كيف لا

وطن، المفردة والمعنى تترك غصة في الحلق لأنّ الحديث عنها في فترة فاجعة استطال أمدها حتى ركدت في مستودع الوعي. بدلاً من الحب يكون السخط، وبدلاً من المحنة تكون الشفقة، أما ما بطن منها فهو عصي عن الإفصاح به. والوطنية عندنا أصبحت هي العبارة الوحيدة  التي تشكل مفتاح العزلة الموجعة والفرادة  الذاتية التي يختارها إنسان السودان في الداخل أو الخارج وتتشكل تبعاً لها خصوصيته الممزوجة مع طبيعته.
أدبيات اليوم تحبذ استخدام مفردتي "المواطن العادي" وهي إشارة إلى المواطن المسكين، الأغبش، المغلوب على أمره، وذلك حتى تفرق بينه وبين " المواطن غير العادي"وهو مواطن درجة أولى، أنيق، نظيف، منعّم، ابن الحكم أو ابن السوق، صنعته عزلة النخب أو الرفعة الطبقية أو السحر في جلال الامتيازات غير المستحقة، وبينه وبين المواطن العادي الابن الشرعي للفاقة وعزلة الروح الشعبية التي تسكن فؤاداً مكلوماً أرتال من الحقد والغضب والعجز.
المواطن العادي يمارس وطنيته في صمت، بيده وإن لم يستطع فبنيته وهي أضعف الإيمان، فوطنيته أحياناً حبٌّ معبرٌّ عنه بالفعل الذي يتفق معه، حبٌ لو لم يوجد لما وجد وطنه الذي يطفو على سطحه الآن. يمتلك كثيراً من  القدرات الأدبية إلّا أنّه لا يجهر بشعره المنظوم، لأنّه ومنذ أن غنى مصطفى سيد أحمد " والله نحنا مع الطيور  ألما بتعرف ليها سكة ولا في ايدا جواز سفر" رُمي كل مترنم بها بالخيانة والعمالة وأنّه ضد مصلحة الوطن العليا. كما أنه لا يقوى على صياغة نظريات في حب الوطن ولكنه بدلاً عن ذلك يستيقظ باكراً ويبتسم في وجه أخيه إذا ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، يسعى لأن يربي أبناءه ويوفر لهم ما استطاع من وسائل العيش الكريم، يفعل ما بوسعه من أجل أن تتحقق الظروف الملائمة لتطورهم النفسي والعقلي والبدني والاجتماعي دائراً في فلك "خبز، تعليم، صحة، مأوى"، فهو يعرف متى يضحي بحق فطور أطفاله من أجل حق الطباشير، ويعرف متى يصبر ويحتسب، وبهذا فهو لا يكف عن ممارسة وطنيته اليومية الصامتة في الحقل أو المصنع أو الشارع أو المؤسسة ليتحقق تلاحمه مع وطنه فيرتفع إلى أعلى درجات الإيمان.
أما في الجانب الآخر فتصم الآذان صيحات المتنفذين والمستفيدين من خيرات الوطن المنادين بالوطنية على طريقتهم الخاصة ، للاحتفاظ بمراكزهم ونفوذهم، لا يحترمون رأياً آخر، بل لا يؤدون عملاً بعيداً عن ظلال المحسوبية  والغش والفساد. ما أقبح أدعياء الوطن وهو لا يستطيع عزل معناه عن سلوكهم، ومصادرتهم الحق في لقمة عيش لجائع أو دواء لمريض أو ابتسامة على وجه طفل بدلاً من إراقة دموعه ودمه، أو إزالتهم لعثرات الطريق بلافتات تدلك إلى طريق السلامة بدلاً من أن يقتلع حماته غرامات هي في أصلها جبايات . وغيرها من الأفعال التي تفقد الانتماء للوطن حتى يتساوي ضياعه مع بقائه في نفس المواطن ، هي تربية تغرسها أنظمة الاستبداد على مدار تاريخ السودان، حتى لم يتبق من حب الوطن في قلب إنسانه شيئاً .
الوطنية في أبهى حالات كمالها معانٍ خلاقة وسعي لتحقيق التطور والتقدم ، ولكنها تعني عندنا الضعف والخور ، وفي أفظع حالاتها حمل السلاح وإراقة الدماء حتى تحولت البلد إلى بارود تلقي فيها دولة مثل الصين جذوة صغيرة من شعلتها الأولمبية لتتحول إلى حريق لا يبقي ولا يذر ، بينما ترنو دول أخرى هازئة  ترقب وطناً تشيده الجماجم.
(عن صحيفة الخرطوم)


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////