مكتب طبيب كندي وطلبت إلي الحضور لمقابلة الطبيب، حينها أدركت أن غانم فض لغز الدم وتوارى مني كي لا يصارحني بنتيجة الفحص!.
لم يكن ظني مخالفا لما توصلت إليه فقد أخبرني الطبيب الكندي وهو اختصاصي رئة بأن ورما طوله أربعة سنتمترات ونصف يتموضع في أعلى الرئة من الجانب الأيسر واكد لى أن شكله وصرامة ملامحه تدلل على أنه (سرطان) حمدت الله كثيرا واتصلت بابنتي إيمان في أمريكا وبعدد محدود من الاصدقاء وذهبت لغانم الذي كان يحدق في وجهى ويعدد مآثري راجيا من الله اللطف، حمدت الله مرة ثانية. وشكرت لـ(سي تي سكان) حسن دقتها في تحديد الإصابة.