معادلات

 

 

بين ركوب الطائرة و (ركوب) الرأس!!

 

        وأما حديثكم عن (السلف) هكذا مطلقةً مُرسلة ، وقولكم عنهم (. إن السلف الذين يدعو أئمة أهل السنة إلى الاقتداء بهم هم سلف معينون شهد الكتاب والسنة لهم بالصلاح. إنّ الاقتداء بأمثال هؤلاء السلف ركن لا يقوم الدين الحق إلا به . ألسنا نسأل الله تعالى في كل ركعة من ركعات صلواتنا المفروضة والنافلة قائلين (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ؟ من هم هؤلاء الذين أنعم الله عليهم؟ إنهم الذين بينتهم الآية الكريمة (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا)) .. فقد علمنا أن كتاب الله تعالى شهد للأنبياء جميعاً بالصلاح ، وشهد لبعض عباد الله الذين اصطفاهم من غير الأنبياء بالصلاح في كتابه العزيز ، كلقمان مثلاً ، ولكننا نعلم أيضاً ، يا مولانا ، أن الله تعالى لم يجعل العصمةً بعد محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأحد ، ونعلم أن الله إنما أكمل لنا ديننا وأتم علينا نعمته بكتابه وسنة رسوله محمد ، والتأسي بالنبي عليه السلام يغنينا عن التأسي بغيره من السلف الذين يستوون معنا في التكليف بطاعة الله وطاعة رسوله، ولا والله لن يسألك الله يوم الدين : (لماذا لم تتأس بفلان من السلف؟؟) أو (لماذا لم تقل بقول فلان من السلف) ، إنما يسألك عن إيمانك أنت ، وعملك أنت ، وفهمك أنت !! ولهذا لم يأمرنا الله ، يا شيخ ، بتدبر أقوال السلف أو تأويلاتهم وتفاسيرهم لكتابه ، بل أمرنا بتدبر كتابه ، بقلوبنا نحن لا بقلوب السلف ، وبفهمنا نحنُ لا بفهم السلف ، إلا ما بلغنا يقيناً عن الرسول صلى الله عليه وسلم  !!

       أما قول الله تعالى في الفاتحة (صراط الذين أنعمت عليهم) فإن صرفكم محمول هذه الآية إلى من أسميتموهم السلف لهُو تكلُّفٌ بعيدُ النجعة ما أنزل الله به من سلطان ، فالآية تستغرق كل من أنعم الله عليهم من السلف والخلف ، وفعلُ الله تعالى وإن جاء بصيغة الماضي ، تعلمون أنهُ لا يحيط به الزمان ، فزمانُ المخلوقين كله عند الله ماضٍ ، و كل من دعا الله أن يهديهُ الصراط المستقيم ، مخلصاً ، هو إن شاء الله في زمرة الذين أنعم عليهم ، فالآية لا تصلح يا شيخنا دليلاً لكم على تفضيل السلف تفضيلاً مطلقاً يجعل التأسي بهم ديناً .

       يقول الشيخ جعفر : (استغربت قول الكاتب (وإحسان الظن بالشيوعيين أنفسهم حتى يثبت لنا خلاف ما نظن بهم ليس أمرا يستحق استنكار الشيخ جعفر). استغربت قوله لأنني لم أكن أظن أن إنسانا مثقفا ما يزال في حيرة من أمره بالنسبة إلى عقائد الشيوعيين فهو ينتظر حتى يتبين له خلاف ما ظن بهم. لست أدري ماالذي ظنه بهم فهو ينتظر أن يتبين له خلاف ما ظن؟ إن كلامنا عن الشيوعيين إنما هو في عقائدهم الإلحادية وليس في كل ما يقوله أو يفعله إنسان يقول عن نفسه إنه شيوعي).

       وما عنينا بقولنا الذي استغربه واستنكره الشيخ إلا ما قاله في ذيل استنكاره ، وهو أنه ليس كُل من قال أنهُ شيوعي أو ارتضى لنفسه بصفة شيوعي هو ملحدٌ أو آخذٌ بعقيدة الإلحاد التي هي من بعض مقتضيات الفهم العام للشيوعية في منابتها ، وفي السودان مثلاً شيوعيون لا يقصدون بالشيوعية إلا مقولاتها الاقتصادية والاجتماعية، وهم من بعد ذلك مسلمون يرون في شعارات العدالة الاجتماعية التي ترفعها الشيوعية ما لا يناقض الاسلام في شيء ، خصوصاً وأنهُ أعدل الأديان وأفصحها في رفض سائر صنوف الظلم الاجتماعي ، فهل في دعوتنا الشيخ إلى إحسان الظن بهؤلاء ما يستحق استنكاره؟؟ لعلهُ أراحنا من الإجابة!!

