معادلات

 

        لن تستطيع أن ترفع إصبعك في وجه الدكتور كامل ادريس ، مرشح رئاسة الجمهورية ، بأية ملاحظة سالبة تتعلق بشخصيته أو ببرنامجه الانتخابي ، أو بخطابه (وحتى الحديث عن مشكلاته المزعومة مع المنظمة الدولية ، والتي تتعلق بمسألة ما قيل إنهُ تزوير وثيقة ميلاده ، تظلُّ في أسوأ تفسيراتها ، عملاً مقصوداً من المنظمة الدولية ذات التاريخ الخبيث ، تريد من خلاله أن تقول لنا : "لم تعد لي علاقة بكامل ادريس").. هل فهمت المسألة يا صاح ؟؟

        إذا لم تكن قد فهمتها بالوضوح اللازم ، فانظر ، أولاً ، في تاريخ هذه المنظمة – منظمة الأمم المتحدة – التي هي في ظاهر الأمر مجرد رافد من روافد وزارة الخارجية الأمريكية ، أما في حقيقة الأمر ، فهي أداة صهيونية خالصة ، فرئاستها لا ينالها من لا ترضى عنهُ إسرائيل ، و"فيتو" مجلس أمنها صنع خصيصاً لأجل إسرائيل ، ورئاسة أية منظمة من منظماتها يستحيل أن يطمع فيها من لا "تعشقهُ" إسرائيل (وما تزال حاضرة أصداء معركة رئاسة اليونسكو ، التي لم يكن مرشحاً لها خالد مشعل أو حسن نصر الله ، بل الرجل الطيب فاروق حسني ، الذي عثر لسانهُ عثرةً وحيدة ذات يوم ، فتفوَّه في لحظة انفعال عابرة بكلمةٍ واحدة أغضبت إسرائيل ، فكانت النتيجة أن فقد الأمل في رئاسة اليونسكو!!).. فلماذا يا تُرى لم تحس إسرائيل التي تتحكم تحت أبصار الجميع في كل قيادات روافد منظمة الأمم المتحدة ، لماذا لم تحس بأي خطر حين تقدم لرئاسة المنظمة العالمية للملكية الفكرية ، التي هي إحدى روافد منظمة الأمم المتحدة ، رجُلٌ سوداني ، عربي ، مسلم ، إسمهُ كامل ادريس؟؟

       أرجو أن ينتبه القاريء إلى أن حديثنا هنا لا يعني تحميل  الدكتور كامل ادريس مسؤولية رضاء إسرائيل عنهُ ، فإسرائيل ترضى أو تسخط على الناس بناءً على معايير وتقديرات تخصها وحدها ، ويكفيها جداً ألاَّ ترى في شخصية الدكتور أو في توجهاته أي خطر عليها ، ثم ترى فيه مشروع صديق محتمل ، حتى  ترضى عنهُ ، ورضاء إسرائيل عن شخصٍ ما ، ليس سُبَّةً على الدوام ، فربما وفَّق الله بعض عباده المخلصين لنيل رضاء إسرائيل ، دون أن يحذف آيات بني إسرائيل من مصحفه الخاص ، ودون أن يكف عن كراهية إسرائيل ، لحكمةٍ يريدها الله ..

        إذا كنت قد فرغت من النظر في تاريخ وسيرة وأهداف وجود منظمة الأمم المتحدة وروافدها المختلفة ، التي تقع بالكامل داخل سلطات إسرائيل ، وإذا كنت قد عرفت الشرط الأساس في أهلية أي شخص لتولي أيِّ موقع قيادي بتلك المنظمة ، فانظُر الآن في النشاط السياسي لتلك المنظمة ، والذي يتم دائماً تحت غطاء ولافتات العمل الإنساني : حل النزاعات ، إغاثة اللاجئين والنازحين ، السلام العالمي ، الحد من إنتاج السلاح النووي ، إيقاف الحروب الأهلية ، إيقاف وإدانة وقائع الإبادة الجماعية أو التطهير العرقي.. ألخ.. وانظر أين تلقي تلك المنظمة بثقلها دائماً ، وانظُر مثلاً أين توجد أوقح صور الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في هذا العالم ، وأين توجد أضخم ترسانة نووية في الشرق الأوسط؟؟ ثم انظُر كيف تدير المنظمة وجهها في الاتجاه الآخر ، فلا ترى إبادة جماعية إلا في حروب عصابات النهب المسلح في دارفور ، ولا ترى سلاحاً نووياً خطيراً إلا في إيران .. منظمة هذا شأنها ، لا مانع لديها أبداً من (احتلال) أية دولة عدو لإسرائيل ، لصالح أسرائيل .. ولما كان الاحتلال العسكري غير متاح للمنظمة الدولية ، فإن التسلل الناعم إلى مواقع القرار في الدول غير المرضي عنها إسرائيلياً ، سوف يكون خياراً ممتازاً ..

        مصر  ، والسودان ، دولتان تشكلان عقبةً استراتيجية لإسرائيل ، ومنظمة الأمم المتحدة كانت مكاناً مثالياً لاختبار "قدرات" و أمكانيات رجلين ، أحدهما من مصر ، إسمهُ محمد البرادعي ، كان رئيساً لوكالة الطاقة الذرية ، وأبلى بلاءً أثلج صدر إسرائيل ، وتسبب ، بتقاريره وتصريحاته المتضاربة حول مشروعات صدام حسين النووية في توفير غطاء ممتاز لتدمير العراق بالكامل ، قبل أن يكتشف العالم أنه ليس لدى العراق أية منشآت لتصنيع الأسلحة النووية أو الأسلحة الكيميائية .. رجُلٌ مثل البرادعي يصلح تماماً لرئاسة مصر ، قبل إلحاقها بالكامل بالقاطرة الإسرائيلية ..

        أما الأكاديمي الدكتور كامل ادريس ، فحظه ربما كان أوفر ، لأنهُ لم يكُن في موقع يضعهُ في إطار مواجهةٍ أو تناقض مع أمته ، كما حدث مع البرادعي ، ولا بُدَّ أن بعض النافذين في عصب المنظمة الدولية قد رأوا في الدكتور خياراً مثالياً للتقدم لحكم السودان ، وأشك كثيراً في أن فكرة الترشح لرئاسة الجمهورية في السودان هي من الأفكار الشائعة لدى الأكاديميين أمثال الدكتور كامل ادريس (وقد استغربتها للغاية ، ذات الفكرة ، حين داهمت الدكتور عبدالله علي إبراهيم وقلت لابُد أن بعض الخبثاء زينها للدكتور لولا أن الله أنقذه في اللحظات الأخيرة حين سخر مفوضية الانتخابات لاكتشاف ثغرةٍ تتعلق بشروط الترشح لديه).. لا يبعُدُ إذاً ، أن يكون بعضهم قد همس بالفكرة للدكتور ...

        أرجو أن يتيقن القاريء الكريم من أنني لستُ موقناً من صحة أية كلمة مما ورد أعلاه ، يقيناً كاملاً ، ولكنني رجُلٌ ابتلاهُ الله بتتبع آثار البُعران ، فرب بعرةٍ دلت على بعير .. ومنظمة الأمم المتحدة لا تلقي بفلذات أكبادها جزافاً ...

ali yasien [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]