أقاصي الدنيا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

 

معرضان للكتاب في الإمارات كل عام، معرض الشارقة ومعرض أبوظبي. عشرات الدور تعرض بضاعتها الابداعية والثقافية، قاعات تسرف في الأناقة وتسبح بالنعمة، نظافة وأغنيات وبراح وكتب.

قبل الاسترسال يجدر بي الإعراب عن شأفة وطنية تمس قلبي حين أرى وسط الناشرين الشوام والمصريين جلباباً يتزيا به نور الهدى وسط الياقات ومنتجات (تيد لابيدوس) من البدل الفاخرة  وربطات العنق التي تتناسق درجات ألوانها مع (بيير كاردان) البالغة الاعتزاز بنفسها من ناحيتي الأناقة و(البوبار) . وسط هذا (الفشر) الذي يحرص عليه الناشرون ويتمسّك به رياض الريس ترى نور الهدى بالجلباب كأجمل ما تكون عليه صورة (دار عزة) التي تعني السودان برمزية خليل فرح !

من كثرة تطوافي على هذين المعرضين وحرصي على نقل القدمين وتسديد العينين في كل زاوية وكل رف خرجت بقناعة أن داريّ الشروق والآداب هما الأكثر تجويداً واختياراً ورصانة في مضمار الرواية. أشتري الرواية مغمض العينين وأنا على قناعة أنها ستفتح عينيّ على أفق من الإضافة وما خذلتني أي منهما طوال ثلاثة أعوام.

في هذه المرة وبالتحديد في أخريات مارس ذهبت لدار الآداب وكان المعرض على وشك إطلاق صافرة النهاية وهناك وجدت رانيا كريمة الدكتور سهيل إدريس مؤسس الدار وصاحب مجلة آداب ومؤلف (الحي الثلاثيني) وأحد أبرز رموز التنوير الثقافي والإبداعي والمعرفي في القرن الماضي ولأنها تعرفني معرفة الزبون الثقافي الشديد التواله بالإنتاج الإبداعي الجديد أهدتني رواية (القوقعة) للروائي مصطفى خليفة دون ثمن وزادتني بلهجة بيروتية (عم بتجنن).

اسم مصطفى جديد على قائمة الروائيين المعروفين لكن ثقتي الزائدة بدار الآداب دفعتني لمطالعة الرواية في أوائل مايو وليتني ما فعلت فالرواية (عم بتجنن) كما وصفتها رانيا لكنها لم تجنني بل أصابتني بالذعر والهلع وأُشهد الله أنني تقيأت الثانية صباحاً وكنت وخدي إذ أنني أعيش (عزابي) عدا أشهر عطلة الجامعات الكندية حيث تزورني أسرتي ولشدة فرحي في تلك الأشهر التي تتعطل فيها الجامعات الكندية أطلقت على زوجتي (البروفيسر سعاد).كلقب فخري تستحقه من دأب ذريتها.

لم يقف التأثير العضوي المباشر في حدود القئ بل أثر التقيؤ على إمعائي فشعرت بتقلص في الإمعاء وانشداد وتوتر فاتصلت بفتحي الضو في شيكاغو فاختلاف الرأي لا يفسد وداً حقيقاً حفر فينا عميقاً و بعد المحادثة عادت إمعائي لعاداتها وقل القئ وازدادت القوقعة توهجاً !!

الرواية تحكي عن طالب دراسات عليا عاد لوطنه من فرنسا بعد أن درس الإخراج السينمائي. هو ليبرالي جداً يعتنق الديانة المسيحية لكنه ملحد لا يؤمن بأي شئ غير الصورة التي يتألف عليها المشهد على خلفية النص. بهذه القناعات عاد لوطنه ليشارك في النهوض السينمائي والتلفزيوني في بلاده لكن سلطات الأمن قامت باعتقاله في المطار وحبسته في بيت سري وجرى تعذيبه بأساليب لم نقرأ لها مثيلاً من قبل. بعد سنوات من التعذيب المنفلت في البيت السري أُجري معه تحقيق رسمي أفاد فيه بخلاف ما تعتقده أجهزة الأمن حوله فقد أخبرهم بانه مسيحي في حين أن الحملة التي يقوم بها جهاز الأمن تستهدف الاخوان المسلمين فبدلاً ان تشفع له ديانته زادت قناعة الأجهزة بان الاخوان المسلمين ابتكروا تكتيكات جديدة لتمتد للأخوان المسيحيين فقرروا حبسه لأطول مدة ريثما يتم البحث العملي عن الخلايا الشبيهة خارج المعتقل فامتد ذلك لاثني عشرة سنة. وفي السجن عزله الأخوان المسلمون باعتباره زنديق وكافر ونجس فلم يتكلم خلال هذه السنوات حتى نسي صوته تماماً وحين أفرج عنه في العام الثالث عشر أدمن الخمر ونسي كل حياته عدا سنوات السجن والطابور الصباحي الذي كان يجمع الحراس فيه المعتقلين لتحية الصباح للرئيس التي من أبرز فقراتها أن الرئيس له أكبر عضو تناسلي في العالم وهذه العبارة من عندي حرصاً على الذوق العام لأن الفقرة تسمي العضو بلفظه العادي وليس الحركي !

 

 

* نقلاً عن الأحداث