عكس الريح


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.



في بعدك يا غالي أضناني الألم.. وعشت مع الليالي لا حب لا نغم

لا زلنا نتذكر ونترحم على روح الفنان الكبير زيدان إبراهيم فقدنا الإنساني العظيم وكما رويت لكم موقفه العظيم الأسبوع الماضي أستخرج اليوم من دفاتري هذه الرواية الطريفة والتي لم أزل أرويها كلما حانت السانحة لكن هذه المرة تعود برغم ظلال الحزن الذي يغمرنا فنظل نحكي عنه وندعو له دائماً بالرحمة والمغفرة بإذنه تعالى.

تقول الحكاية أنني التقيت بعدد من طالبات الطب بالسودان وهن يشاركن في فعاليات المؤتمر العلمي الثاني لطلاب الطب والذي عقد قبل فترة بكلية الطب بجامعة الإمارات بمدينة العين بالإمارات العربية المتحدة حيث كانت لهن مشاركة مشرفة يحق لنا أن نعتز بها. (ريّان) والآن دكتورة ريان - ما شاء الله وبالسويد كمان - كانت إحدى الطالبات المشاركات في المؤتمر وهي ابنة المهندس جمال محمد عثمان جودة ووالدتها الأستاذة الدكتورة أمل عمر بخيت عميد كلية الطب البيطري بجامعة السودان وهي أيضاً نقابية نشطة ومثقفة بارزة، وهي شقيقتي الكبرى التي اكتشفت موهبتي الشعرية ورعتها منذ البدء كما تحملت نفقات طباعة ديواني الأول (السراب والملتقى) مما كانت توفره من مصروفها الدراسي عندما كانت طالبة بكلية الطب البيطري بجامعة القاهرة بمصر. ريّان هي إحدى المعجزات الإلهية فعندما ولدت كانت والدتها في شهرها الخامس من الحمل وكان وزنها عند الولادة أقل من أربعمائة جرام فأصبحت حدثاً طبيا فريداً أشرف عليه في ذلك الوقت الأستاذ الدكتور الطاهر الشبلي استشاري الأطفال بكلية الطب جامعة الخرطوم. ريّان الآن - ما شاء الله - تتخصص في علم المناعة الإكلينيكية بأهم جامعات الطب في العالم بالسويد وأستميحها عذراً أن احكي تلك الرواية مرة أخرى علنا نبتسم في لجة الحزن ونضحك في أقصى حالات الضيق.

ريّان وبعض زميلاتها كانوا معي بالسيارة حيث تطوعت بإيصالهم لأحد الأسواق، وفي الطريق كان المطرب الكبير – رحمة الله عليه - زيدان ابراهيم يداعب الوجدان وهو يصدح من ذاكرة الكترونية عبر الكاسيت بصوته الجميل ويردد رائعته التي يقول مطلعها (لو أحبك أنا العمر كلو برضو شاعر ما كفاني). سافرت في حقول الذكريات والرهق الطويل وأنا أمتص من صدر السماء مطراً كدمع الضائعين. فجأة استرجعت أن تلك الأغنية افتتح بها زيدان زواج شقيقتي أمل (والدة ريان) والتي رويت في الأسبوع الماضي موقف زيدان ذلك الرجل العظيم في إنسانيته وفي تعامله مع الآخرين بالصدق والمحبة والوفاء فبادرت بالسؤال التالي من باب المزاح: من هو هذا الفنان؟ داهمني صمت رهيب إلا من صوت الكروان زيدان، حيث لم يرد على سؤالي أحد! قالت لي إحدى الطالبات: من فضلك لا تذكر اسمه فأنا سأخبرك بعد قليل .. امنحني دقيقة فقط .. وبعد انقضاء أكثر من دقيقة صاحت بزهو كبير: عثمان حسين .. ولم أفق من هول الصدمة حتى صاحت الأخرى: صلاح ابن البادية .. قالت ريان في شكل سؤال: محمد ميرغني؟! هنا خشيت أن تقول إحداهن: البلابل فأفقد صوابي والسيطرة على مقود السيارة معاً. قلت بأسى ً عميق: هذا زيدان العظيم .. أعزكم الله وعظّمكم وزادكم علماً. قلت لريان أنا والله لم أفكر اصلاً في السؤال إلا أنني تذكرت وفاءه وموقفه نبيل يوم حفل زواج والدتك وكيف أنه ابتدر الحفل بهذه الأغنية الرائعة ورويت لها تلك القصة بتفاصيلها لكن لم يدر بمخيلتي ألا تتوهج ذاكرتكم بصوت هذا العملاق.