       أما تأكيد الشيخ أنني لم أكن عالماً بما نسبه إلى الشيخ الترابي في شأن الأنبياء ، مثل قوله في سيدنا موسى أنه (ارتكب جريمة قتل) وفي سيدنا ذي النون أنه (شرد) ، فقد صدق الشيخ ، لم أعلم بذلك القول إلا من فم الشيخ جعفر في حديثه الذي كان موضوع كلمتي ، ولكن ما جعلني أرجح انتزاع الحديث من سياقه ، هو تأكيد الشيخ جعفر أن ذلك القول المنسوب إلى الترابي ،و الذي جعله يحكم عليه بأنهُ يهزأ بالأنبياء ، لم يسمعه الشيخ جعفر من فم الترابي ، وإنما نُقل إليه نقلاً ، وما أجدر من كان في مقام الشيخ جعفر وعلمه أن يتثبت ، ليس فقط من صحة الكلمات التي نقلت إليه ، ولكن من سياقها العام ، وهذا ليس مما يُلتمس عند من يمشون بين الناس بالنميمة وينقلون كلام الترابي إلى جعفر وكلام جعفر إلى الترابي . الأجدرُ عند العلماء ألا يبنوا حكمهم على أحد على كلام منقول إليهم من أُناس لا يعلم أحدٌ ما في صدورهم !! وحسبك تأكداً من صواب مذهبنا هذا قول الشيخ : (كما روى لي ولغيري رجال ثقات لا يشك في أمانتهم أنه قال لهم إنه أعلم من النبي صلى الله عليه وسلم. ثم حدثني رجال آخرون قالوا إنهم ذهبوا إليه ليتثبتوا من هذا الكلام فأكده لهم) فها أنتم ترون أن كل ما يبني عليه الشيخ جعفر أحكامهُ على الشيخ الترابي هو مرويات معنعنة ينسبها إلى رجالٍ يزعم أنهم "ثقات" و "لا يُشكُّ في أمانتهم" ، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يشك في أمانة الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، حتى إنه بعثه في صدقات بني المصطلق ، فعاد يزعم أن الحارث بن أبي ضرار منعه الزكاة وأراد قتله ، فصدقه الرسول صلى الله عليه وسلم وكاد يبعث بعثاً لمقاتلة الحارث وقومه ، لولا أن نزل قول الله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم فاسقٌ بنبأٍ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالةٍ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)!! فما بالكم ، دام فضلكم ، بمن لا يشك الشيخ جعفر في أمانتهم ؟؟؟

       أما حديث الشيخ أننا لم نفهم مرماه من تشبيه ضرورة الاحتكام إلى الظنيات بضرورة  ركوب الطائرة ، فقد فهمناه ولله الحمد ، ونقول للشيخ أنه لا عذر لمن يتعبد الله بالظنيات بدعوى أن المتاح من قطعيات الدين لا يفي بحاجته ، وإن تشبيه الأمر بركوب الطائرة فيه تخليطٌ مريع ، فدين الله أعظم مما يلتمسه ركاب الطائرات ، ومضمون حديثكم الذي كان نعياً على السيد الصادق المهدي تجويزهُ الاجتهاد في وجود النصوص التي تفتقر إلى القطع ، ثبوتاً أو دلالة أو الأمرين معاً ، سواءً أكان الاجتهاد هذا في تأويل هذه النصوص غير المقطوع بدلالاتها ، أو اجتهاداً  بمعزل عن النصوص غير المقطوع بثبوتها ، كان واضحاً مفهوماً لكل ذي قلب ، وهو أنه لا يلزم أن تكون النصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة حتى نتعبد الله بها ، مشبهين الذي يستلزم ذلك بمن يرفض ركوب الطائرة ، لأن السلامة فيها ظنية الثبوت .. أليس هذا مرمى حديثكم يا شيخ؟؟

       نستغفر الله لنا ولكم

 

 

 

ali yasien [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]