معادلات

 

 

       والعمالة، إشتقاق ركيك من "المعاملة" ومن العمالة اشتق لفظ "عميل" وجمعه عملاء.. والعميل- في الأصل- هو الذي تجمعه "معاملة" ما، مع جهة ما.. والمعاملة تبادل العمل "أي المنفعة"..

       وينقسم العملاء في هذه الدنيا الى قسمين كبيرين:

1-     "العملاء الكرام" وهم عملاء البنوك والبيوتات التجارية والشركات والمؤسسات التي تتعامل مع جمهور محدود أو مخصوص، وهؤلاء عادة ما تنعقد المودة- بفعل المصلحة المتبادلة- بينهم وبين الجهات التي يتعاملون معها، فنراها- تلك الجهات- تحرص على خطابهم بلغة رومانسية من قبيل "عملاءنا الكرام" سواءً أكان هذا الخطاب في صدد الإعلان عن خدمة جديدة، أو التنبيه الى إجراءٍ لازم، أو التبشير بافتتاح فرعٍ جديد أو امتيازات جديدة للعملاء.

2-     العملاء غير الكرام.. وهؤلاء هم العملاء الذين اذا دعوت أحدهم بلقب "عميل" ذهب إلى قسم الشرطة ورفع عليك دعوى قضائية..

       والمعنى الثاني للعمالة- أعنى العملاء غير الكرام- هو معنى إصطلاحي، ظهر منذ حوالي قرن- أو أقل- من الزمان، وكان اللفظ السائد قبلها للدلالة على هؤلاء هو مصطلح "جاسوس" ثم رأى أصحاب المصلحة في هذه "المهنة" أن يبتكروا لفظاً أكثر لطفاً من لفظ "جاسوس" فقالوا "عميل"- مرسلة، دون تعريف بالاضافة- فسار بها الركبان.

       والعميل الآخر هذا، هو من تربطه معاملة ما، مع جهات إستخبارية لدولة عدو.. مثل العمالة للـ (C.I.A) أو الـ(F.B.I) او الـ(K.G.B) أو الموساد.. ولا يظنن ظان أن المعاملة التي تربط أحدهم بهؤلاء هي من قبيل "توريد بطاطين" او تصدير "فول سوداني".. بل هي معاملة تقتصر على نوع آخر من التجارة، هو تجارة "المعلومات" ذات الصبغة الإستخبارية، أي المعلومات التي يمكن استغلالها في الإضرار بالبلد المعني أو ضرب مصالحه..

       والعمالة، بالمعنى الأخير، كانت- حتى بُعيد إنتفاضة أبريل- عملاً معيباً، بل فاحشاً، يساق صاحبه إلى حبل المشنقة ولا يُصلّى عليه، ويلعنه الناس حياً وميتاً.. وكان يطابقه في القانون لفظ إسمه "الخيانة الوطنية العظمى"!!  ثم إن الزمان دار دورة، فلم يعد في القانون شئ يسمى (الخيانة العظمي)، أو – بالأصح- بقى اللفظ ولكن دون معناه.. وأصبحت "العمالة" لجهات عدو، أمراً يحتمل النقاش والتأويل والتبرير وإن ظلت العمالة، في الذاكرة العامة للأمة، أمراً يستحي صاحبه أن يعلنه..

       أما على مستوى العالم، فقد كانت العمالة لجهات أجنبية فعلاً فاحشاً، حتى منتصف تسعينيات القرن الماضي، ثم انقلب الأمر، فأصبحت مجالاً للمجاهرة، بل المفاخرة.. ورأى الناس حكومات كاملة الهيئة، يتم تنصيبها على دول، بعد إسقاط حكومات سابقة، يحمل بعض منسوبيها- أي الحكومات الجديدة- الجنسية الامريكية، ويحمل جميع منسوبيها بطاقات السي آي أيه، أو الموساد، ويحكمون شعوبهم بوكالة معلنة عن الحكومة الأمريكية [حدث هذا- بشكل معلن سافر- في دولتين مسلمتين، أما بشكل أكثر حياءً، ففي ضعفي هذا العدد تقريباً]..

       يهمنا في شأن "العمالة" هذا، ما حدث في السودان.. فالسوداني كان حتى منتصف ثمانينيات القرن الماضي، ينخلع قلبه ويجفّ ريقه وترتعد أطرافه إذا سمع كلمة "عميل" المطلقة (غير المعرفة بالإضافة إلى بنك أو شركة) وكان الناس إذا سمعوا أن في مكان ما عميل ذهبوا ليتفرجوا عليه، ويبصقوا عليه..

       ثم جاء زمان أصبح فيه بعض كبار الساسة في السودان، ذوي الأتباع والهيلمان، لا يستحيون من العمالة للأجنبي العدو، بل ويفخر بعضهم بانه صاحب الفضل في ضرب "مصنع الشفاء" باعتباره مصنعاً للأسلحة الكيماوية، بل ويتبرع بمعلومات استخبارية= على الهواء مباشرة= تقول أن هنالك مصانع أخرى يجب أن يتكرم أولياء النعمة بتفجيرها، حتى يختنق هذا الشعب "البليد" بما ينتج عن تفجيرها من غازات سامة، جزاءً وفاقاً له على ترحيبه بحكومة الإنقاذ، وطرده حكومة "الأسياد"!!

       وليس هذا هو العجيب.. العجيب هو أن حكومة الإنقاذ، لم تر بأساً في الحوار مع من أعلنوا عمالتهم للأمريكان.. ولم تر باساً- حتى- في إشراكهم في حكم هذا الشعب الذي أرادوا يوماً خنقه بالغاز [الناتج عن تفجير آلاف الأطنان من منتجاتنا الوطنية من غاز الخردل، الذي تنتجه مصانعنا الكيميائية بالمنطقة الصناعية والباقير وغيرها].. حين سألناهم يومها قالوا "هذه هي السياسة"!!

       ومع أنه من المتعارف عليه في العالم كله، أن العميل للعدو الأجنبي هو شخص غير جدير بأدنى ثقة.. ولا يصلح حتى في وظيفة "بائع مساويك" في دولة تحترم نفسها.. فإن "السياسة" لعنها الله، جعلتنا لا نستنكف أن نضع ثقتنا في بعض من أعلنوا عمالتهم، وفي كثير ممن يشتبه في عمالتهم، ثقة تجعلنا لا نكتفي  بمنحهم تصاديق "بيع مساويك" في السوق العربي، بل نبالغ- في كرم حاتمي- فنفتح لهم أذرعنا قائلين: "هلموا إلى القصر!!"

       هذا، وما يزال العمل جارياً في تبرير وتأويل معاني العمالة للعدو الأجنبي.. لهذا، أطرب كثيراً، حين يذهب أحدهم الى وكيل النيابة ويرفع دعوى قضائية ضد أحد إخواننا لأنه اتهمه بالعمالة.. هذا يعني ان صاحبنا ما يزال يستحي من تهمة "العمالة" وفي هذا خير كثير، لو تعلمون!!!

       ولا يقلل من هذه المحمدة- محمدة الحياء- أن يكون المستحي عميلاً حقيقياً ، إلى حد يغري من اتهمه بأن يقول للقاضي حين يستجوبه عن تهمة القذف الموجهة إليه: ( يا مولانا أنا قولي خلّو..إنت شن قولك؟؟)..فالمهم عندنا هو مجرد الحياء..والله أعلم.

ali yasien [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]