منى عبد الفتاح

سلامٌ على "نُوح"ٍ في ...تركيا
 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  من منا نحن المنتظرون النجاة على سفينة "نوح" أخرى لآخر الزمان هذا بوسعه أن ينتظر بصبر وأناة.من منا يستطيع التثبث بأحلامه العفوية البسيطة المؤجلة إلى حيث تقلنا سفينة النجاة ، وحتى يأتي ذلك الحين نعلنها ملء السمع :لم ينجو أحد لم يبق  أحد ، غياب مؤقت ثم طوفان تهمد بعده حركة الحياة.

 النجاة النجاة ، ربما مسافات بمقياس الميل البحري أو بمقياس عُمرٍ مقداره مائة ألف سنة منذ تفجرت الأرض عن مائها وأفاضت سخاء بعد ازدياد عدد البشر وزيادة شرورهم وآثامهم فأمر الله "نوحاً" أن يصنع سفينة ضخمة يُدخل فيها من كل زوجين اثنين لينسج الزمان حول رحلة "نوح" حقيقة النجاة الخالدة التي جرت أخيراً في انسياب نهر "البسفور" واستقرت الحكمة الخالدة من الطوفان عند جبل "الجوديّ" ،"وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ"سورة هود.

 يروي التاريخ أن "نوحاً" كان الحفيد العاشر لآدم وإنه كان الأب الثاني للبشرية بعد نجاته ومن معه من الطوفان العظيم الذي وحسب المعتقدات الدينية و الأساطير السومرية ، قد أباد البشرية جميعاً بإستثناء الذين نجوا من الطوفان لإستعمالهم سفينة عملاقة يقترب حجمها من "تايتنيك" ، وإشتهرت هذه باسم سفينة نوح. ظهر حطام السفينة في تركيا على يد أفراد البعثة البريطانية الذي أيدت حقيقته الكتب المقدسة وعلماء الجغرافيا والجيولوجيا ، كما أكدوا أن الطوفان حادثة كونية شملت أنحاء الأرض التي لم يكن فيها غير قوم "نوحٍ" آنذاك وهي منطقة الشرق الأوسط الحالية.

 هذه الحادثة إن فاتتنا الفرصة لنتفكر بقصتها الأولى في القرآن الكريم ، فبقيّتها المحسوسة الآن تدلل على أن كثيراً من الأحداث لا ينبغي قذفها خارج فقه الأزمنة .ليس صدفة أن تكون القصة كلها في منطقة الشرق الاوسط ، مهبط الديانات التي زخرت بكثير من الأفعال _ إرسال الرسل _كرد فعل على استبداد قوم ظالمين. وليس بغريب أن نرى مناطق الصراع الملتهبة فى العالم تقع معظمها على خريطة الشرق الأوسط أيضاً ليس بسبب نظرية المؤامرة ولا لعنة البترول.وفي هذا الوقت تظهر بقايا سفينة نوح ليس ببعيدة عن الغيوم السود التي يرسلها الدخان المتصاعد من القصف الجوي والبري والبحري على سكان مدينة "غزّة ".

 أرثى لحال أمتي وانتمائي ، أنظر من خلال ثقوب هويتي العربية فلا أرى غير الدمار من كل جانب والتشرذم والتفكك ليس بمنبئٍ عن حال أمة سوية . ألجأ إلى ممرات أخرى في الذات المكابرة ، أتحاشى بها الوقوع في أسر أمة يكذب بنوها على أنفسهم ويصدقون أنهم خير أمة أخرجت للناس ناسين شرط الإيمان لتحقيق ذلك بتحقيق سلام مع النفس والآخرين . ومع كل هبوط حاد في البحث عن وهم ،تهبط حراراتي ويفر قلبي ليرجعني إلى هويتي الإفريقية فاستعيد ثقتي حيناً وأرجع بعدها إلى ذات البعد الأكبر والعبء الأكثر ، فلا أرى غير البؤس والحرب المدعمة بجسور الاغتراب ، فإلى أي النقطتين أنا أقرب.

 أتعاطف مع سكان "غزة" دون الاعتبار لأي انتماء فليس فيه ما يفرح القلب الحزين ، ولكن بسبب المأساة الإنسانية التي صنعتها يد السياسة وظلم الإنسان لأخيه الإنسان ، سنّة القتل التي سنّها "قابيل" على أخيه "هابيل" والتي كانت أيضاً في نفس المنطقة وبالتحديد في "مغارة الدم" عند جبل "قاسيون" شمالي دمشق .لعبة الموت المستمرة منذ انطلاقتها وقاعدتها تتوسع بلا نهاية ، وهي راسخة في مجرى الدم وفي عقول وأذهان سلالاتنا المتعاقبة عن "آدم" ومسرحها الكبير ليس غير هذا الشرق الأوسط الذي ينتظر بفارغ الصبر النجاة على ظهر سفينة "نوح".