* بالأمس تساءلت ضمن تناولي للأهداف الانمائية للألفية عن وضع السودان في اطار الهدف الاول محاربة الفقر وحال الانسان السوداني مع حكومته وسياساتها الاقتصادية واحاول الاجابة.. فقد انقضت عشر سنوات من عمر برنامج الأمم المتحدة الذي حدد له عام 2015م.
* السياسة هى فن إدارة حياة الناس بالحد الأدنى وايجاد المعادلة التي من خلالها تؤمن لهم قدراً متوافقاً مع مقدراتهم وانسانيتهم واحتياجاتهم في الحد الادنى وكل الناس يتفقون على هذا بشتى مشاربهم الفكرية وميولهم السياسية.
* ظللنا نسمع ومنذ ان جاءت الانقاذ ان المخلص الاساسي للانسان السوداني من الفقر والعذاب والبؤس هو الاصلاح الاقتصادي.. والاصلاح الاقتصادي هو الذي يبدأ بسياسة التحرير.. وسياسة التحرير تعني رفع الدعم الذي حدثونا عن مقدرتهم على احتواء آثاره السلبية.. وكاد البعض ان يصدق بأن الدعم لا يذهب لاصحابه الحقيقيين وهو بذلك يشكل السبب الاساسي لمشاكلنا الاقتصادية المميتة.
* وخلال الثلاثة وعشرين عاماً مارست الانقاذ رفع الدعم من الدواء ومن التعليم ومن المحروقات.. وخصخصت العديد من مؤسسات القطاع العام.. وضاقت الحياة في وجوه الناس.. رفع الدعم عن الدواء والعلاج متعثر بل مستحيل إلا في المستشفيات الخاصة والمستوصفات الفخيمة.. بل وامتلأت مدن العاصمة المثلثة بالمستشفيات الخاصة.. ورفع شعار توطين العلاج بالداخل ومازال محل نقاش وآخر ما اوردته صحف الاسبوع الماضي تلك الام التي وضعت طفلها بعملية قيصرية في احدى المستوصفات ومن يومها وهى في غيبوبة كاملة امتدت الى عام بالتمام والكمال.
* والفقر يزحف بأمراضه العضوية والنفسية.. السل الرئوي بعد ان تقهقر من العالم كله اطل برأسه بل تربع واستراح في كثير من انحاء بلادنا.. بل وفي العاصمة ووسط طلاب وطالبات الجامعات والثانويات ومراحل الأساس.. وسط هؤلاء بناة الغد وروح المستقبل.. أما امراضه النفسية قال عنها مرة الراحل دكتور عبد العال الإدريسي في لقاء صحفي.. ان مرض ذهان الحميات من الحالات التي تتردد كثيراً نتيجة للملاريا والحميات الاخرى لأن الحالة الاقتصادية للاسر لا تمكنها غالباً من علاج هذه الامراض.. واشار الى ان الجسم له المناعة الكافية ليقاوم هذه الحميات.. ولكن ذلك لا يتأتى إلا اذا كان الغذاء كاملاً ولكن الاوضاع الاقتصادية للاسر لا تمكن في اغلب الاحيان من ان يتوفر الغذاء الكامل للمريض لذلك هذه الحالات تتردد على المستشفى بصورة كثيفة.
* ورفع الدعم عن التعليم ومازلنا نتحدث عن محو الأمية وتوسيع التعليم بينما الامية تمد لسانها ساخرة وهى تزحف على الاطفال والكبار معاً.. فكيف يدفع العامل والمزارع والموظف الصغير بابنائه الى المدرسة والمصاريف كل يوم في ازدياد ويجد الاب نفسه أمام خيارات كلها مريرة ومعذبة.. ان يبقى على اطفاله في البيت بلا تعليم حتى يؤمن لهم عيش الكفاف او ان يدفع بهم الى الشارع بحثاً عن عمل وهى جريمة متكاملة ان يعمل الاطفال وتغتال طفولتهم وتنكر نفوسهم ويشيخون وهم يفع او يدفع بهم الى المدارس وهذا معناه ان يدفعهم الى عالم المرض.. للسل والملاريا وللموت جوعاً.. في النهاية التعليم وتأمين القوت والدواء لا مجال للجمع بينهم في هذا الزمان السوداني.
* بعد هذا كله الحكومة وحزبها عازمان على المضي في سياسات التحرير ورفع الدعم.. وبالطبع لن تقدر على احتواء سلبياتها والناس في طريقها لمستشفى التجاني الماحي او لعالم الخدر او للموت جوعاً.
* ألا تتفقون معي بأن المسألة كبيرة وخطيرة وتحتاج إلى شيء من العقل النافع.
هذا مع تحياتي وشكري
بقلم: آمال عباس