معادلات

 

 

        التاريخ السياسي السوداني ما بعد الاستقلال وحتى اليوم ، ظل تاريخاً خالصاً "للعواطف" الجياشة. وظلت المواقف والانحيازات السياسية – في غالبها الأشمل – تعبيراً عن تقلبات العلاقات الشخصية ومؤشراً لها ، ولم تزل الشعارات الحميمة – مصداقاً لنظرية المفكر المسلم مالك بن نبي – طواطم وأوثاناً استعاض بها المثقفون عن الأحجبة والحروز .. أما أنت ، أيها القاريء ، فلن تستطيع أن تفهم أبعاد شخصية كشخصية العميد "م" عبدالعزيز خالد ، مرشح رئاسة الجمهورية ، إلا في ظلال المقدمة أعلاه..(والأمر ينطبق تماماً على شخصيات أُخرى عديدة ، تطرقنا إلى بعضها في معرض صيدنا للبعرات التي تدل على البُعران ، كشخصيات الصادق المهدي ، منصور خالد ، مبارك المهدي ، وآخرين)..

        ولئن كانت نظرية (ممالأة الفأر ، انتقاماً من القطط) هي أعظم النظريات حظاً في تاريخ التدافع السياسي السوداني ، فقط ظلت خسارة الأُمّة السودانية خسارةً مركَّبة ومضاعفة ، حيال القطط والفئران على حدٍّ سواء ، فكل ما تبنيه "القطط" من عرق الشعب المسكين ، تهدمه الفئران ، ليس انتقاماً من الشعب صاحب البناء ، ولكن انتقاماً من القطط التي بنت ، وظل تبادل الأدوار بين الحالة القططية والحالة الفأرية سائداً بين القيادات السياسية السودانية ، ولا أظنه ينتهي قريباً ..

        العميد عبدالعزيز خالد ، المولود عام 1944م  ، أحد المؤسسين لما سمي بالتحالف الوطني السوداني ، والقائد العسكري لقواته التي اتخذت من أريتريا منطلقاً ، والرجُل لم يكن سياسياً بالأساس ولم يفكر أصلاً في مسألة المعارضة أو الموالاة السياسية ، لولا قيام انقلاب يونيو بقيادة زميله وابن دفعته الذي لم يكن يستلطفه ، عمر حسن احمد البشير ، وهو أمرٌ أثار حفيظة الرجل فقرر أن يكف عن كونه مجرَّد عسكري ، ويتحول إلى سياسي ، ويبدو أنه لم يجد صعوبةً كبيرة في عملية التحول من عسكري إلى سياسي معارض ، خصوصاً وأن أقطاب السياسة في ما سمي بالتحالف الوطني الديمقراطي قد رحبوا به قائداً لقواتهم المسلحة ، وقد أنجز – برفقة عبدالرحمن سعيد – إنجازاً "وطنياً " عسكرياً باهراً ، حين تمكن من قيادة قواته عبر هضاب الشرق الوعرة وطرقاته الصخرية ، حتى  وصلوا إلى الأنبوب الناقل للنفط ، وقاموا بتفجيره في إنجازٍ سوف يظلُّ من أعظم إنجازات عبدالعزيز خالد ..

        العميد عبدالعزيز خالد ، كان بدوره أحد الذين ثمَّنوا الخطوة الأمريكية الكريمة ، المتمثلة في قصف مصنع الأسلحة الكيماوية بالخرطوم بحري ، ذلك المسمّى بمصنع الشفاء للأدوية ، ولم يبخل بالإمتنان لذلك العمل البطولي الذي اهتزَّت له أريحيّة زعيمي البيت المهدوي ، الصادق ومبارك ، ولكنني – شخصياً – لم أحسد مرشح رئاسة الجمهورية السودانية عبدالعزيز خالد على شيءٍ كما حسدتُهُ على إطلاق لقب "إرهابي" عليه ، هذا وما أزالُ أعتبر أن لفظ إرهابي قد تعرَّض لإهانةٍ بالغة من قبل الحكومة السودانية ، حين قامت بإطلاقه على رجُلٍ لأنَّهُ قام بتدمير منشأة قومية حيوية في بلده ، تمثلت في الأنبوب الناقل للنفط إلى الميناء ، فإذا علمنا ، يا مولانا ، أن هذا اللقب ذاتهُ يُطلق على أبطال حماس وعلى مقاتلي حزب الله ، عرفنا حجم التدليس الخبيث ، المتمثل في إطلاق لقب "إرهابي" على رجُلٍ يتسلل ليلاً ليفجر أنبوباً للنفط ثم يفر تحت ستار الظلام إلى مخبئه .. وقد أزعجني ، لاحقاً ، أن قامت شرطة الإنتربول باعتقال عبدالعزيز خالد تحت ذات اللقب – لقب "إرهابي" في الإمارات العربية المتحدة ، وسلمتهُ إلى الحكومة السودانية !!

        ولما كانت تلبيسات السياسة السودانية ، المتمثلة في كونها "حالة عاطفية مزمنة" قد حشرت أنفها في الأمر ، فسرعان ما أسفرت الوساطات العائلية وجهود "الأجاويد" عن إطلاق سراح الرجُل الذي تعبت شرطة الإنتربول في مطاردته عبر العالم حتى سلمتهُ للحكومة السودانية .. لو أنني كنتُ مسؤولاً بالإنتربول لاعتبرتُ هذا إهانةً موجهة إلى شرطة الإنتربول ، ولقرَّرتُ عدم التعاون مع الحكومة السودانية في أي شأن آخر ، ولساعدتُ جميع المجرمين الفارين من الحكومة السودانية على الهرب ، لأنني سواءً أعتقلتهم أم تركتهم فالأمر سيَّان !!

        لا أجدُ أدنى رغبةٍ في إعادة الحديث عن المبدئيّة في السياسة (والمبدئية التي أعني ، ليست هي نقيض الميكيافيلية ، فالميكيافيلية نفسها يطبقها أهلها الفاهمون "بمبدئيّة" ) ولا وقت لدي لإعادة ما كتبتُهُ سابقاً ، من أن السياسة في هذا البلد لن تشم ريح العافية ما لم تخرج عن جلباب العاطفة البلهاء ، ولا أرى في القوم نجابةً تغريني بالخوض مجدداً في تعريف "الخيانة" و" الأمانة" ولكن لو كان الأمر بيدي ، لعملت بكل جهدي على أن يفوز عبدالعزيز خالد برئاسة الجمهورية .. "كيتاً" في حكومةٍ لا تعرف التمييز بين المجرمين في حقها الخاص وبين المجرمين في حق الشعب الذي يُفاجأ ببعض المجرمين والخونة مرشحين لرئاسته !!

ali yasien [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]