كيف لا

متابعون وقراء صحف سجلوا بعض الملاحظات على أداء الصحف الورقية في بعض جلسات التفاكر الافتراضية في شأن الصحافة السودانية. أبرز ما لفت نظري هو إثارة نقاش حول المواد الترفيهية المستوردة والتي بدأت تزحف إلى الصحف في ظل غياب المحتوى الترفيهي الداخلي حتى باتت تسيطر على صفحات عديدة منها. نقلتني هذه المتابعة إلى انتقاد قدمه كلفين ماكنزي، الصحفي البريطاني ومحرر جريدة الـ(صن) السابق مبدياً استغرابه حول استيراد الترفيه والمحتوى في الإعلام العربي عموماً ، ومنتقداً عدم تنمية الابتكارات المحلية في هذا المجال. استغرب ماكنزي أيضاً من أنّ  المطبوعات تحرز أرقام هائلة معتبراً  أنّ زيادة توزيع بعض الصحف في الشرق الأوسط مجرد استثناء يؤكد القاعدة وهي أنّ التحول الرقمي أمرٌ حتمي آتٍ لا محالة.
وإذا أضفنا إلى خيوط الشؤون الحياتية المتشابكة والمعقدة التي تحتل السطور الأولى في قائمة أولويات الصحف وتناول المحررين والكتاب، فإنّ هذه الصفحات لا يتسق مجيؤها سابقاً لوزن الخبز وطفح المجاري وعلاج الملاريا،وأخطاء المستشفيات الخاصة القاتلة ولا يجب أن يتخذ نفس مسار الهموم العامة. فبالرغم من أنّه لا أحد يختلف على أنّ الصحافة الجادة هي التي تفرض على سياستها التحريرية أن تكون الأولوية للمشاكل المتصلة بأساسيات الحياة ومعيناتها وتنظر في ظروف البلد الراهنة من مصادر الرزق وعدم المأوى إلا أنّه ليس شرطاً لتحقيقها تأجيل أو إنكار الدور في دور المحتوى الترفيهي في الصحيفة، أو إهمال ما يدور في العالم من حولنا كلياً.
ولكن السؤال لماذا تتقاصر المواد الترفيهية المحلية دون الوصول إلى صفحات الصحف ،ليسد حاجة اللجؤ إلى مواد ترفيهية خارجية قد لا تضر ولكنها بالتأكيد لا تحقق الفائدة التي يمكن أن تحققها مواد الترفيه المرتبطة بواقع البلد ومكوناته الثقافية.
في الوقت الذي يخوض فيه العالم معركة التحول من الصحافة الورقية إلى الإلكترونية تفعل الصحف السودانية العكس، فنجدها تجلب ما في بطون الانترنت وتنثره على صفحات الصحف المحلية دون حتى إضفاء لمسات تحريرية خاصة.  
ولا يهتم الناقل بطبيعة المادة سوى أنّها ترفيهية ويمكنها أن تجلب نصف ابتسامة وسط زخم الهموم الحياتية. ولا نقول أنّ الصحف خالية تماماً من المواد الترفيهية المحلية ولكنها عبارة عن نماذج من هنا وهناك. بعضها يظهر بوضوح في إحاطة بأخبار الفنانيين والفنانات الغريبة وسعي بعضهم إلى تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الكسب السريع بإضافة الغناء الرخيص ليأتي على ما تبقى من معانٍ للفن الأصيل  ويأخذ في طريقه محاولات إنقاذ ما تبقى من حياء اجتماعي. أو أخبار يحسبها محرروها فكاهية عن نجوم لمنتديات كل موهبتهم هي التعليقات الخارجة عن الذوق السليم، ثم مروراً بعكس سخرية المدونين من الواقع في شكل لا يقترب من أي فكاهة أو ترفيه ، بل أرتال من مستثيري الشظايا واللهب ومنهم عدد مقدّر فاقد الأهلية يسوّق لحبر مدونته الرخيص عند المنعطفات.
تذهب الصحف لهؤلاء وتترك الشارع السوداني المفتوح المليء بالمفارقات المثيرة ، وبالرغم من توفر المداخل إليه إلا أنه يحتاج إلى  نظرة تلتقط  ما يدور فيه دون كثير عناء.
ومن كل هذا وذاك يزداد استفهامنا على استفهام، ليحيل المواجهة التي تتطلب من الإبداع أن يعمل على ترقية لغة التواصل مع الجمهور إلى انصرافية هذه اللغة عما يدور في واقعنا المعيش. فاللغة المفاهيمية التي تشتمل على عكس ما يدور في هذا الواقع لا تحتاج إلا إلى قصدية الوصول إلى ذات الجمهور .
(عن صحيفة الخرطوم)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.