كيف لا

وقفت ألف مرة أمام خبر شروع بعض السودانيين في التنازل عن جنسياتهم طوعاً واختياراً تمهيداً للحصول على جنسيات بلدان أخرى . وليس عنصر المفاجأة وحده في حدث جلل كهذا بالنسبة لنا كسودانيين وما تعنيه لنا هذه الجنسية هو ما استوقفني، وإنما أيضاً محاولة معرفة انعكاس وردود فعل هذه الطلبات التي بلغت (15) طلباً على الرأي العام . لا حس ولا خبر حتى هذه اللحظة، الكل يترقب في صمت، وفي هذا الوقت الذي ما زالت الإدارة العامة للجوازات والهجرة والجنسية بوزارة الداخلية تنظر في هذه الطلبات. الجميع يحبسون أنفاسهم حتى ظهور النتيجة، فإن جاءت إيجابية وتمت الموافقة على اسقاط الجنسية السودانية عن هؤلاء المطالبين تبعهم أرتال من الراغبين في استبدال سودانيتهم بغيرها، وإن لم تتم الموافقة عليها ابتلع الآخرون ألسنتهم !
وراد جداً بل مرغوب فيه لدرجة هوس البعض والسعي المستميت بتلفيق قصص التعرض للتعذيب في سبيل حصول كثير من المواطنين السودانيين على جنسيات أخرى بالإضافة إلى جنسيتهم الأصلية. قد يكسبها البعض ويستفيد منها وتتقاصر عنها مجهودات البعض الآخر رغم سعيهم إليها بكافة السبل . والجنسية المزدوجة فيما أعلم تقدمها في الغالب بلداناً محترمة تراعي حقوق الإنسان ،أما شرط التنازل عن الجنسية الأصل فهو مغامرة لا يتجه إليها إلا من تقطعت به كافة السبل.
الغربة والهجرة والمنفى إن كانت عوالم اختيارية فعلى الشخص العاقل أن يختار بما يمكن أن تحققه له هذه الغربة من مكاسب وفوائد على المدى القريب والبعيد . فما معنى أن يرمي الشخص نفسه في التهلكة ، ومن أجل ماذا يفضل أرصفة الغربة على حضن الوطن . فمسؤولية ما حدث للأديب والفنان التشكيلي السوداني محمد حسين بهنس الذي وُجدت جثته متجمدة من البرد على الرصيف بالقاهرة لا تقع على  كيان معين في بلده الذي اختار مفارقته ولا في البلد الذي اختاره كمهجر له . وغير ذلك من حالات مشابهة كان فيها الضحايا هؤلاء المهاجرين ، لا يمكن إلقاء اللوم فيها على ظروف دفعتهم ولا على جهة حاولت حماية حدودها. فقصص كثيرة عن مجموعات من الشباب وصلوا مؤخراً إلى الحدود المصرية وقضوا برصاص حرس الحدود، وأكثر منهم من تسللوا عبر مصر ووصلوا إلى حدود اسرائيل وقضوا أيضاً بالرصاص على أسوار الحدود الشائكة .
كثير من هؤلاء الشباب دفعهم الإحساس بالغربة داخل الوطن إلى هذا الاختيار بإرادتهم الكاملة ، حتى لو حفّ طريق الغربة الشائك كثير من الآلام أملاً في استبدال الضنك الداخلي برغد العيش وطيب الجو ونقائه وتوفر كافة مقومات الحياة ومتعها وغيرها من أحلام لا أحد يضمن تحقيقها ولكن يمكن تبين الحلم الكاذب من غيره من أحلام اليقظة .  يفكر الشباب فيما يمكن أن توفره لهم الغربة ولا يفكرون في شروط البلدان التي يقصدونها وفي الغالب بطرق غير شرعية ، وماذا أعدوا لها وما هي مؤهلاتهم ومميزاتهم التي تجعلهم يقفون صفاً واحداً ينافسون شباب تلك البلاد ويقتسمون مواردهم وميزانية دولتهم .مقابل ماذا يمكن أن تحترمك بلاداً أخرى غير بلدك ؟ وماذا أعددت من عدة وتعليم ومؤهلات للإبحار في هذه الحياة ووسط أمواجها العاتية ؟
هذه البلاد هي قدرنا في غدونا ورواحنا ، لا يعقل أن نربط حبنا لها بحكومات زائلة وأشخاص فانيين . إن لم نحتمل جورها وتقلبها كما احتملت نزق أبنائها فمن غيرنا يمكن أن يفعل .
(عن صحيفة الخرطوم)



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////