ولعلي أعود لمناقشة هذا الأمر من ثقافة الكثير من أبنائنا التي انفصلت تماماً عن مدنا الفني الجميل برغم كثرة القنوات الفضائية التي لم تنجح إلا في جذب الجيل القديم الذي فقد بوصلة الحاضر ويعيش تائهاً وهائماً في وجدانه القديم!! ولقد لاحظت أن السيد الباشمهندس جمال جودة عاشق أغاني وأغاني وأغنيات من الماضي حين يبدأ في مشاهدة هذه البرامج يهرب الشباب إلى أجهزتهم الإلكترونية الأخرى ولا يعودون إلا لمشاهدة برامج أجنبية أو متابعة الدوري الإنجليزي أو الأسباني وكذلك يكون الحال مع كرة القدم السودانية وهذا الأمر يتكرر في كثير من البيوت السودانية خاصة في العاصمة وأحيائها الراقية التي امتدت في كل أركان المدى بالخرطوم عاصمتنا المثلثة.

رن جرس الهاتف النقال وكان المتحدث نائبي بالمستشفي العسكري بالبحرين وهو يطلب المشورة فيما يتعلق بحالة مريض أصيب بصدمة دماغية نتج عنها بعض المضاعفات التي استدعت نقله لغرفة العناية المكثفة. تناقشت معه عبر مكبر الهاتف لعدم وجود توصيلة جهاز الرأس (Headset) معي لأن بالإمارات يمنع منعاً باتأً استعمال الهاتف الجوال أثناء القيادة. استمعت طالبات الطب لتلك المحادثة بتمعّن فاردت اختبارهن فيما يتعلق بالعلوم الأساسية التي لها علاقة بحالة ذلك المريض. أدهشتني إجاباتهن المتقنة مما خفف من حالة الإحباط التي أصابتني نتيجة عدم معرفتهن لصوت زيدان الجميل (والصفة تعود لزيدان ولصوته) وهو أحد عظماء الفن في وطن تقطنه هؤلاء الفتيات ويهجره الربيع إلا في حدائق غنائنا البديع! عادت بي الذاكرة إلى أيام الدراسة بكلية الطب بجامعة الخرطوم حيث كنا نشبع قاعات الدراسة كل مساء بالندوات الثقافية وجلسات الإستماع وكنا نقول بأننا شعراء نهوى دراسة الطب، فلم أدرك إن كان عدم معرفتهن بالغناء السوداني يعود لنظام التعليم واستغراقهن الكامل في دياجير الدراسة المغلقة والتي في نفس الوقت أكدت نجاحهن الباهر أم لغزو الفضائيات وعولمة الإحساس التي جعلت أبناءنا يدركون تاريخ اصدار ألبوم بريتني سبيرز ومادونا المشترك وعيد زواج ديفيد بكهام وفيكتوريا بينما لم يسمعوا بكرومة والكاشف وخضر بشير والنور الجيلاني!

كانت معنا بالسيارة إبنتي أمنية التي لاحظت وجود كاسيت عليه صورة مغنية سودانية هي (ندى القلعة) فطلبت الإستماع إليها من باب الفضول. بدأت ندى تردد أغنية ورد فيها ذكر المك نمر. قلت لأمنية (وهي جعلية من كبوشية مولودة بالسويد) هل تعرفين المك نمر؟ قالت بثقة كبيرة نعم بالتأكيد. فاندهشت حقيقة كيف لأمنية أن تعرف المك نمر وهي التي ولدت وعاشت في السويد وريان وزميلاتها لم يستطعن التعرف على زيدان وهن الولدن وعشن بالسودان!! قلت لأمنية من هو المك نمر؟ قالت بثقة متزايدة: صيدلية في الخرطوم!

ألا رحم الله زيدان رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنّاته وباعد بينه وبين خطاياه كما باعد بين المشرق والمغرب. اللهم أغسله بالثلج والماء والبرد.. اللهم أبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله.. اللهم أجمعنا وإيّاه في مستقرّ رحمتك. اللهم إنّا نسألك بإسمك الأعظم أن توسّع مدخله.. اللهم آنس في القبر وحشته وثبّته عند السُّؤال ولقّنه حجّته وباعد القبر عن جنباته وأكفه فتنة القبر وضمته وأجعل قبره روضةً من رياض الجّنّة ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه ، وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيّئاته. اللهم ألحقه بالشُّهداء وأفتح عليه نافذة من الجّنّة وأجعل قبره روضةً من رياضه.. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

مدخل للخروج:
وانت يا بنيتى جزيرة من البديع والبيان ،  وقطعة من الربيع تسبق الأوان .. وأروع الصغار منذ جادت العصور بالزهور، ومنذ أن تكونت بجوف كل حبلة ٍ عيون  نطفة ٍ وقور،  ومنذ أن تفجر الزمان ..